مقال تحليلي

ليبيا بين الشرعية الشعبية والشرعية الأممية

بين مجلس النواب المنتخب ومقره في الشرق، والمجلس الرئاسي الأممي ومقره في الغرب، تم شرعنة ووضع بذور تقسيم ليبيا داخليًّا ودوليًّا. فقد كانت ليبيا في طريقها إلى استكمال استحقاقات بناء ليبيا ما بعد القذافي، حث تم تشكيل مجلس للنواب بالانتخاب الشعبي الحر المباشر شهدت له المؤسسات الدولية المختصة بالنزاهة وحرية الاختيار، وتشكّل رسميًّا في 4/8/2014، واختِيرت طبرق الشرق مقرًّا له حتى تتوزع مؤسسات الدولة ولا تتكدس في العاصمة طرابلس غربًا حيث مقر الحكومة المنتظر، وبالتالي السفارات الأجنبية طبقًا للأعراف الدولية. كما تمّ تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة عبدالله الثني لتسيير الأمور لحين استكمال باقي الاستحقاقات الرئيسية، وهي: الدستور، ثم الانتخابات الرئاسية…

لواء أ. ح. دكتور محمد قشقوش
أستاذ الأمن القومي الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

بين مجلس النواب المنتخب ومقره في الشرق، والمجلس الرئاسي الأممي ومقره في الغرب، تم شرعنة ووضع بذور تقسيم ليبيا داخليًّا ودوليًّا. فقد كانت ليبيا في طريقها إلى استكمال استحقاقات بناء ليبيا ما بعد القذافي، حث تم تشكيل مجلس للنواب بالانتخاب الشعبي الحر المباشر شهدت له المؤسسات الدولية المختصة بالنزاهة وحرية الاختيار، وتشكّل رسميًّا في 4/8/2014، واختِيرت طبرق الشرق مقرًّا له حتى تتوزع مؤسسات الدولة ولا تتكدس في العاصمة طرابلس غربًا حيث مقر الحكومة المنتظر، وبالتالي السفارات الأجنبية طبقًا للأعراف الدولية.

كما تمّ تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة عبدالله الثني لتسيير الأمور لحين استكمال باقي الاستحقاقات الرئيسية، وهي: الدستور، ثم الانتخابات الرئاسية لكي يسمي رئيس الجمهورية رئيس وزرائه الذي يشكل الحكومة التي تحل محل الحكومة المؤقتة لتسيير الأعمال. وكان يمكن أن يكتمل ذلك خلال عامي 2014 و2015. لكن قبل أن ينتهي عام 2015 تدخلت بعض الدول لدى الأمم المتحدة وقطعت المسار الشعبي والدستوري المستقر السابق ذكره.

تمّ عقد مؤتمر أممي في مدينة الصخيرات المغربية في 17/12/2015 (وقّع عليه ممثلو الفرقاء وممثلو بلديات طرابلس ومصراتة فقط)، لتشكيل “حكومة الوفاق” المؤقتة لتسيير الأعمال لمدة عام ونصف اعتبارًا من 6/4/1016، تمتد لمدة نصف عام إضافي لتنتهي رسميًّا بعد عامين في 6/4/2018، أي إن هذه المدة انتهت منذ أكثر من عامين! وكان من أهم القرارات التي نتجت عن الصخيرات هو الإبقاء على مجلس النواب المنتخب شعبيًّا ليمارس دوره النيابي والتشريعي ومراقبة حكومة الوفاق المزمع إنشاؤها كأي سلطة تشريعية في كافة الدول.

أُنشئ مجلس النواب خلفًا للمؤتمر الوطني العام (في عهد القذافي)، وتشكّل من 200 عضو يمثلون كافة القطاعات الشعبية والجغرافية الليبية عدا المناطق التي كانت غير مستقرة بسبب نشاط عناصر الإرهاب بها مثل (دِرنة)، حيث تُركت مقاعدها شاغرة واستكملت لاحقًا. وكان من المقرر أن يكون مقر المجلس هو مدينة بني غازي، التي كان من المخطط أن يتم البدء بها للتطهير من عناصر الإرهاب المسلحة بواسطة الجيش الوطني الليبي، لذلك اتُّفق أن يتواجد المجلس مؤقتًا في طبرق نظرًا لاستقرارها النسبي، رغم أن للمجلس الحق في الانعقاد في أي مكان في ليبيا. وتشكل برئاسة المستشار عقيلة صالح ونائبه محمد شعيب.

كما تم تشكيل المجلس الأعلى للدولة من 120 عضوًا كأعلى جهاز (استشاري) لمشروعات القوانين التي تعدها الحكومة (لإحالتها إلى مجلس النواب لدراستها وإقرارها)، وتأسيس مجلس أعلى للإدارة المحلية، وهيئة لإعادة الإعمار، وأخرى لصياغة الدستور، ومجلس الدفاع والأمن. ولم يتحقق من ذلك شيء عدا المجلس الأعلى للدولة والمجلس الأعلى للإدارة المحلية. 

ماذا فعل الغرب وحكومة الوفاق لمصلحة ليبيا؟

منذ انتخاب مجلس النواب في أغسطس 2014 وحتى بدء مؤتمر الصخيرات في ديسمبر 2015 ولأكثر من عام، لم يكن لإقليم الغرب الليبي لطرابلس وما حولها أي إجراءات ضد تفشي الإرهاب المحلي والوافد، بل كان الانشغال بفضّ الخلافات فيما بين المدن والعشائر حول اقتسام التركة، الذي وصل إلى حد الاقتتال فيما بين مدينتين مهمتين هما تاجوراء ومصراتة، للسيطرة على الأرض حول مطار معيتيقة الدولي، استُخدمت فيها كل الأسلحة بما فيها مدافع الهاون (المورتر) مما نتج عنه تدمير بعض الطائرات المدنية، وانتهى القتال باقتسام الأرض حول المطار! 

أما المرحلة التالية خلال صلاحية حكومة الوفاق المؤقتة من أبريل 2016 حتى أبريل 2018، فلم يتم فيها سوى عمل مهم في أكتوبر 2017 وهو تطهير مدينة سرت من جزء كبير من الإرهابيين، خاصة القاعدة، بواسطة قوات البنيان المرصوص بمعاونة جوية أمريكية. ورغم النتيجة الجيدة في سرت؛ إلا أن ذلك تسبب في انتشار الإرهابيين الفارين في كل ليبيا. وفي المرحلة التالية والتي امتدت لمدة عام منذ انتهاء الفترة المؤقتة للوفاق من أبريل 2018 حتى أبريل 2019 كان يتم الإعداد لمؤتمر غدامس (مدينة ليبية عند التقاء الحدود الليبية مع كل من تونس والجزائر)، لكنهم تحججوا باقتراب قوات الجيش الوطني التي ستتجه شمالًا إلى طرابلس، لإفشال المؤتمر قبل أن يبدأ، رغم أنه كان المحاولة الأخيرة لإنقاذ الموقف بدعم دول الجوار للوصول إلى حل ليبي-ليبي. 

ماذا فعل الشرق ومجلس النواب لصالح ليبيا؟

رأى مجلس النواب المنتخب -كسلطة وحيدة في الدولة- أن التهديد الإرهابي سوف يستفحل ويزداد تمددًا إذا ما تم الانتظار لاستكمال باقي استحقاقات بناء الدولة وما سيستغرقه من وقت، لذلك كلف رئيسُ المجلس (القائم بأعمال رئيس الدولة المؤقت) الجيشَ الذي تم تشكيله تحت اسم الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، بوضع خطة للقضاء على الإرهاب، وتخليص ليبيا منه، حيث أُطلق على تلك العملية “الكرامة”، بمعنى استعادة كرامة الوطن ممن يروعونه قتلًا ونهبًا من الإرهابيين.

تم البدء ببني غازي -عاصمة الإقليم- واستغرقت وقتًا بسبب حجم المدينة الكبير، ثم دِرنة (التي كانت قد تحولت إلى مركز للتنظيمات الإرهابية). كما أسقطت عملية الكرامة قيادات إرهابية. ثم اتجهت العملية إلى الجنوب الشرقي لتحرير الهلال النفطي الإنتاجي من الإرهاب، وتشكيل قوة عسكرية وشعبية لتأمين تلك الحقول والمنشآت النفطية أولًا بأول. وطُبّق ذلك على كل المنشآت النفطية التي تم تحريرها في كل ربوع ليبيا شرقًا وجنوبًا وغربًا. 

كذلك، تم تحرير واحة الكُفرة في أقصى الجنوب الشرقي القريب من عوينات مصر، ثم الاتجاه إلى الوسط الليبي حيث الجفرة، ثم الجنوب الغربي القريب من الحدود الجزائرية حيث مناطق غات ومرزق وحقول الفيل والشرارة، وذلك قبل التوجّه شمالًا في اتّجاه طرابلس، حيث استغرقت عمليات التحرير تلك قرابة 4 سنوات (2015-2019) استهلكت فيها حكومة الوفاق العام الأخير في الإعداد لمؤتمر غدامس -كما سبق- والذي لم يعقد لاحتجاج الوفاق على توجه عملية الكرامة شطر طرابلس العاصمة.

حاصرت قوات الجيش الوطني طرابلس لمدة قرابة 8 أشهر، ووصلت إلى التخوم الجنوبية للعاصمة، مما دعا حكومة الوفاق إلى الاستنجاد بأردوغان، أو ربما هو من عرض نفسه لإنقاذ حكومة الوفاق مقابل المشاركة في ثروات ليبيا، خاصة الطاقة، فيما أسماه البعض “رقبتي مقابل ثروتي”، في شكل اتفاق أمني وآخر لترسيم الحدود البحرية الليبية التركية بمخالفة للقانون البحري الدولي وغير الموقع من تركيا. كما أنه لا توجد حدود بحرية مشتركة بين الطرفين، وأن ذلك الاتصال البحري (المائل) هو نوع من التحايل. وأيضًا لا يجوز قانونًا لحكومة الوفاق المنتهية المدة، عقد اتفاقيات أو الالتفاف بتسميات أخرى، حيث لم يعرض ذلك على مجلس النواب للتصديق كما ينص اتفاق الصخيرات ذاته الذي أوجد حكومة الوفاق نفسها. 

لم يغير الدعم العسكري التركي من المعادلة العسكرية رغم إشراك الدرونز ومراكز القيادة التركية، بل لحقت بهم خسائر كبيرة، ولكن المعادلة العسكرية تغيّرت على الأرض في الغرب لاحقًا بسبب عاملين؛ الأول: نقل أردوغان حوالي 12-15 ألفًا من إرهابيي داعش الذين أفرج عنهم من السجون أثناء اجتياحه الشمال السوري، أو مرتزقة إدلب -في إجراء لا أخلاقي- ولكنه ساعد على استعادة الوفاق كل مدن الساحل الشمالي الغربي لفتح طريق إمداد من تونس، ثم قاعدة الوِطية الجوية وأخيرًا مدينة ترهونة، ليتم الارتداد إلى خط “سرت-الجفرة” الذي أعلنته مصر لاحقًا خطًّا أحمر لحماية أمنها القومي. والثاني: إرهاق قوات الكرامة وطول خطوط إمدادها وفقد عناصر دفاع جوي مهمة في قاعدة الوِطية قبل الفتح القتالي. الخلاصة، أن ليبيا كانت ضحية للتقسيم شرقًا وغربًا، حيث السلطة التشريعية شرقًا لمجلس النواب المنتخب عام 2014 والسلطة الأممية غربًا عام 2016 التي قطعت مسار استحقاقات بناء ليبيا الحرة باتفاق الصخيرات الذي أفرز حكومة الوفاق ونص على أن صلاحيتها عامان انتهيا منذ عامين. وكان أهم بنود الاتفاق الأممي الإبقاء على مجلس النواب المنتخب كسلطة تشريعية يحال إليه من المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، مشروعات القوانين لمناقشتها وإقرارها، وكذلك مراقبة الحكومة كسلطة تنفيذية والتصديق على الاتفاقيات الحكومية مع الدول الأخرى، وهو ما لم يتم بين الوفاق وتركيا، ولذلك ستبقى الشرعية البرلمانية التي اختارها الشعب -في نظري- أقوى من السلطة الأممية التي تراعي اعتبارات سياسية غير شعبية، لذلك تعتبر دعوة المجلس لمصر للتدخل لحماية الأمن القومي المصري الليبي المشترك، أقوى قانونيًّا وشرعيًّا من دعوة الوفاق للتدخل التركي الطامع في ليبيا.

لواء أ. ح. دكتور محمد قشقوش
أستاذ الأمن القومي الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا