مقال تحليلي

بين حسابات “نتنياهو” الضيّقة وغضب الشارع المحتمل… هل تُجرَى انتخابات ثالثة في إسرائيل؟

لا يسع متابعي الشأن الإسرائيلي إلا النظر بشكٍّ لمصير “الفقاعة” الإسرائيلية التي بدا أنها تلافت عواصف الشرق الأوسط من بغداد لدمشق، ومن بيروت للخرطوم لعدن لبني غازي وطرابلس. الأوضاع على الأرض تبدو هشة حتى لو كان لها بريق ولمعان. ولهذا فإن حصاد الانتخابات الإسرائيلية الثانية التي وصلت إلى طريق مسدود مجددًا، تؤكد أن تل أبيب ليست بمعزل عما يدور في الشرق الأوسط والعالم، وأن دراسة احتمالات التوجه إلى انتخابات ثالثة يرفضها الشارع تستحق النظر والمتابعة لأنها غير مسبوقة (إجراء ثلاثة انتخابات في عام واحد)، وقد تؤدي لانفجار على غرار احتجاجات 2011 أو احتجاجات الإثيوبيين العنيفة عام 2015 والعام الجاري.  بداية…

د. أحمد فؤاد أنور

لا يسع متابعي الشأن الإسرائيلي إلا النظر بشكٍّ لمصير “الفقاعة” الإسرائيلية التي بدا أنها تلافت عواصف الشرق الأوسط من بغداد لدمشق، ومن بيروت للخرطوم لعدن لبني غازي وطرابلس. الأوضاع على الأرض تبدو هشة حتى لو كان لها بريق ولمعان. ولهذا فإن حصاد الانتخابات الإسرائيلية الثانية التي وصلت إلى طريق مسدود مجددًا، تؤكد أن تل أبيب ليست بمعزل عما يدور في الشرق الأوسط والعالم، وأن دراسة احتمالات التوجه إلى انتخابات ثالثة يرفضها الشارع تستحق النظر والمتابعة لأنها غير مسبوقة (إجراء ثلاثة انتخابات في عام واحد)، وقد تؤدي لانفجار على غرار احتجاجات 2011 أو احتجاجات الإثيوبيين العنيفة عام 2015 والعام الجاري. 

بداية الأزمة تتمثل في الفشل المتتالي في تشكيل حكومة، سواء من اليمين المتشدد، أو عبر تحالف الوسط واليسار، أو حتى التوصل لصيغة مقبولة لكلا المعسكرين لتشكيل حكومة وحدة وطنية. 

فما هي فرص رئيس الوزراء الحالي “بنيامين نتنياهو” مقابل فرص الجنرال “بيني جانتس”؟ وكيف يتم تجهيز الساحة للانتخابات كسيناريو غير مستبعد، بل ويمكن وصفه بأنه سيناريو “مطروح بقوة”؟ وهل هناك علاقة بين التجهيز للانتخابات وطرح صفقة القرن رسميًّا؟ 

في البداية يجدر بنا توضيح أن “نتنياهو” سيستفيد من تأجيل حسم الصراع على مقعد رئيس الوزراء لأنه سيظل لفترة أخرى في مقعده المفضل الذي التصق به لأكثر من عشر سنوات، وهو ما يتيح له أولًا تأجيل طرح صفقة القرن التي حصل منها على ما يريده بالفعل، فلا حاجة له بها لأن طرحها سيترتب عليه منح شيء ما للفلسطينيين، وهو يرى أن الفلسطينيين حاليًّا في أضعف حالاتهم، وأن العالم منشغل بقضاياه الداخلية، لذلك لا يجب أن يتم منحهم حتى الفتات. كما يتيح له ذلك، ثانيًا، الإفلات من العقاب بالتأثير على الشهود في قضايا الفساد (وهو ما تم بالفعل مع أحد الشهود) أو حتى التلاعب في الأدلة، وانتقال بؤرة الاهتمام إلى ملفات أخرى بما يضمن فتورًا تدريجيًّا للرأي العام الإسرائيلي إزاء هذه الملفات بعد موجات غضب امتزج فيها السياسي بالاجتماعي بالاقتصادي وبالأمني أيضًا.

ويجب أن يوضع في الاعتبار أيضًا المستجد الأخير باغتيال قيادي “الجهاد الإسلامي” “بهاء أبو العطا”؛ فقد سعى “نتنياهو” لاستثمار العودة إلى سياسة الاغتيالات مستفيدًا من مبدأ عدم تدخل رئيس الأركان في الملفات السياسية، وأن الوزير السياسي “نفتالي بينيت” لم يكن قد دخل رسميًّا وزارة الدفاع الإسرائيلي، حيث تم اغتيال قيادي “الجهاد” قبيل ساعات من استلام “بينيت” للحقيبة الوزارية، الأمر الذي يعفيه من حرج تحمل مسئولية القرار مع “نتنياهو”، في حين دشّن الأخير عمليات قتل لـ”دواعٍ انتخابية”. ورغم علمه بأن اغتيال قيادي “الجهاد” سيكون له رد فعل من الفصائل الفلسطينية فقد سعى “نتنياهو” من خلال العملية لتحقيق ثلاث فوائد مباشرة: 

1- الاستفادة من اضطرار “بيني جانتس” لعدم مهاجمة هذا الإجراء -بعد إبلاغه مسبقًا بتفاصيل العملية- حتى لا يبدو ضعيفًا أو باحثًا عن مصلحة شخصية في الوقت الذي تسقط فيه مئات الصواريخ على إسرائيل، وهو ما يُقلل من حظوظ “جانتس” في أي انتخابات قادمة بوصفه لا يُقدم حلولًا سحرية أو بديلًا عما يفعله عمليًّا “نتنياهو” حاليًّا ومنذ سنوات. 

2- توظيف نجاح جهود التهدئة والسيطرة على الموقف ومنع التصعيد -بوساطة مصرية- لترديد مقولات مفادها أنه حقق ما يريد وبأقل خسائر في ظل عدم تضامن “حماس” مع “الجهاد الإسلامي” في الرد، والاكتفاء برد محدود، مما ستتم ترجمته لاحقًا إلى أصوات في صناديق الانتخابات القادمة بتصوير أنصاره له كزعيم قوي.

3- قد يفتح الاغتيال وما تبعه من هجمات متبادلة الباب أمام حكومة وحدة وطنية بين المعسكرين ارتكازًا إلى قاعدة أن مواجهة “الخطر الخارجي” له الأولوية، كرد على الرافضين داخل “كاحول لافان” لهذا التوجه. وبذلك يكون “نتنياهو” قد استعد أيضًا لاحتمالات عدم إجراء انتخابات.

وبالفعل، انتهت جولة الاشتباكات بشكل أفضل مما كانت عليه في مايو من العام الحالي ونوفمبر من العام الماضي، حيث لم يسقط قتلى على الجانب الإسرائيلي. وفي إطار استعداد “نتنياهو” للانتخابات ضم قياديّ اليمين المتشدد “نفتالي بينيت”، و”إيليت شاكيد” لحزبه. وربما ستكون لدى “نتنياهو” فسحة من الوقت للنكوص في تعهده بعدم طرح قانون تمتعه بحصانة ضد الملاحقة القضائية.

في المقابل، نجد أن معسكر “جانتس” يستعد -بدوره- للانتخابات، حيث كتب “جانتس” على حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “نتنياهو غير مستعد للتنازل عن الحصانة. نتنياهو غير مستعد لمناقشة اتفاق تأسيس حكومة وحدة وطنية موسعة. نتنياهو يريد أن يجرّ إسرائيل لانتخابات ثالثة.. سأفعل كل ما في وسعي لكي لا يحدث هذا.. سأبذل قصارى جهدي لتشكيل حكومة”.

من جانبه، انتهز حفيد زعيم حزب العمل اليساري ورئيس الوزراء الراحل “إسحق رابين” “يوناتان بن أرتسي” فرصة إحياء ذكرى جده بالمشاركة في الهجوم على “نتنياهو” بشدة، قائلًا: “لا توجد حكومة، ولا توجد ميزانية، ولا توجد سياسات أو خطط، توجد ثلاثة لوائح اتهام ضدك وليس ضد نصف الشعب كما تزعم”، مذكّرًا الجميع بأن جده اضطر للاستقالة عام 1977 بعد أن تبين أن زوجته “ليئا” تحتفظ بحساب دولاري بالمخالفة للقانون آنذاك، بينما يتشبث “نتنياهو” بمقعده.

وإذا كانت حالة رئيس الوزراء السابق “إيهود أولمرت” الصحية لا تسمح له بالمشاركة في الهجوم على “نتنياهو”، فقد تولى محاميه “آيال روزوفسكي” تلك المهمة قائلًا: “لو كنت محامي نتنياهو لشعرت بالقلق في ضوء المسيرة القضائية التي وصل إليها”، وهو ما أتى على غرار ما سبق وأن صرح به “أولمرت”: “نتنياهو سيخسر الانتخابات القادمة وسيخرج من حياتنا”.

وبالفعل، خطط “نتنياهو” لأن يدمر الأيام القليلة المتبقية أمام “جانتس” لتشكيل حكومة (تنتهي المهلة الممنوحة له عند منتصف ليل الأربعاء القادم 20 نوفمبر)، كما خطط لتحويل تلك الأيام إلى جحيم بخلطه الأوراق ممزوجةً بالدم الفلسطيني. لكن في أعقاب نجاح الجهود المصرية في فرض وقف إطلاق النار، وتقليص حدة التوتر، والقضاء على مخاوف انضمام “حماس” للاشتباكات، واتساع نطاقها؛ كثّف “نتنياهو” على الفور من جهوده لضرب حزب “كاحول لافان” من الداخل بفصل “جانتس” عن حليفه “يائير لابيد”. ومجرد طرح هذه الأفكار من شأنه أن يشتت الجهود، ويبث خلافات داخل الحزب الذي يضم منذ تأسيسه “حزب يش عاتيد” بقيادة “لابيد” صاحب المطالب الاجتماعية لأنصاره، والطامح في رئاسة الوزراء بالتناوب مع “جانتس”.

سيناريو الذهاب للانتخابات الثالثة

تتجاوز تكلفة تنظيم الانتخابات خمسة مليارات شيكل (ميزانية لجنة الانتخابات)، بالإضافة إلى قروض للمرشحين وخسائر في سوق العمل، والجميع يزعم أنه غير راغب في هذا السيناريو المرهق، لكنه سيكون مسارًا إجباريًّا إذا ما أصرّ عليه “أفيجدور ليبرمان” في المقام الأول، الذي يواجه مشكلة كبرى مع الحريديم الذين يُصرون على التهرب من الخدمة العسكرية، لكنه يعلن مرارًا أنه يسعى لتشكيل حكومة وحدة وطنية لتجنب إجراء انتخابات ثالثة. فقد اختار “ليبرمان” شعارًا لحملة حزبه يسرائيل بيتيو (اليميني الذي يستهدف أصوات المهاجرين من دول الكومنولث الروسي) “مع دولة يهودية وضد دولة شريعة يهودية”. وخلال الأيام الماضية، جدد تأكيده على مناشدة “نتنياهو” و”جانتس” الذهاب لحكومة وحدة وطنية، وتجنيب إسرائيل انتخابات ثالثة، ملمحًا بعد لقاءين منفردين بالغريمين أن “جانتس” هو الأكثر مرونة، ما يعني أنه قد يجنح للتحالف في اللحظة الأخيرة مع “جانتس”، خاصة أنه أدلى بشكل مواكب لتلك الاجتماعات بتصريحات انتقد فيها سياسات “نتنياهو” بشكل حاد، مؤكدًا أنه في ظل هذه السياسات سيكون اندلاع جولة أخرى من المواجهة مع الفصائل الفلسطينية وتعرض إسرائيل للقصف “مسألة وقت”. وفي إطار سعيه لدغدغة مشاعر الرأي العام الإسرائيلي، صرح أيضًا بأنه سيدعم حكومة الوحدة الوطنية -بتأييد النواب الثمانية الذين يمثلون الحزب في الكنيست- حتى ولو لم يشارك حزبه في الحكومة.

موقف “يش عاتيد” بزعامة “يائير لابيد” -كجناح أساسي لكاحول لافان- من شأنه أيضًا أن يكون عنصر حسم في الذهاب لانتخابات ثالثة من عدمه، ولذا استهدفته وسائل الإعلام المقربة من “نتنياهو” وعلى رأسها صحيفة “يسرائيل هيوم”، زاعمةً -في إطار حرب نفسية- أن جولة الاشتباك مع “الجهاد” في غزة خففت من تصلب مواقف “لابيد” من فرضية تشكيل حكومة موسعة مع الليكود، وأنه “اتفق مع بقية قيادات الحزب: الجنرال موشيه يعلون، والجنرال جابي أشكنازي، وبالطبع مع الجنرال بيني جانتس، على استبعاد فرضية تشكيل حكومة ضيقة تعتمد على أصوات القائمة العربية المشتركة”، بل ورضخوا لمقترح أن يكون “نتنياهو” هو الأول في رئاسة الوزراء بالتناوب، ثم يتولى المنصب من بعده “جانتس”، وهو ما يمكن تفسيره -من جانب كاتب هذه السطور- بأنه ضرب للمفاوضات الجارية بين كل الأطراف حاليًّا، وإفساح للمجال أمام “نتنياهو”، مما يمنحه مناورة أكبر. ولن يكون متاحًا أمام أي قيادي بحزب “كاحول لافان” تمريره بسهولة، لأنه سيُعد إخلالًا بتعهدات سابقة، وطوق نجاه لـ”نتنياهو”. وفي جميع الأحوال، يقف حجر عثرة أمام هذه التسوية إصرار “نتنياهو” على ضم الأحزاب الدينية الحريدية للحكومة، وهو ما يرفضه “لابيد”، كما أن الأخير متشبث بوقف “نتنياهو” عن شغل منصب رئيس الوزراء فور توجيه لائحة اتهام له، وإصرار “نتنياهو” في المقابل على أن يستمر في المنصب لفترة حتى بعد إحالته للمحاكمة.

الخلاصة -في هذا السياق- أن السياسيين الإسرائيليين، وعلى رأسهم “نتنياهو”، يقتلون الوقت لأسباب لا يتفهمها ولا يقبلها الشارع الإسرائيلي. فقد أظهر استطلاع للرأي -نشرته “معاريف” منذ أيام- رفض أغلبية الإسرائيليين لإجراء تلك الانتخابات التي تُطل برأسها من جديد، حيث أوضح الاستطلاع أن 66% يفضلون تشكيل حكومة وحدة وطنية، بينما أعرب 34% فقط عن تفضيلهم إجراء انتخابات ثالثة، مع ملاحظة أن نفس الاستطلاع أظهر أن نتائج الانتخابات القادمة ستسفر عن تقدم حزب “جانتس” على الليكود من حيث عدد المقاعد في الكنيست، وفوز “نتنياهو” بمنصب رئيس الوزراء مجددًا في أي انتخابات مباشرة. ويعني ذلك استمرار نفس المشهد واستمرار حالة الشلل المسيطرة على إسرائيل. كما أكد 41% ممن شملهم الاستطلاع أن “نتنياهو” -من وجهة نظرهم- هو الذي يتحمل مسئولية الذهاب لانتخابات ثالثة، بينما رأى 7% فقط أن “جانتس” هو المسئول عن ذلك.

كل ما سبق يعني أن “نتنياهو” يمارس بدون تردد سياسة حافة الهاوية، خاصة أنه بات في الزاوية منذ فترة طويلة، وصارت الخيارات والبدائل أمامه محدودة، وشبح السجن يُطل برأسه ليل نهار. وعلى هذا لن يكون مستبعدًا أن يلجأ المجتمع الإسرائيلي المتضرر اقتصاديًّا وأمنيًّا من تلك السياسات للشارع. لكن يبقى السؤال: هل ستكون الاحتجاجات على طريقة “السترات الصفر” في باريس أم على طريقة بغداد وبيروت وذوي الأصول الإثيوبية جنوبي تل أبيب؟

د. أحمد فؤاد أنور