مقال تحليلي

مستقبل “داعش” بعد مقتل “البغدادي”

أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مقتل “أبو بكر البغدادي” (زعيم “داعش”) خلال عملية قامت بها القوات الأمريكية الخاصة “دلتا فورس” المعروفة رسميًّا باسم “فرقة العمليات الأولى”، إحدى وحدات المهام الخاصة في الجيش الأمريكي والتي تقوم مهمتها الأساسية على مكافحة الإرهاب. وقد ادعت كل من المخابرات التركية والكردية مشاركتها في تلك العملية من خلال تقديم معلومات استخبارية، بينما أوضحت تركيا أنها لم تُشارك في العملية، ولكن تم التنسيق مع القوات الأمريكية. ملاحظات مهمة في محاولةٍ للإحاطة بما جرى في هذه العملية نشير إلى الملاحظات التالية:  1- أنّ عملية استهداف “البغدادي” تمت بقرية “باريشا” بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا، والتي تبعد نحو…

محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

أكد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مقتل “أبو بكر البغدادي” (زعيم “داعش”) خلال عملية قامت بها القوات الأمريكية الخاصة “دلتا فورس” المعروفة رسميًّا باسم “فرقة العمليات الأولى”، إحدى وحدات المهام الخاصة في الجيش الأمريكي والتي تقوم مهمتها الأساسية على مكافحة الإرهاب. وقد ادعت كل من المخابرات التركية والكردية مشاركتها في تلك العملية من خلال تقديم معلومات استخبارية، بينما أوضحت تركيا أنها لم تُشارك في العملية، ولكن تم التنسيق مع القوات الأمريكية.

ملاحظات مهمة

في محاولةٍ للإحاطة بما جرى في هذه العملية نشير إلى الملاحظات التالية: 

1- أنّ عملية استهداف “البغدادي” تمت بقرية “باريشا” بمحافظة إدلب شمال غرب سوريا، والتي تبعد نحو ثمانية كم من الحدود التركية، ومن المعروف أن حزام إدلب وبعمق أكثر من عشرة كم تنتشر فيها قوات تركية، وبالتالي من الضروري أن يكون قد تم التنسيق مع الولايات المتحدة حتى لا تحدث مفاجآت في منطقة العمليات.

2- سبق أن أعلنت المخابرات العراقية أن لديها معلومات حول وجود “البغدادي” في بعض الملاذات الآمنة في منطقة الحدود العراقية السورية جنوب دير الزور، وأن المتابعة كشفت انتقاله منها. وربما كانت عمليات الاستجواب التي تمت للقيادِيَّيْن الداعشيين اللذين أخذتهما المخابرات المركزية الأمريكية من سجون “داعش” مع بداية الغزو التركي لشمال سوريا ونقلهما للعراق، قد أعطت معلومات كافية حول انتقال “البغدادي” إلى ريف إدلب تمهيدًا لانتقاله عبر تركيا إلى مناطق أخرى.

3- تشهد هذه المنطقة تواجدًا لعدد من الجماعات والتنظيمات الإرهابية، منها تنظيم “النصرة” أو ما يسمى بفتح الشام الذي يسيطر على مدينة وريف محافظة إدلب، فضلًا عن تنظيم “حراس الدين” التابع لداعش في أحد الجيوب في تلك المنطقة وتحت حماية فتح الشام. وقد قام الأمريكيون بتوجيه ضربة كبيرة له في شهر سبتمبر الماضي بعد وصول معلومات استخبارية مفادها قيامه بتوفير ملاذ آمن لبعض قيادات “داعش”.

4- ينتشر في قرى قريبة من قرية “بريشا” التي جرت فيها العملية مجموعات تابعة لما يسمى بجيش الإسلام التركستاني، ويضم إرهابيين من الصين وروسيا، وهو تنظيم مخترق من أجهزة مخابرات أمريكية وغربية.

5- يوجد في ريف إدلب الغربي أيضًا مجموعات تابعة لتنظيم أحرار الشام التابع للإخوان المسلمين والذي حاولت الولايات المتحدة تسويقه على أنه تنظيم معتدل يُشارك في هيكل النظام السياسي السوري مستقبلًا.

6- أن تركيا نجحت في اختراق التنظيمات الإرهابية بصورة كبيرة في هذه المنطقة، وهناك علاقات تنظيمية بين تركيا و”داعش” منذ حادث القنصلية التركية في الموصل. وكانت تركيا -ولا تزال- معبرًا للعناصر الإرهابية من “داعش” وغيرها للانتقال لبعض دول المنطقة. وهناك تقارير تشير إلى أن “البغدادي” كان في طريقة للانتقال إلى خارج سوريا.

7- من الواضح أيضًا أنه جرى التنسيق مع كل من سوريا وروسيا اللتين وفّرتا مرورًا آمنًا للقوات الأمريكية التي عَبَرَت سوريا من العراق ووصلت لمنطقة العمليات. وتفيد تقارير لمصادر مختلفة بأن ما مررته المخابرات السورية من معلومات حول مكان “البغدادي” لروسيا تم تمريره إلى الولايات المتحدة، وهو ما يُفسر إشادة “ترامب” بتعاونهما.

8- بالنسبة للولايات المتحدة، ارتبط توقيت استهداف “البغدادي” ببدء عملية عسكرية للجيش السوري والروسي منذ ثلاثة أيام، وتركزت في منطقة ريف إدلب الجنوبي المجاور لريف اللاذقية، بعد حصول المخابرات السورية على معلومات حول وصول “البغدادي” وعدد من أركان التنظيم إلى تلك المنطقة، ونجح الجيش السوري في الاستيلاء على عدد من التلال في ريف اللاذقية قرب هذه المنطقة، وربما أسرعت الولايات المتحدة بتنفيذ العملية للحصول على الصيد الثمين قبل تصفيته من الطرف الآخر. 

9- يرتبط توقيت العملية أيضًا بزيادة الأزمات الداخلية للرئيس الأمريكي الذي يحتاج إلى نصر محدد يستثمره في مواجهة هذه الأزمات وفي الحملة الانتخابية القادمة.

10- يأتي نجاح القوات الأمريكية في تصفية “أبو بكر البغدادي” ليمثل مبررًا لوجهة نظر الإدارة الأمريكية حول الانسحاب سوريا وإعلان القضاء على التنظيم، والتي تواجه انتقادات من جانب الكونجرس. ومن ثم، من المتوقع أن تؤدي تصفية “البغدادي” إلى تسريع الانسحاب الأمريكي من سوريا فيما عدا منطقتي التنف وآبار البترول في دير الزور.

مستقبل “داعش”

وفيما يتعلق بمستقبل تنظيم “داعش”، نُشير إلى الاعتبارات التالية:

1- أن مقتل “البغدادي” لا يعني انتهاء التنظيم، فبقاء التنظيم سيظل مرهونًا بتحولات المشهد الإقليمي بتفاعلاته ودور الإرهاب فيها. 

2- واجهت قيادات تنظيم “داعش” -ولا تزال- ظروفًا صعبة، وبصفة أساسية فيما يتعلق بتأمين تمركزها بعد خروجها من الملاذ الآمن في سوريا وتشتت القيادات واستقرارها في مناطق تحت ولاية تنظيمات أخرى أو فروع أضعف من أن توفر لها الحماية الكاملة. 

3- من الطبيعي أن يتم تعيين قيادات جديدة وقيادات تالية لها خلال الفترة القادمة. وربما يكون مطروحًا أن يتم تعيين بعض قادة التنظيم في مناطق أخرى في الهيكل الإداري الأعلى للتنظيم، بحيث يصبحوا أمراء أقاليم، وتصبح قيادة التنظيم تبعًا لذلك من خارج القيادة المركزية بما يؤسس لمفهوم “لا مركزية القيادة” داخل التنظيم، وإن كان من المؤكد أن يبقى منصب الخليفة قائمًا لأنه يمثل رمزًا لتماسك التنظيم.

4- من بين الاحتمالات المطروحة إمكانية استنساخ تنظيم جديد بمسمى جديد وقيادات جديدة تستوعب كل سلبيات المرحلة السابقة. ويمكن أن يُحدث هنا نوعًا من التلاقي بين “داعش” و”القاعدة”، في ظل ضعف القيادات الحالية لتنظيم “داعش” وتشتتها، وهو ما قد يُسهل من عملية انضمام وانضواء العناصر التابعة لداعش في سوريا والعراق لعناصر أحد التنظيمات التابعة للقاعدة. 

مجمل القول، إن إعادة هيكلة التنظيم في سوريا والعرق أمر مستبعد في الوقت الحالي، لأنه لا توجد قواعد ولا هياكل، وبالتالي فمن المرجح إعادة هيكلة الفروع أو استقدام قيادات من هذه الأفرع لتولي القيادة العليا في التنظيم. كما أن قدرة التنظيم على استعادة الزخم انطلاقًا من قدراته المالية قد افتقدها بشكل كبير.

كما أن الموقف التركي من التنظيمات الإرهابية على اتساعها لن يتأثر، لأن هذه التنظيمات تمثل في النهاية أداة مهمة تستخدمها تركيا للتأثير في الأزمة السورية، وبالتالي لن يتم تصفية هذه التنظيمات. وسوف تركز مواقف الدول الغربية على القضايا الإنسانية منعًا لتصفيتها، وبالتالي سيبقى هناك ملاذ آمن للجماعات والتنظيمات الإرهابية المرتبطة بداعش والقاعدة، خاصة أن هذه التنظيمات وما تفرع عنها هو صنيعة لأجهزة المخابرات الأمريكية والغربية، ويتم توظيفها لتحقيق أهداف تتنوع وتتغير طبقًا لطبيعة المصالح، ويتم إنهاء خدمتها عند الضرورة، حيث إن “أبو بكر البغدادي” كان مسجونًا في سجن بوكا في العراق الذي كان يديره الأمريكيون، وبعد أن أُفرج عنه تم تصعيده لقيادة التنظيم الإرهابي رغم أنه لم يكن من القيادات التي لها وضعها آنذاك.

أضف إلى ذلك أن المرشح لخلافة البغدادي “عبدالله قرادش” كان أيضًا مسجونًا لدى الأمريكيين في العراق، ورغم دمويته إلا أنه يفتقد للشعبية داخل الكوادر العليا للتنظيم، وهو ما يجعل الباب مفتوحًا لتحديد الأمير القادم للتنظيم.

ومن المسلّم به أنه سوف تتكشف أمور كثيرة خاصة بالتنظيم خلال الفترة القادمة، ولكن من المرجح أن تبدأ عملية هجرة منظمة لكوادر إرهابية من سوريا إلى دول المنطقة، وهو ما يفرض المزيد من الانتباه والحذر، خاصة مع ما هو متوقع من تصاعد النشاط الإرهابي لبعض الفصائل المرتبطة بالتنظيم للتأكيد على استمراريته.

محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي