الأجندة

التصعيد للحوار

بالرغم من أن البعض يتحدث عن أن المواجهة العسكرية فى الخليج بين الولايات المتحدة وإيران آتية لا محالة، وأن طبول الحرب بدأت تدق بالفعل. إلا أن التحليل العميق للأمور قد يقودنا إلى نتيجة مختلفة، هى أن أحد أهداف التصعيد الذى يقوم به البلدان هو بدء حوار وليس بدء حرب بينهما. الولايات المتحدة لديها قناعة بالحوار، وذلك لعدة أسباب أولها أن الرئيس ترامب لديه تعهد انتخابى بعدم توريط بلاده فى حرب جديدة بالشرق الأوسط، وانتقد بشده تدخل الولايات المتحدة فى العراق فى عهد جورج بوش الابن، ووعد بعدم تكراره، يضاف لذلك أن الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية على الأبواب، وسوف ينصب تركيز…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

بالرغم من أن البعض يتحدث عن أن المواجهة العسكرية فى الخليج بين الولايات المتحدة وإيران آتية لا محالة، وأن طبول الحرب بدأت تدق بالفعل. إلا أن التحليل العميق للأمور قد يقودنا إلى نتيجة مختلفة، هى أن أحد أهداف التصعيد الذى يقوم به البلدان هو بدء حوار وليس بدء حرب بينهما.

الولايات المتحدة لديها قناعة بالحوار، وذلك لعدة أسباب أولها أن الرئيس ترامب لديه تعهد انتخابى بعدم توريط بلاده فى حرب جديدة بالشرق الأوسط، وانتقد بشده تدخل الولايات المتحدة فى العراق فى عهد جورج بوش الابن، ووعد بعدم تكراره، يضاف لذلك أن الحملة الانتخابية للرئاسة الأمريكية على الأبواب، وسوف ينصب تركيز ترامب عليها، وهو أمر يتطلب عدم الانشغال بمعركة خارجية، كما أن قاعدته الانتخابية تميل لتبنى توجهات انعزالية ولا تتحمس لأى عمل عسكرى، خاصة فى الشرق الأوسط.

يضاف لذلك أن اندلاع أى حرب جديدة فى الخليج سوف يؤدى لارتفاع أسعار البترول بشكل كبير، وقد يترتب عليه موجة من الكساد العالمى، سوف تؤثر بالسلب على الإنجاز الاقتصادى لترامب، الذى يعتمد عليه بالأساس فى حملته الانتخابية للاستمرار فى البيت الأبيض.

أما بالنسبة لخيار ضربة عسكرية محدودة لإيران كما حدث مع سوريا فى أعقاب اتهامها باستخدام أسلحة كيماوية فى العام الماضى، فهذا الخيار يصعب تصوره أيضا بسبب الاختلاف بين إيران وسوريا فى القدرة على الرد.

خلاصة الموقف الأمريكى إذن هو التصعيد باستخدام أقصى العقوبات الاقتصادية (وليس عمل عسكرى) ضد إيران، وبهدف إعادة التفاوض معها بشأن الاتفاق النووى، وكى يستطيع ترامب أن يقول لناخبيه إنه حقق إنجازا لم يحققه سلفه أوباما بإجبار إيران على إعادة التفاوض بهدف الحصول على شروط أفضل.

أما إيران فقد بدأت تنفتح أيضا على خيار التفاوض، بسبب ما تعانيه من آثار العقوبات الاقتصادية، وزيادة عدد الدول والشركات التى تلتزم بها، سواء اقتناعا أو نتيجة للضغوط الأمريكية وتهديدها بالاختيار بين السوق الإيرانية أو السوق الأمريكية.

وفى نهاية الأمر فإن هدف القيادة الإيرانية سواء المتشددة أو المعتدلة هو الحفاظ على نظام الثورة الإسلامية فى الداخل، والذى يتعرض حاليا لتهديد كبير. وبالتالى فالحوار مع الولايات المتحدة قد يساعد على التخفيف من هذه الضغوط الداخلية. يضاف لذلك أن بعض الدول الأوربية الملتزمة بالاتفاق النووى مع ايران مثل فرنسا أصبحت هى الأخرى مؤيدة للحوار الأمريكى الإيرانى.

كما أدركت إيران أن حساباتها الخاصة بتحمل العقوبات حتى الانتخابات الأمريكية القادمة توقعًا لخروج ترامب من البيت الأبيض قد تكون حسابات خاطئة.

إيران إذن لا تمانع فى الحوار، والتصعيد الذى تقوم به هدفه توصيل رسالة للولايات المتحدة أنها تستطيع الرد على حظر تصدير البترول الإيرانى من خلال تهديد تصدير البترول عبر الخليج ككل، أى أنها تملك أدوات قوة يمكن أن تستخدمها لتساوم على مائدة المفاوضات.

الخلاصة أن التصعيد الأمريكى باستخدام أقصى الضغوط الاقتصادية، والرد الإيرانى بتهديد خطوط الملاحة فى مضيق هرمز وخليج عمان، هو تصعيد هدفه الوصول إلى صفقة بين البلدين من خلال الحوار.

ويبقى تساؤلان: الأول هو أن تنفيذ التصور السابق يتطلب رشادة لدى القيادة الإيرانية والأمريكية وهو أمر ليس متوفرا دائما. والثانى هو هل سوف تشمل الصفقة الأمريكية الإيرانية المطالب العربية تجاه إيران، أم سوف تقتصر فقط على تحقيق مكاسب انتخابية لترامب.

*نقلا عن صحيفة المصري اليوم، نشر بتاريخ ١٧ يونيو ٢٠١٩.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية