مقال تحليلي

الحرب السيبرانية: الحقيقة والخيال

كثرت في الآونة الأخيرة كتابات لبعض الباحثين المصريين والعرب عن الحرب السيبرانية. معظم هذه الكتابات يؤخذ عليها ملاحظتان مهمتان. الأولى، أنها دراسات أو بمعنى أصح مقالات تعتمد على ما نُشر بالعربية أساسًا في هذا الموضوع، ونظرًا لحداثة الفكرة، فالكتابات العربية فيها ضعيفة موضوعيًّا، وفي معظم الأحوال مبتسرة، ومجرد “تدوير” لما سبق نشره بالفعل دون تقديم أي قيمة مضافة في هذا المجال. الثانية، أن معظم ما طُرح عالميًّا في مثل هذه الموضوعات حديث وينطوي على العديد من المفاهيم العلمية والمصطلحات العلمية الجديدة التي لم تُترجم بعد إلى اللغة العربية أساسًا، وبالتالي لم يتم الاتفاق على توحيد هذه المصطلحات ودلالاتها اللفظية مما…

سفير د.عزمي خليفه
عضو الهيئة الإستشارية

كثرت في الآونة الأخيرة كتابات لبعض الباحثين المصريين والعرب عن الحرب السيبرانية. معظم هذه الكتابات يؤخذ عليها ملاحظتان مهمتان. الأولى، أنها دراسات أو بمعنى أصح مقالات تعتمد على ما نُشر بالعربية أساسًا في هذا الموضوع، ونظرًا لحداثة الفكرة، فالكتابات العربية فيها ضعيفة موضوعيًّا، وفي معظم الأحوال مبتسرة، ومجرد “تدوير” لما سبق نشره بالفعل دون تقديم أي قيمة مضافة في هذا المجال. الثانية، أن معظم ما طُرح عالميًّا في مثل هذه الموضوعات حديث وينطوي على العديد من المفاهيم العلمية والمصطلحات العلمية الجديدة التي لم تُترجم بعد إلى اللغة العربية أساسًا، وبالتالي لم يتم الاتفاق على توحيد هذه المصطلحات ودلالاتها اللفظية مما أدى إلى التباس هذه المفاهيم على الباحثين.

في هذا الإطار، يصبح من الضروري تناول الرؤى الفكرية المتكاملة للفكرة، خاصة أن موضوع الحرب من الموضوعات التي لا يتم طرحها بصورة متكاملة في وسائل الإعلام العربي، فما بالنا لو كانت الحرب سيبرانية؟

بداية، من المهم تذكر أن إحدى قواعد التطور العلمي المستقرة في العالم هي ضرورة إعمال الإبداع والفكر الإنساني باستمرار وقت الأزمات، وأهمية الخروج عن طريقة التفكير المألوفة، أو التفكير خارج الصندوق كما تعودنا أن نقول؛ فهي أهم فضيلة لدفع هذا التطور العلمي، حتى إن أحدث تعريف للثورة العلمية لم يربطها بالتراكم العلمي ولكنه ربطها بتغيير طريقة التفكير. ويؤكد لنا التاريخ هذه الحقيقة في مناسبات كثيرة جدًّا؛ فمثلًا “ألن تورينج” مخترع الكمبيوتر عام 1944 لم يصل إليه إلا لأنه اتخذ طريقة تفكير مغايرة لطريقة تفكير زملائه الذين أوكلت إليهم جميعًا مهمة البحث عن طريقة لكسر الشفرة الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وكانت احتمالات كسرها لا تزيد عن 1: مليار، وقادته طريقة تفكيره إلى اختراع آلة رياضية تقوم بعمليات حسابية سريعة؛ فكان الكمبيوتر.

أولًا- حروب السيبر وحروب المعلومات والحرب النفسية

العلاقة بين المعلومات والحروب قديمة قدم المجتمع الإنساني؛ فتشير الكتب السماوية إلى قصة “أبرهة” ملك الحبشة الذي حاول هدم الكعبة وفر من أمامه العرب خوفًا وهلعًا من الأفيال. نفس الفكرة تكررت فيما بعد حينما رأى فرسان الإمبراطورية الرومانية لأول مرة أفيال بيروس ملك اليونان في معركة هيرقلية عام 280، وبعد استقرار الأوضاع وخسارة الرومان للمعركة قرروا مواجهة الأفيال، فتوصلوا لتكنولوجيا الفئوس لضرب الأفيال في أقدامها. كذلك كان “حصان طروادة” إبداعًا آخر لكسب روما للحرب ضد أثينا. وتمتد هذه السلسلة إلى يومنا هذا؛ فرغم أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يؤرخ لبدايتها باختراع “جوتنبرج” للمطبعة عام 1544، إلا أن الثورة العلمية الحالية لم تحقق أهدافها رغم أنها تستند أساسًا إلى هذه السلسلة من التكنولوجيا إلا بعد أن ظهر تيار فكري في منتصف الستينات يستند إلى وحدة العلوم أدى إلى مولدها.

من ناحيةٍ أخرى، ينبغي أيضًا تأكيد أنه لا توجد تكنولوجيا ذات اتجاه واحد؛ فجميع الثورات العلمية حتى يومنا هذا هي طريق ذو اتجاهين؛ أحدهما إيجابي والآخر سلبي، ولذا فلكل تكنولوجيا أخلاقياتها التي ينبغي أن يحددها أقطاب هذه التكنولوجيا بوصفهم الأكثر علمًا بإمكانيات هذه التكنولوجيا. وقد حدث ذلك من قبل مع التكنولوجيا النووية، ومع الحرب البيولوجية. ورغم حداثة علم السيبرنتيكس المنبثقة عنه كل الأفكار السيبرانية، إلا أن جهود عدد من العلماء بدأت تتركز حاليًّا على هذا البعد الأخلاقي، ولذا أقترح ألا تبتعد مصر عن هذا المجال الحيوي رغم أنها لا تزال مستهلكًا فقط لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لأن لديها قنوات مهمة يمكن أن تؤثر من خلالها في عمليات صياغة هذه الأخلاقيات.

الخلاصة في هذا الإطار، أن الحرب السيبرانية هي أحد وجهي العملة التي لا تقبل الصرف إلا بالوجه الآخر، وهو الاستخدام السلمي لقوة السيبر أو للعلم السيبراني أو السيبرنتيكس. وهذا الاستخدام واسع المدى، ولا يمكن لمصر أن تحقق أهدافها التنموية إلا باستخدام هذا العلم المهم، بدءًا من إقامة الحكومة الإلكترونية، إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ومن استدامة النمو الاقتصادي إلى تحقيق الرعاية الصحية والنهضة بالخدمات الاجتماعية، ومن تنفيذ السياسات العامة للدولة إلى كسب حروب المستقبل، ومن تحقيق التوازن بين الدولة والمجتمع إلى تحقيق نهضة صناعية غير مسبوقة قائمة على استخدام المعرفة، وإلى الاستخدام الكفء لكافة مرافق الدولة من مياه شرب إلى كهرباء إلى سكك حديدية ومترو الأنفاق إلى الصرف الصحي إلى إدارة المفاعل النووي بالضبعة مستقبلًا، إلى إجراء عمليات جراحية عن بعد، إلى إقرار الأمن والنظام وحماية المواطنين وتنفيذ الأحكام ومواجهة الإرهاب الناعم، ومن قيد المواليد والوفيات إلى مكافحة الفساد.

وبما أن أي عملة في العالم تتكون من وجهيها والمادة المصنوعة منها العملة، سواء كانت ورقًا أو معدنًا، فهنا تتبدى لنا الوظيفة الثانية أو الاستخدام الثاني المهم لقوة السيبر وهي استخدامها لإقامة البنية التحتية الأخلاقية؛ وهذه وظيفه رغم حيويتها البالغة إلا أنها وظيفة وسيطة أو وظيفة غير مرئية لأنها تتعلق ببرامج تستخدم لبث القيم الأخلاقية التي توافق عليها المجتمع لحل صراعه السياسي؛ فالدولة هي وسيط بين أصحاب المصالح المتصارعة، وتجري الدولة عملية التفاوض تلك من خلال البنية التحتية للأخلاق التي تتوافر فيها شروط معينة وتتضمن قيمًا مهمة لتصبح بنية داعمة للأخلاق فتمنح امتيازا خاصًّا لتيسير التفكير عن طريق شركات المعلومات أو الوكلاء المعنيين بتداول المعلومات لاختيار الإجراءات أو العمليات الخاصة بهم مما يحد من الصراع في المجتمع.

بمعنى آخر، فإن قوة السيبر مهمة جدًّا الآن لبناء بيئة تُيسر خيارات أو إجراءات أو عمليات من شأنها خفض درجة الصراع في المجتمع وبناء توافقات عامة لتحل محل الصراع؛ فتكنولوجيا المعلومات والاتصالات قد كشفت النقاب عن أخلاقيات جديدة تدعم قيمًا مثل الثقة والشفافية وحرية التعبير والعلانية وحقوق الملكية الفكرية والولاء والاحترام والسمعة وسيادة القانون. بل إن السلوك الأخلاقي للوكلاء المعنيين أنفسهم يتوقف على هذه البنية التحتية. أي إن هذه البنية التحتية تحكم جميع تفاعلاتنا شئنا أم أبينا، وأن هذه البنية التحتية –التي يعتبرها البعض خطأ من معطيات عصر المعلوماتية– تلعب دورًا حاسمًا لتوفر شروط نجاح الدولة والمجتمع في تحقيق وظائفهما كل على حدة من خلال التحكم في تفاعلات البشر المتصلين بالإنترنت، أي التفاعل في الغلاف المعلوماتي أو الأنفوسفير.

أما الوظيفة الأخيرة الرئيسية الصريحة لقوة السيبر فإنها الحرب السيبرانية. الحرب بوجه عام تعكس فشل السياسة في تحقيق أهداف ومصالح الدولة، وهي كذلك في عصر المعلوماتية، ومن ثم تكتسب الصراعات المسلحة طبيعة معلوماتية جديدة. وحتى ندرك مغزى ذلك يجب تذكر أن الصراع له أشكال متعددة، ولكنه في جوهره تعبير عن فشل السياسة. فقد أدى تطور المعلوماتية إلى ظهور أنماط جديدة من الصراعات أشارت إليها رواية “الكونت دي مونت كريستو” سنة 1844 التي خلدت صراع المعلومات فور اختراع التلغراف بذهابه إلى عامل التلغراف لرشوته مقابل إرسال معلومة زائفه من شأن تداولها التلاعب في سوق المال، ومن ثم أن يكسب مبالغ مالية طائلة، فكانت هذه الإشارة رصدًا لدور المعلومات في المجتمع بقدر ما كانت رصدًا لأول حرب معلوماتية في التاريخ.

كذلك من المهم أن نتذكر أن استخدام المعلومات في الحرب شيء، وأن الحرب السيبرانية شيء آخر تمامًا؛ فاستخدام المعلومات في الحروب كان قديمًا كما أوضحت، وارتبط بظهور التلغراف كوسيلة اتصالية، إلا أن أشهر من برع في تطبيقها بجوار الحرب القتالية كان “جوبلز” وزير دعاية هتلر في الحرب العالمية الثانية، ومن أسهب فيها وشرح طبيعة الصراع بمختلف صوره كان السيد “صلاح نصر” رئيس المخابرات العامة المصرية رحمه الله، وذلك في ثلاثة مجلدات في قمة العمق والتحليل، أحدها كان بعنوان “الحرب النفسية”.

ثانيًا- تطورات الحرب السيبرانية

الحرب السيبرانية هي الوليد الشرعي لعلم CYBERNETICS الذي يترجم عربيًّا على أنه علم “التحكم في الآلات”. وكان أول من استخدمه عسكريًّا باعتراف الأمريكان أنفسهم هو الجيش السوفيتي في ظل قيادة “خروتشوف” للاتحاد السوفيتي، وحقق به إنجازات ملموسة في مجال الفضاء، والتفاصيل موجودة في رسالة دكتوراه نوقشت عام 1992 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بعنوان “دور الجيش في اتخاذ القرار السياسي بالاتحاد السوفيتي”، وبالتالي فالحرب السيبرانية تختلف عن الحرب النفسية، بقدر اختلافها عن الحرب المعلوماتية.

استخدام علم “السيبرنتكس” في الحياة العسكرية أوسع وأهم من مجرد استخدامه في الحرب. هذا العلم وتطوراته النابعة من نظرية الألعابgame Theory ونظرية الفوضي الحديثة chaos Theory، إضافة لعلم الرياضيات الحديثة، أتاح دخول العلم في العمليات القتالية التقليدية، ومن ثم أحدث بعد ذلك تحولات تدريجية في هذه العمليات الميدانية، وأدخل أساليب جديدة في غاية التعقيد للحروب.

لذا تعتمد الحرب السيبرانية على جيل جديد من الروبوتات، وفي مقدمتها المركبات المختلفة بدون سائق، بدءًا من السيارة بدون سائق المستخدمة حاليًا على نطاق واسع في الحياة المدنية إلى المدرعات حاملة الجنود، إلى الدبابات الذاتية القيادة والطائرات بدون طيار. ووصل الأمر إلى اختراع معدات بناء ثقيلة تدار عن بعد، ومن ثم توضع هذه المعدات في دولة وتدار من خارجها لإقامة تجهيزات مدنية وقت استمرار العمليات القتالية لإقامة مستشفيات مؤمنة، على سبيل المثال، أو لبناء تحصينات إن لزم الأمر. كل هذه المعدات يبدو أنها تستغني عن العنصر البشري، إلا أنها عمليًا تُدار كلها من قاعدة بعيدة ويتحكم في حركتها الإنسان عن بعد، ويُطلق عليها مفهوم “إنسالة”، وهو لفظ يجمع بين الإنسان الذي يديرها عن بعد وبين لفظ “آلة” الذي يشير إلى المُعدّة.

كذلك أتاح هذا العلم الفرصة للجيوش للتحليل السريع لكميات هائلة من المعلومات، مما مكن الهيئات العسكرية والاستخباراتية من اتخاذ قرارات سريعة لم تكن متاحة قبل ظهور هذا العلم. ويكفي في هذا المجال الإشارة إلى ما ذكره “بريجينسكي” (مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق) في مؤلفه عن “رقعة الشطرنج” من أن التفاوض الروسي الأمريكي بشأن أزمة الصواريخ الكوبية –وهي أخطر أزمة واجهت القوتين العظميين– لم يكن يزيد عن نمط تفاوض اثنين من زعماء القبائل في مجاهل إفريقيا، لأن الرئيس الأمريكي لم يكن لديه تأكيد أو معلومة مؤكدة عن السلوك السوفيتي لأي قرار يتخذه الرئيس الأمريكي. كما أن نفس الموقف واجهه السوفيت أيضًا لأنهم لم يملكوا معلومة مؤكدة عن السلوك المتوقع للرئيس الأمريكي. اليوم الوضع مختلف كلية نتيجة تحليل فيضان المعلومات المتاح، وبالتالي يمكن اتخاذ قرارات فورية بدرجة عالية من الدقة.

من ناحية ثالثة، فإن نمط القتال والعمليات المسلحة في الحرب السيبرانية في منتهى التعقيد؛ فالقيادة والسيطرة والاتصالات متصلة بالقوات الحركية في الميدان وبالأقمار الصناعية، وأجهزة استشعار لساحة القتال، فضلًا عن دعم القوات المسلحة بآلاف الروبوتات مختلفة الأنواع.

وفي هذا المجال، من المهم تذكر أن القوات الأمريكية عام 2003 لم تكن تمتلك أي روبوت في العراق إبان غزوها له، لكن بحلول عام 2004 كانت قد نشرت بالفعل 150 روبوتًا (إنسالة)، ووصل العدد في عام 2005 إلى 2400 روبوت، وبحلول عام 2008 كان يعمل على الأرض في العراق حوالي 12 ألف روبوت من 24 نوعًا مختلفًا من بينها النوع المسمى “إنسالة”.

وأخيرًا، فقد أدى الاعتماد المتزايد للدول والمجتمعات والجيوش على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة المتقدمة إلى ظهور هجمات سيبرانية استراتيجية تستهدف إحداث عطل مكلف أو تعجيزي دون مشاركة أي قوات عسكرية، وأخص بالذكر ثلاث هجمات مختلفة ذات دلالات واحدة. الهجمة الأولى تمت في 27 أبريل 2007 واستُخدم فيها قرابة مليون كمبيوتر موزعة حول العالم لشن هجمات على حكومة أستونيا وعلى مواقع شركات المعلومات لحجب الخدمة الموزعة، فهي محاولة ممنهجه لجعل موارد الكمبيوتر بالدولة والمجتمع ككل غير متاحة ولو مؤقتًا، واتجهت الاتهامات إلى روسيا في ذلك الحين، إلا أنها نفت تورطها تمامًا.

الهجمة الثانية كانت في يونيو 2010 وتم شنها باستخدام برمجيات خبيثة للكمبيوتر أمكن التوصل إليها، وسميت ستكسنت Stuxnet، وكانت حديثة في ذلك الحين، واستهدفت تخريب أجهزة الطرد المركزية المستخدمة في محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران. وكانت هذه الأجهزة من طراز سيمنز سي 1000 وهي أجهزة متطورة، واتجهت الاتهامات هذه المرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنهما نفتا الاتهامات.

الهجمة الثالثة حدثت ضد البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 2013. وكانت الاتهامات موجهة إلى الصين، واستهدفت الهجمات شل حركة الأسلحة المعتمدة على قوة السيبر شاملة الروبوتات والمركبات بدون قائد بمختلف أنواعها مثل الطائرات والمركبات المختلفة. كما استهدفت التأثير السلبي على المحاولات الأمريكية لتحويل مفاهيم القيادة والسيطرة والاتصالات والفعل ورد الفعل إلى مفهوم الإدارة عن بعد Tele-Concepts. وقد نفت الصين تلك الاتهامات أيضًا.

دلالة هذه الهجمات السيبرانية الثلاثة أن علم السيبرنتكس لا يزال تحت التطور، وأن إمكانياته قد تزايدت عن ذي قبل، وأن أشكال الهجوم السيبراني حتى اليوم متنوعة، وأن الفاعل في الهجوم السيبراني لا يزال مجهولًا رغم وجود تخمينات وليس معلومات حوله. وحتى لو علمناه على وجه اليقين، وهو أمر غير متاح إلى الآن، فيمكن تنفيذ الهجوم عبر ملايين الكمبيوترات المنتشرة في العالم على غرار الهجوم على أستونيا عام 2007، ومن ثم يتوه الفاعل عبر العالم. والأخطر والأهم أن الحرب السيبرانية لم تقع بعد، وإن كنا نعلم أنها قادمة، وأنها تنتمي إلى جيل جديد من الحروب هي حروب الجيل الخامس –وهو آخر جيل وصل إليه تصنيف الحروب علميًّا- وإن كان البعض يخلط بين معايير عدة بعضها يخص أجيال الحروب وبعضها الآخر يخص نوعية الأسلحة المستخدمة، وبعضها الثالث يخص طرق تنظيم الحرب، فكيف نصف حربًا لم تقع بعد؟! وماذا يمكن أن يحدث وقت الأزمة في الحروب مثل هجوم بيرل هاربور في الحرب الثانية؟

خاتمة

صحيح لدينا ملامح للحرب السيبرانية، كما أشرت سابقًا، لكن ما سيحدث في الميدان أمر سيختلف كلية لسبب بسيط أنها حرب تنتمي إلى نمط جديد من التكنولوجيا لدينا ملامحه وليس لدينا منه شيء الآن، وهي تكنولوجيا تضع الإنسان خارج ميادين القتال تمامًا. وتبدو الحرب أمامنا كما وأن الإنسان الآلي يديرها، وكما وأن المعدات العسكرية تتفاعل مع بعضها بعضًا، وكما وكأن لديها حلولًا لجميع المواقف ويمكنها التغلب عليها. والأخطر أن هذه الحروب ستشهد أسلحة حربية جديدة ذات قدرة تدميرية غير مسبوقة. وليس معنى ذلك أن الجندي المقاتل غير موجود، فقد يكون موجودًا ولكنه غير معلوم لنا، وغير معلوم لنا كيف يدير الحرب، وما هو هدفه. وفي هذه البيئة الذكية تتضح لنا أهمية مشروع الإنترنت الكوني الذي يتبناه عملاق صناعات قوة السيبر “ألون ماسك” والذي تشارك فيه إسرائيل، وهو مشروع بدأ تنفيذه بالفعل، فهذا النمط من الإنترنت مكمل للجيل الخامس لها لأن مصدره مؤمن، فلا يمكن قطعه أو توقيفه أو حتى تعطيله وهذه قصة أخرى عن استخدام قوة السيبر في الصناعة عامة وفي التكنولوجيا العسكرية خاصة. والأخطر من ذلك أنه سيربط الآلة بالآلة بعيدًا عن الإنسان، وسيؤدي ذلك إلى اختلالات رهيبة بين الدولة والمجتمع لصالح الأخير، ولكن الأخطر أن “ألون ماسك” وإسرائيل ومِن ورائهم الولايات المتحدة سيكونون مصدرًا للسلطة السياسية في مختلف أنحاء العالم، وهذه قصة أخرى بمقال آخر إن شاء الله.

سفير د.عزمي خليفه
عضو الهيئة الإستشارية