مقال تحليلي

هل يمكن الحوار مع جماعات الإرهاب في إفريقيا؟

يبدو أن الحرب على الإرهاب في إفريقيا باتت تحمل دلالات ومعاني متعددة، وتتداخل فيها مصالح أطراف مختلفة في الداخل والخارج. انعكس ذلك على تمدد وقوة الجماعات الإرهابية، بحيث أصبحنا أمام حالة من الجمود أشبه بتلك المتعارف عليها في لغة الشطرنج. قد تصل المباراة لوضعية التعادل عندما يكون اللاعب صاحب النقلة ليس لديه أية نقلة قانونية وملكه ليس في حالة “كش”. إذا طبقنا هذه المقاربة على الحالة الإرهابية في إفريقيا، فهل يصبح الحوار مع الإرهابيين ممكنا؟ وهل يمكن أن يكون هذا النهج الجديد خيارًا سياسيًّا يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب؟ في أبريل الماضي نظمت جامعتي الأمة (الإسلامية) وتانغازا (الكاثوليكية) في…

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة

يبدو أن الحرب على الإرهاب في إفريقيا باتت تحمل دلالات ومعاني متعددة، وتتداخل فيها مصالح أطراف مختلفة في الداخل والخارج. انعكس ذلك على تمدد وقوة الجماعات الإرهابية، بحيث أصبحنا أمام حالة من الجمود أشبه بتلك المتعارف عليها في لغة الشطرنج. قد تصل المباراة لوضعية التعادل عندما يكون اللاعب صاحب النقلة ليس لديه أية نقلة قانونية وملكه ليس في حالة “كش”. إذا طبقنا هذه المقاربة على الحالة الإرهابية في إفريقيا، فهل يصبح الحوار مع الإرهابيين ممكنا؟ وهل يمكن أن يكون هذا النهج الجديد خيارًا سياسيًّا يمكن الاعتماد عليه في مكافحة الإرهاب؟

في أبريل الماضي نظمت جامعتي الأمة (الإسلامية) وتانغازا (الكاثوليكية) في كينيا “منتدى الحوار الإسلامي المسيحي” لمناقشة قضايا التحول الاجتماعي في إفريقيا. غير أن الطرح الخاص بالتعامل مع بوكوحرام والجماعات الإرهابية أثناء جلسات المنتدى كان جريئًا ويعبر عن تجاوز الخطاب الحكومي السائد بشأن التعامل مع الإرهاب من خلال القوة العسكرية. قال الكاردينال النيجيري جون أونايكان إن الحوار مع الإرهابيين يمكن أن يكون احتمالًا بديلًا، نظرًا لفشل العديد من الجهود الأخرى المستخدمة لمحاربة آفة الإرهاب التي تؤثر على العديد من الدول الإفريقية. يعتقد أونايكان أن الحوار مع الإرهابيين ضروري لحل النزاعات في إفريقيا، حتى لو كان هذا يعني التفاوض مع القتلة. وهو يرى كذلك أن للقادة المسلمين في نيجيريا دورًا رئيسيًا في إقناع أعضاء جماعة بوكو حرام بالجلوس على طاولة المفاوضات.

طبيعة المأزق الراهن والمباراة الصفرية السالبة

على الرغم من تصريحات قادة الدول الكبرى المنخرطة في محاربة الارهاب التي تؤكد على هزيمة داعش فإن المؤشرات الواقعية تؤكد أنها “باقية وتتمدد” في الجبهة الإفريقية. طبقًا لتحليلات معهد الدراسات الأمنية في جنوب إفريقيا فإن هناك مأزقًا مؤلمًا في حوض بحيرة تشاد. إذ تخوض الدول المشاركة في مجموعة العمل المشتركة المتعددة الجنسيات صراعًا مريرًا ضد فصيلين من جماعة بوكو حرام الإرهابية. ومن الواضح أن كلا من بنين والكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا قد استخدموا الحد الأقصى من مواردهم العسكرية في المعارك التي يبدو أنها غير حاسمة. وقد بات من الواضح أن النهج السائد في مكافحة الإرهاب في المنطقة والذي يركز على استخدام القوة -ولو من خلال الدعم الخارجي كما في حالة مجموعة الساحل الخمسة برعاية فرنسية- لم يؤدي بعد إلى تحقيق الأمن والسلام للمجتمعات التي تعاني من خطر الإرهاب. وبالمثل فقد قاومت حركة الشباب المجاهدين في القرن الإفريقي الجهود العسكرية التي بذلتها بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميصوم). ولم تستطع الحملة العسكرية الطويلة التي تقودها الولايات المتحدة وإثيوبيا أن تفت من عضد وقدرات جماعة الشباب الإرهابية التي لا تزال تمثل تهديدًا خطيرًا لمنطقة القرن الإفريقي.

ولاشك أن انقسام بوكو حرام إلى فصيلين في منتصف عام 2016 يزيد من تعقيدات الحالة الجهادية الإرهابية في الساحل وغرب إفريقيا. يقود الفصيل الأول القائد المخضرم أبو بكر شيكاو، والذي يميل إلى تبني خيار التفجيرات الانتحارية والقتل العشوائي للمدنيين. وقد تعهد شيكاو بالولاء لزعيم داعش أبو بكر البغدادي في مارس 2015، بيد أن قيادة داعش المركزية تخلت عنه واعترفت بالفصيل الآخر، الذي يطلق عليه اسم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا بزعامة أبو مصعب البرناوي. ومنذ مايو 2019 نسبت قيادة داعش الإرهابية أنشطة الجماعات الجهادية العنيفة في منطقة الحدود الثلاثية بين مالي وبوركينافاسو والنيجر إلى فرعها في مقاطعة غرب إفريقيا، بدل من ما كان يعرف سابقًا باسم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى. فقد أظهرت مقاطع فيديو دعائية لداعش في 15 يونيو 2019 صورًا امسلحين من نيجيريا ومالي وبوركينا فاسو يؤكدون بيعتهم لأبي بكر البغدادي.

لم تقف الأمور عند هذا الحد حيث أعلن في أبريل الماضي عن مولد “ولاية شرق إفريقيا” التابعة لداعش في كل من موزمبيق وجمهورية الكونغو الديموقراطية. ويعكس ذلك تحولًا في الخطاب الجهادي لتنظيم القوى الديموقراطية المتحدة التي كانت تسعى في البداية إلى إنشاء دولة إسلامية في أوغندا. بيد أنها تحت وطأة الضربات العنيفة التي تلقتها من الحكومة الأوغندية اضطرت للزحف إلى شرق الكونغو ثم تبنت خطابًا أمميًا بنكهة إسلامية. ويشكك كثير من الباحثين في النوايا الحقيقية لهذا التحالف المعارض الذي يبدو أنه يتستر برداء الدين الإسلامي لتحقيق مكاسب سياسية بدليل أنه تحالف في عام 1995مع الجيش الوطني لتحرير أوغندة، الذي يعبر عن توجه علماني واضح.

في ظل الأوضاع والمعطيات الحالية لن تستطيع الدول ولا الفصائل الإرهابية تحقيق النصر العسكري الحاسم. لقد أصبحنا أمام “مباراة صفرية سالبة”، حيث لا يوجد منتصر ولا مهزوم بشكل صريح وإنما كل الأطراف خاسرة. مع مرور الوقت، تتحول المعارك إلى حرب استنزاف مع احتمال ضئيل لتحقيق نصر عسكري كامل، وذلك لأن الأطراف المتصارعة ‏لا تظهر أي علامة على الاستسلام. هذا المأزق هو بالتحديد السبب وراء ‏ضرورة استكشاف بديل الحوار كجزء من مجموعة شاملة تضم خيارات سياسية‎ متعددة.‎

صعوبات الحوار

يبدو أن فكرة الحوار مع الإرهابين لاتزال مرفوضة شعبيا ورسميا. إذ يشعر الكثيرون أنه لا ينبغي للحكومات التفاوض مع الإرهابيين على الإطلاق. فما الذي تستطيع أن تقدمه الفصائل الإرهابية عندما يتعلق الأمر بقبول دعوة إلى طاولة المفاوضات. وإذا كانت الممارسة العملية تؤكد وجود حالات سابقة للتفاوض مع الإرهابيين حتى من قبل حكومات ديموقراطية، فإن ثمة جوانب أخلاقية وسياسية، وحتى إجرائية، ينبغي التعامل معها. على سبيل المثال، ما هي الآثار الأخلاقية والاستراتيجية والسياسية للتفاوض مع هذه المجموعات؟ ما هو النهج الأكثر فعالية؟ وهل يمكن أن تتحدث حكومة شرعية مع الإرهابيين دون تعريض سلامة نظامها السياسي للخطر؟

من جهة أخرى، وبافتراض قبول خيار التفاوض يصبح الموقف بالغ التعقيد. إنه يعبر عن صراع اجتماعي ممتد ووجودي، حيث يقف كل طرف على النقيض التام من الطرف الآخر. على سبيل المثال، هناك نقطة خلاف أساسية تتعلق بإقامة دولة الخلافة الإسلامية التي تهدف إليها بوكوحرام، حيث أن المادة العاشرة من الدستور النيجيري تحظر تبني دين رسمي للدولة. قد يبدو الأمر مختلفًا في الحالة الصومالية التي ينص فيها الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي. ومن ثم، فإن الحوار حول قضايا الشريعة في حالة نيجيريا يوفر مجال محدود للتفاوض مع الجماعات الإرهابية. وعلى الرغم من هذه العقبات، ينبغي استكشاف النهج المحتمل للانخراط في المحادثات بعمق أكبر – وهذا يتطلب خيالًا سياسيًا إبداعيًا وإرادة من جانب الحكومات المعنية.

لقد حاولت الإدارات النيجيرية المتعاقبة الحوار مع بوكو حرام. بيد أن هذه الجهود فشلت بسبب غياب الإرادة السياسية، وعدم وجود توافق في الآراء بشأن الأهداف والنتائج المرجوة من جانب الجهات الحكومية الفاعلة. على سبيل المثال، شكك الرئيس السابق جودلاك جوناثان في نوايا المتعاطفين مع بوكو حرام من أعضاء حكومته. وكانت أول محاولة رئيسية للحوار مع بوكو حرام في سبتمبر 2011 عندما تم تسهيل اجتماع بين الرئيس النيجيري السابق أولوسيجون أوباسانجو مع صهر زعيم بوكو حرام الراحل محمد يوسف. بيد أن هذا الوسيط المقرب من بوكو حرام تم اغتياله في ظروف غامضة وهو ما أجهض العملية التفاوضية في بدايتها. المبادرة الثانية كانت في عام 2012 عندما قبلت بوكو حرام وساطة زعيم المجلس الأعلى للشريعة في نيجيريا الشيخ أحمد داتي. لكن الشيخ داتي انسحب من المحادثات، مدعيًا أن الحكومة كانت غير محايدة حيث قامت بتسريب معلومات إلى وسائل الإعلام. وبعد حادثة اختطاف فتيات مدينة تشيبوك في نيجيريا عام 2014 والإفراج عن بعضهن أضحت هناك مؤشرات واضحة عن إمكانيات التفاوض مع بوكو حرام، لا سيما في ظل وجود انقسامات بين المتمردين، الذين اختلف بعضهم مع فكرة اختطاف الفتيات في المقام الأول. يؤكد ذلك أن الجماعة الإرهابية غير متجانسة بأي حال من الأحوال من حيث آراء الأعضاء، وأنه من الممكن بالفعل استمالة بعض الأعضاء من خلال تبني أفكار تفاوضية خارج الصندوق. ثمة من يستسلمون طوعًا أو كرهًا للسلطات الأمنية. في مثل هذه الحالات، يمكن أن تكون المعلومات التي تم الحصول عليها منهم بمثابة مخزون استراتيجي من أجل فهم عقلية الفصائل الإرهابية.

أسئلة خمسة

 تعد السياسة في أحد أبرز معانيها أنها فن الممكن، فهي دائمًا ما تتطلب إعمالا لمنطق التسوية والتوافق والتوفيق والحلول الوسط وما إلى ذلك. ومن ثم، لا ينبغي النظر إلى الخيار التفاوضي على أنه إقرار بالهزيمة أو أنه يعبر عن خيار استراتيجي يلائم الجميع. إن التفاوض ليس مقاسا واحدا يصلح لكل الحالات “one size fits all” بحيث يتم وضع حد للإرهاب في إفريقيا. وعوضًا عن ذلك ينبغي النظر للحوار على أنه جزء مكمل لاستراتيجية شاملة تشمل كافة مقومات القوة الذكية والتي تتناسب مع عولمة الظاهرة الإرهابية في القرن الحادي والعشرين. ثمة تساؤلات خمسة تطرحها الأدبيات المعنية بالظاهرة الجهادية العنيفة في إفريقيا من أجل كبح جماح الإرهاب وهزيمته:

السؤال الأول، هل يمكن الاعتماد على القوة الصلبة فقط في هزيمة الإرهاب؟ وفقًا للخبرة الإفريقية لا يمكن هزيمة الجماعات الإرهابية بالبنادق والقنابل فقط. يعتبر التفاوض والوساطة من الآليات الضرورية لتسوية تمرد بوكو حرام الذي أدى إلى عدم استقرار نيجيريا على مدى نحو عقد من الزمن. من خلال التفاوض والوساطة قد تبدو بعض الفرص لتسوية النزاع إذا توافرت الإرادة السياسية من قبل الحكومة، وهو ما ينعكس إيجابًا على قضية الإرهاب. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي إعادة صياغة موقف عدم التفاوض من جانب الحكومات وإبعاده عن التصور السائد بأن الدول الضعيفة هي التي تحاور الجماعات الإرهابية. ذلك أن التفاوض لا يعني الإقرار بالهزيمة وإنما قد يكون من موقف قوة ويعبر عن أحد الخيارات السياسية المتاحة.

السؤال الثاني، يرتبط بالاعتقاد السائد عن بدء التفاوض في لحظات تراجع وضعف الجماعات الإرهابية. في الواقع العملي لا توجد لحظة مثالية لبدء الحوار. فعلى الرغم من الإعلانات الحكومية المتكررة عن هزيمة بوكو حرام وأن النصر العسكري الحاسم بات يلوح في الأفق تستمر أعمال العنف وربما بصورة أكثر دموية عن ذي قبل. لا شك أن هناك وسائل كثيرة لبدء الحوار مع الجماعات الإرهابية. قد تفضي المبادرات الحكومية بالحوار إلى دفع التأثير على الحواضن الاجتماعية للإرهابيين بما يعني الحد من دعمهم للعنف، وقد يتحول المعتدلون داخل المجموعات الإرهابية نفسها بعيدًا عن العنف. على الرغم من هذه الفوائد المحتملة، يتعين على صناع القرار استكشاف ما إذا كانت الظروف ملائمة لأي أمل في النجاح قبل بدء الحوار. ولعل ذلك يرتبط بالسياق العام وكل حالة على حدة.

السؤال الثالث، يرتبط بأطراف الحوار والجهات الفاعلة أو الكيانات التي يجب إشراكها فيه. إذ ينبغي البدء بالمجتمعات المتأثرة بالهجمات الإرهابية. من الضروري تقييم موقف هذه المجتمعات تجاه الحوار، حيث أن لدى هذه المجتمعات أيضًا فهم عميق لكيفية عمل هذه الجماعات الإرهابية، وهو ما يساعد على تحديد هوية الأطراف الثالثة المحتملة في عمليات الوساطة والتفاوض. استنادا إلى الخبرة والسياق المحلي في كل من الساحل والقرن الإفريقي، يمكن مشاركة أقارب المسلحين وعلماء الدين الإسلامي البارزين وخبراء الوساطة والجمعيات النسائية ومنظمات الشباب والمؤسسات التقليدية وممثلي العشائر ومنظمات المجتمع المدني. ولعل ذلك يقتضي الدخول مع هذه المجموعات في عمليات بناء الثقة وتأسيس لجان للحقيقة والمصالحة.

السؤال الرابع، يرتبط بالتنسيق الإقليمي من جانب الدول المتضررة. فالحرب على الإرهاب قد أدت الى استنزاف موارد الدول المشاركة. لقد نشرت بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال أكثر من 22000 جندي بتكلفة تبلغ حوالي مليار دولار ‏أمريكي في السنة. كما أن عملية حوض بحيرة تشاد مكلفة بالمثل‎.‎ ومن ثم، ينبغي تشكيل لجنة مخصصة في البلدان المتضررة وتكليفها بوضع استراتيجية من أجل بدء الاتصال والحوار وتبادل المعلومات مع الدول المعنية.

السؤال الخامس، يرتبط بطبيعة مساهمة المجتمع الدولي؛ إذ يجب أن تتجاوز المساهمة الدولية تقديم المساعدات العسكرية إلى الدعم الحقيقي لتيسير المحادثات، أو على الأقل تأييد النهج التفاوضي. لقد بات واضحا أن الغارات الجوية المدعومة من الغرب تأتي بنتائج عكسية وتدعم الحواضن الاجتماعية للإرهاب. ويلاحظ أن الاستراتيجية الدولية للحرب على الإرهاب انتقائية وترتبط بمصالح الدول الكبرى المشاركة فيها، كما أنها في الخبرة الإفريقية ترتبط بطبيعة التنافس الدولي على اكتساب السيطرة والنفوذ في إفريقيا.

لا شك أن نهج الحوار والوساطة يعبر عن اقتراب القوة الناعمة في محاربة الإرهاب والتطرف. إنه يستلزم تسوية سياسية شاملة للصراع بحيث تمثل جميع قطاعات المجتمع ولاسيما تلك المتأثرة مباشرة بالصراع. وعادة ما تكون عملية بناء جسور التواصل والحوار مفيدة، حيث توفر معلومات حيوية حول كيفية تأثر المجموعات المختلفة بالصراع الدامي من جهة، وإعطاء الإرهابيين الفرصة لإثارة شكاواهم من جهة أخرى، وبالتالي توفير نظرة ثاقبة على بعض الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى الإرهاب والتطرف العنيف.

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة