مقال تحليلي

الغزو التركي لشمال سوريا… خلط جديد للأوراق

 بدأت تركيا تدخلاً عسكريا في الشمال الشرقي لسوريا لإقامة المنطقة الآمنة التي تحدثت عنها طويلا، وذلك في خطوة منفردة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه بينها وبين الولايات المتحدة من إقامة منطقة عازلة بين الوجود التركي في المنطقة التي استولت سابقا (عفرين) والمنطقة الجديدة المستهدفة حاليا، وتسيير دوريات مشتركة بين البلدين في المنقطة لضمان عدم وجود قوات عسكرية للاتحاد الوطني الكردستاني، فضلا عن انسحاب قوات ذلك الحزب بعيدا عن تلك المنطقة. وقد توافق مع الإعلان التركي سحب الرئيس الأمريكي تعهداته التي سبق أن التزمت بها الولايات المتحدة للأكراد السوريين، وهو ما منح تركيا ضوءا أخضر لتنفيذ مشروعها. وقد بدأ الحشد العسكري…

محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

 بدأت تركيا تدخلاً عسكريا في الشمال الشرقي لسوريا لإقامة المنطقة الآمنة التي تحدثت عنها طويلا، وذلك في خطوة منفردة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه بينها وبين الولايات المتحدة من إقامة منطقة عازلة بين الوجود التركي في المنطقة التي استولت سابقا (عفرين) والمنطقة الجديدة المستهدفة حاليا، وتسيير دوريات مشتركة بين البلدين في المنقطة لضمان عدم وجود قوات عسكرية للاتحاد الوطني الكردستاني، فضلا عن انسحاب قوات ذلك الحزب بعيدا عن تلك المنطقة. وقد توافق مع الإعلان التركي سحب الرئيس الأمريكي تعهداته التي سبق أن التزمت بها الولايات المتحدة للأكراد السوريين، وهو ما منح تركيا ضوءا أخضر لتنفيذ مشروعها. وقد بدأ الحشد العسكري التركي تمهيداً للعملية العسكرية في تلك المنطقة، وأعلنت الولايات المتحدة انسحاب قواتها من المنطقة العازلة، وهو ما أعطى لتركيا الضوء الأخضر، وتم سحب القوات العسكرية الأمريكية التي كانت تنتشر في المنطقة المرجح التدخل العسكري التركي فيها.

التوغل التركي المُرجح يستهدف السيطرة على شريط حدودي بطول حوالي 500 كيلوا وعمق 30 كيلوا، ويعتبر امتداداً للسيطرة التركية على عدد من المدن (عفرين، الباب، اعزاز) ونشر قوات تركية داخلها، وما يُسمى بالجيش الوطني السوري التابع لها في تلك المنطقة، والقيام بعمليات “تتريك”، حيث تم الإعلان عن إنشاء فرع لجامعة تركيا، ومنشآت إدارية وإدارات تركيا لإدارة الإقليم، وفرض المناهج التركية على مدارسها. وتؤكد العديد من المصادر أن التحرك التركي سوف يكون في مقدمته ما يسمى بقوات الجيش الوطني التابع للمعارضة السورية، والذي يضم العديد من المنظمات العسكرية التي حاربت النظام السوري في السنوات الماضية، وهي قوات تتعاون مع تركيا وتتحرك تحت قيادتها، ونجح الجيش السوري في إبعادها خاصة من منطقة حلب وريف إدلب واللاذقية. وتسيطر هذه القوات على الشريط الحدودي بين مدينة جرابلس الخاضعة للنفوذ التركي وحتى ريف اللاذقية، ويشرف إدارياً على تلك المناطق والي تركي مٌكلف بها يقيم في محافظة “هاتاي”، فضلا عن 500 ألف تركماني سوري تم توطينهم في تلك المناطق بعضهم كانوا لاجئين سوريين في تركيا ولهم فصائل مسلحة تعمل بتمويل وتدريب وتسليح من المخابرات التركية مثل تنظيم السلطان مراد أو تنظيم السلطان عبدالحميد والذين يطالبون بمنطقة حكم ذاتي خاص.

في هذا الاطار أيضا، تراجعت تركيا عما سبقت أن التزمت به مع كل من روسيا وإيران حول محاصرة تنظيم فتح الشام “النصرة” التابعة للقاعدة تقديرا منها للاستفادة من هذا التنظيم في العمليات العسكرية المرجحة مع وحدات حماية الشعب الكردية. هكذا نرى أن الاستراتيجية التركية لاقتطاع كامل الشمال السوري الغربي والشرقي، ومحاصرة القوات العسكرية التابعة للأكراد قد استكملت حلقاتها، وسوف يبدأ التنفيذ خلال الفترة القادمة وهو ما سيؤدي إلى تداعيات غير محسوبة على مسار التسوية السلمية للأزمة السورية والاستقرار في سوريا بصفة عامة.

وإذا ما نظرنا الي موقف الأطراف ذات التأثير في الأزمة سنلاحظ ما يلي:  

1- الموقف الأمريكي 

جاء قرار الرئيس الأمريكي بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا متفقا مع جهة نظره التي أعلنها منذ البداية بضرورة عودة القوات الأمريكية من سوريا والتي عدلها البنتاجون إلى إعادة انتشار وتحقيق الوجود بسبب عدم انتهاء الحرب على “داعش” وحتى لا يعطي الفرصة كاملة لزيادة النفوذ الروسي الإيراني في المنطقة. وتم الاتفاق يومها على الاكتفاء بوجود 2000 جندي أمريكي في شمال سوريا وشرق الفرات بالإضافة إلى 2000 جندي آخرين في قاعدة التنف في الجنوب. ويؤكد البنتاجون أن المقصود بقرار الرئيس الأمريكي هو إعادة انتشار الألفي جندي الموجودين في الشمال. والقرار الأمريكي على هذا النحو أيا كانت التبريرات يتضمن التخلي عن الأكراد وإعطاء موافقة ضمنية لتركيا بالتدخل وفرض السيطرة، وإن كان التحفظ الأمريكي يستهدف استيعاب التداعيات السلبية للأكراد. ومن المرجح أن يؤدي هذا التحفظ على نوع من التحجيم للتوغل التركي مع كفالة محاصرة وانتشار القوات العسكرية للأكراد.

وفي تقديري أن الموقف الأمريكي وإن ارتبط بحرص الرئيس الأمريكي على تنفيذ التزامه الانتخابي بإعادة القوات الأمريكية من الخارج، ومنها القوات الأمريكية في سوريا، وهو ما يحرص عليه قبل الانتخابات القادمة، فإن دوائر أمريكية رأت أن الأزمة السورية قد بدأت تتخذ مسارات تجاه الحل السلمي، وأن الضغوط الأمريكية قد نجحت في أن تأتي بتشكيل للجنة الدستورية أكثر توازناً ولا يخضع لطبيعة التوازن العسكري على الأرض كما كان يُصر النظام الروسي وهو ما تعتبره تلك الدوائر نوعا من الإنجاز.

2- الموقف الكردي

راهن الأكراد منذ البداية على موقف محايد من الأزمة السورية ولم ينضموا للفصائل العسكرية لمحاربة النظام، وحدث نوع من المهادنة. وتركزت استراتيجيتهم على إقامة منطقة حكم ذاتي تتجه إلى الاستقلال، فأقاموا إدارات للحكم الذاتي والسلطة المدنية، واستولوا على آبار البترول بحيث ظهرت المنطقة وكأنها دولة مستقلة. وساعدت الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق ذلك، سواء بتقديم دعم عسكري مباشر، أو مساعدات عسكرية تكفل للإقليم توافر مقومات الاستقلال وتجزئة الدولة السورية كهدف استراتيجي، وهو ما دفع الأكراد إلى عدم التجاوب مع الحكومة السورية للعودة إلى الدولة السورية والتجاوب مع النظام السوري الذي كان قد عرض عليهم حكماً ذاتياً متميزاً ضمن الدولة المركزية السورية، ومنع الأكراد-بمساعدة الأمريكيين والقوات العسكرية الغربية (فرنسية، ألمانية، بريطانية)- استعادة النظام السوري السيطرة على مناطق شرق الفرات. وقد جاء الموقف الأمريكي ليؤكد أن الرهان الكردي الدائم على الأمريكيين هو رهان خاسر، خاصة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت المسئولة عن رفع سقف توقعاتهم وتعطيل الحوارات والمفاوضات التي كانت ستتم بينهم وبين النظام، حيث طمأنتهم الولايات المتحدة بأن ما تم اتخاذه من إجراءات مع تركيا سوف يكفل تأمين الحدود وعدم حدوث تغيير ديمغرافي في المنطقة كما يتخوف الأكراد.

3- الموقف الروسي

كانت روسيا -ولا تزال- أحد الأطراف الأساسية في مسارات الأزمة السورية، ولاشك أن اللقاءات التي جرت، سواء على مستوى الرئاسات أو كبار المسئولين الروس والأتراك والأمريكيين، قد وضعت خريطة طريق. من بين ذلك الموقف في الشمال السوري، وتم عقد اتفاقات من تركيا بهذا الخصوص تكفل تمدد وانتشار الجيش السوري في الشمال السوري، وكذلك ريف اللاذقية وادلب. إلا أن تركيا لم تلتزم بذلك ولم تتخذ سوريا أو ايران للضغط على تركيا بهذا الخصوص. وحرصت روسيا على استثمار التعامل مع تركيا على هذا المستوى لتحقيق العديد من المصالح الروسية، التي من بينها محاولة جذب تركيا نسبيا بعيدا عن التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وإبداء نوع من التفهم للمطالب التركية بشأن الأكراد الذين رفضوا مساعيها للتقارب مع النظام. 

وفي تقديري أن الموقف الروسي لن يتجاوز ما تم الإعلان عنه من رفض التهديدات التركية لشرق سوريا والتوغل العسكري في تلك المنطقة حفاظا على مستوى العلاقات القائم مع أنقرة واستثماراً لتحقيق المزيد من المكاسب على هذا المستوى، وقد ترى في التحرك التركي دافعا لإرغام الأكراد لإعادة الحوار مع النظام السوري ومحاصرة النفوذ الأمريكي على هذا المستوى. 

4- مواقف القوى الأوروبية 

أعلنت الدول الأوروبية التي لديها اشتباك مع الأزمة السورية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) رفضها التحرك التركي، لكن هذا الموقف لم يتجاوز الرفض العلني ولم يصل إلى حد التهديد بأية عقوبات، وذلك رغم ما لديها من قلق شديد من انعكاس التحرك التركي على محاربة “داعش” الذي لا تزال له بيئة حاضنة في تلك المنطقة ويحتجز الأكراد أعداداً كبيرة من رعايا تلك الدول المنتميين إلى داعش، حيث يمكن أن يدفع ذلك الأكراد لإطلاق سراحهم وتهديد الأمن في هذه الدول. بهذا المعنى، فإن هذا التداخل قد يدفع بالدول الأوروبية إلى تطوير موقفها مستقبلا اتساقا مع تطور العمليات العسكرية.  

5- الموقف الإيراني 

جاء الموقف الإيراني الرافض للتحرك التركي هادئاً ويستهدف عدم إثارة التوتر في تركيا، خاصة أنها تتفق استراتيجيا في التعامل مع الأكراد الذين يسعون لإقامة منطقة حكم ذاتي في إيران، وبسبب إدراك إيران لثقل ووزن عدد من القيادات العسكرية الكردية الإيرانية داخل وحدات حماية الشعب الكردية والتي تضم كذلك مجموعات كردية إيرانية وعراقية.

الخلاصة، ترتيبا على ما سبق يمكن أن نخلص لعدد من الملاحظات المهمة: 

1- إن التحرك التركي ليس جديدا وإنما يتفق مع السياسة التركية منذ بداية الأزمة السورية واستراتيجيتها التي تسعى إلى تغيير التركيب الديمغرافي في المنطقة وإعادة توطين اللاجئين السوريين السنة كحاجز بين الكتلة الكردية وتركيا وكنوع من الحاجز البشري المسيطر عليه أمنيا وإداريا، وفاصلا بين أكراد سوريا وأكراد تركيا والعلويين في سوريا وتركيا، وتتريك المنطقة فيما يمكن وصفة بالضم الهادئ لأراضي سوريا إلى تركيا. 

2- إن الرفض الإيراني للموقف التركي يعتبر نوعا من إبراء الذمة، ولن يتجاوز موقفها ذلك في ظل الموقف التركي المساند لها مع مواجهة التهديدات الأمريكية. 

3- هناك احتمالات كبيرة إذا ما جرت مواجهة عسكرية واسعة بين الجيش التركي والفصائل العسكرية الموالية لتركيا، من ناحية، والأكراد من ناحية أخرى، أن يؤدي ذلك إلى انتعاش داعش، حيث لا تزال البيئة الحاضنة له -خاصة على الحدود السورية العراقية- تضم الكثير من المجموعات الهاربة، فضلا عن تداعيات ذلك على التوازن الهش الذي تشهده المنطقة.

4- من المؤكد أن مجمل هذه التحركات تؤكد على وجود نوع من التوافق والمهادنة الضمنية بين الأطراف المتورطة في الأزمة السورية لعدم عودة الدولة السورية المركزية أو تحقيق نجاح أو تقدم ملموس في التوجه للحل السياسي للأزمة، حيث أن التحرك التركي سوف يؤدي إلى نوع من خلط الأوراق مما قد يؤخر من الذهاب إلى تشكيل اللجنة الدستورية.

5- إن قضية محافظة ادلب سوف تتراجع خلال الفترة القادمة، وبالتالي لن تتم محاصرة التنظيمات الإرهابية التي تتمركز هناك وإعادة انتشار الجيش السوري، وستبقي ورقة في يد تركيا للتعامل مع النظام السوري لتطويع موقفه من التعامل التركي مع الأكراد. 

6- سوف توفر هذه التداعيات المزيد من الفرص لزيادة النفوذ الروسي في سوريا والتي تمثل الطرف الذي يمتلك العديد من أوراق المساومة مع أطراف الأزمة في ظل الانسحاب الأمريكي.

7- إن إسرائيل التي نجحت في ترسيخ علاقات متطورة مع الأكراد السوريين سوف تتأثر سلبيا بتلك التطورات بما يرجح تقديمها دعما للأكراد واستخدام ذلك كورقة للمساومة مع تركيا. وقد يدفعها ذلك للعمل على إقامة منطقة آمنة في الجنوب السوري.

8- إن مجمل هذه التطورات سوف تهيئ المناخ لدور عربي أكثر وضوحا في الأزمة السورية، ينطلق من التأكيد على ضرورة المحافظة على الدولة السورية ورفض الغزو التركي ومساندة النظام السوري في هذه المرحلة بما يفرض ضرورة إعادة دمشق للجامعة العربية، خاصة بعد الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية، وتبني الجامعة العربية الدعوة الي اجتماع وزاري لبحث الغزو التركي للشمال السوري واعتبار القضية فرصة لإعادة الحوار حول التعاون العربي المشترك ومواجهة تحديات الأمن القومي العربي.

9- إن التغيير الديموغرافي التي تستهدفه تركيا في تلك المنطقة سوف يوفر مناخا للحرب الأهلية على أسس عرقية ربما تمتد إلى العراق وتساعد على المزيد من التورط التركي فيها.

محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي