loader

في كتابه “صندوقي الأسود”، كتب أنيس منصور عن ذكرياته في مرحلة التعليم المدرسي في مدينة المنصورة، عندما قام مدرس اللغة العربية بزيارة لأمريكا، وهناك شاهد تجربة أعجبته، قرر نقلها إلى مصر، فطلب من التلاميذ أن يكتبوا مشاهداتهم في الطريق إلى المدرسة، ودعا متخصص في علم النفس والاجتماع لتحليل ما كتبه كل تلميذ. كتب أنيس منصور أن “التلميذ سيف الدين بكري الشوادفي لم ير في الشارع أي شيء …فكل شيء عادي وكل شيء في مكانه كما كان بالأمس. وليس عنده ما يقوله، فأمسك طوبة وضرب بها إحدى السيارات، فأصاب زجاجها…وتوقفت السيارة وجاء رجال المرور وأصر أصحاب السيارة على عقاب الطالب… ولكن…

د. جمال عبدالجواد

في كتابه “صندوقي الأسود”، كتب أنيس منصور عن ذكرياته في مرحلة التعليم المدرسي في مدينة المنصورة، عندما قام مدرس اللغة العربية بزيارة لأمريكا، وهناك شاهد تجربة أعجبته، قرر نقلها إلى مصر، فطلب من التلاميذ أن يكتبوا مشاهداتهم في الطريق إلى المدرسة، ودعا متخصص في علم النفس والاجتماع لتحليل ما كتبه كل تلميذ. كتب أنيس منصور أن “التلميذ سيف الدين بكري الشوادفي لم ير في الشارع أي شيء …فكل شيء عادي وكل شيء في مكانه كما كان بالأمس. وليس عنده ما يقوله، فأمسك طوبة وضرب بها إحدى السيارات، فأصاب زجاجها…وتوقفت السيارة وجاء رجال المرور وأصر أصحاب السيارة على عقاب الطالب… ولكن رجال الأمن قالوا: إنه ابن العمدة، وهو حسن السير والسلوك…ولابد أنه أخطأ، وسوف يعتذر. والحمد لله لم تحدث أي خسائر. واعترف التلميذ بأنه تعمد أن يخلق حادثة ليكتب عنها”. أما المتخصص في علم النفس فعلق على ما كتبه التلميذ قائلا “هذه بداية صحفي موهوب…إذا لم يجد أحداثا فإنه يخترعها”.

لم نكن قريبين من النموذج الهزلي الذي رسمه أنيس منصور بقلمه للصحافي بقدر ما نحن قريبين منه اليوم في عصر السوشيال ميديا، المليء بحكايات اصطناع الوقائع، وانتحال التحليلات، وتأليف النظريات، وكشف المؤامرات. وبينما تبدو منصات التواصل الاجتماعي وكأنها قدمت بديلا للصحافة المهنية الرصينة، فإن المجتمعات لم تكن في حاجة إلى الصحافة الرصينة قدر حاجتها لها اليوم، لأن غياب الصحافة المهنية يفسح المجال لأكاذيب وأوهام بلا أول أو آخر.

لا تعاني كل بلاد العالم من هذه الأزمة بنفس القدر، فالبلاد المتقدمة مازال فيها قدرا كافيا من التقاليد المهنية، وإن أصابتها رياح التسييس والاستقطاب الإيديولوجي بشدة في السنوات الأخيرة. عندما تزور الموقع الإلكتروني لأي صحيفة عالمية مرموقة، وما أن تتقدم في قراءة المقال أو التحقيق الذي أعجبك، إلا وتغطي الشاشة غمامة تمنعك من مواصلة القراءة، وتظهر رسالة مكتوبة بعبارات تكاد تكون واحدة، تقول إن الصحافة عالية الجودة تكلف أموالا، وأنك مدعو للاشتراك في الصحيفة، حتى يمكنها مواصلة خدمتك بنفس الكفاءة والإتقان. لن يكون بإمكانك مواصلة القراءة بعد هذه النقطة، ولن تستطيع فتح مقال أو قصة صحفية أخرى على موقع نفس الصحيفة، فتجد نفسك في حيرة بين الحصول على تصريح لقراءة المقالات الممتازة، مع التضحية بجزء من نقودك القليلة؛ أو توفير النقود، والقبول ببعض الجهل ونقص المتعة؛ لأن فعلا، الصحافة عالية الجودة تكلف أموالا. 

الناس يشترون كل شيء، لكن شراء الصحف الورقية في تراجع. توقف كثير من الناس عن التجول في الأسواق، مفضلين التسوق على شبكة الإنترنت، فأصبحوا مستعدين لشراء كل شيء من هناك؛ فكم بالمائة منهم مستعدون لتجربة شراء النسخة الإلكترونية لصحفنا من على شبكة الإنترنت؟ 

لصحفنا مواقع إلكترونية على شبكة الإنترنت، ولكن من منها بإمكانه المغامرة بمنع قراء المجاني من قراءة نسخته الإلكترونية؟ كم صحيفة عندنا يمكنها حجب المحتوى برسالة تقول إن الصحافة عالية الجودة تكلف أموالا، وأن القارئ عليه الاشتراك في الجريدة ليمكنه مواصلة قراءتها؟

الناس يشترون الصحف، لقراءتها، ثم استخدام ورقها في أغراض أخرى. الصحف التي ندفع مقابل قراءتها على شبكة الإنترنت يجب أن تكون عالية الجودة فعلا، لأنه ليس هناك ورق يمكن للقراء استخدامه في أغراض أخرى، تعوض بؤس المحتوى. 

هناك عقبات علينا اجتيازها قبل الوصول إلى مستوى الصحافة عالية الجودة. هناك أولا عقبة الجمهور، فالصحافة عالية الجودة تحتاج إلى جمهور يقدر الجودة، ومستعد لدفع ثمنها، فإن غاب مثل هذا الجمهور، استحال إنتاج صحافة جيدة، أو على الأقل استحال تحميل تكلفة إنتاجها للقارئ، ولزم وجود طرف ثالث مستعد لتحمل هذه التكلفة. إنه لغز الترتيب الشهير، فهل العرض يخلق الطلب، أم أن الطلب هو الذي يخلق العرض؛ وهل إنتاج صحافة عالية الجودة سيخلق جمهورا يقدر الجودة ويطلبها، أم أن مثل هذه الصحافة لو تم إنتاجها ستصبح سلعة بائرة راكدة؟ الأمر في كل الأحوال يستحق المحاولة، لأن الوضع الراهن بائس بشدة، والسلعة الصحفية المعروضة تعاني من كساد الطلب؛ وربما أدى عرض صحافة عالية الجودة إلى خلق جمهور يقدر هذا النوع من الصحافة. 

هناك أيضا عقبة الصحافة منخفضة الجودة الشائعة على شبكة الإنترنت، وبين بعض الصحافة المطبوعة كذلك. لماذا يدفع الجمهور ثمن صحافة عالية الجودة إن كانت هناك صحافة أخرى موجودة وتؤدي الغرض بقدر كاف لإرضاء أذواق واحتياجات الجمهور. قد يعوز هذه الصحافة الدقة؛ وقد ينقصها العمق؛ أو تغلب عليها الإثارة؛ ولكن الجمهور لا يرى في ذلك نقصا كبيرا يكفي لإغرائه كي يدفع مقابل قراءة الصحف على الإنترنت؛ اللهم إلا إذا نجحت الصحافة عالية الجودة المنتظرة في تمييز نفسها بشكل لا لبس فيه عن الصحافة الإلكترونية الصفراء، وفي تقديم خدمة شديدة التميز عما يجري تقديمه على المواقع إياها. 

الارتقاء بالمحتوى الصحفي مهمة وطنية، وليست مسألة مهنية فقط. مستوى الشراسة المميز لحرب الدعاية التي تتعرض لها بلدنا غير مسبوق. أموال كثيرة يتم إنفاقها من خزائن متخمة بالمال لتقديم مواد إعلامية مسمومة، يتم إعدادها بدرجة عالية من الاحتراف، فينخدع الناس في السم المدسوس في العسل. الصحافة عالية الجودة أداة كدنا نفقدها تماما في حرب الدعاية التي يتم شنها على بلدنا، وعلينا استعادتها كجزء من الالتزام الوطني قبل الالتزام المهني. 

الارتقاء بالمحتوى الصحافي، للوصول به إلى مستوى يمكن جرائدنا من الدخول في تحدي الجودة مع القارئ دون خوف هو الحل لأزمات الصحافة المصرية، ولا حل آخر. الارتقاء بالجودة هو فرض عين على قادة الجماعة الصحفية، من النقابيين، لكبار المحررين، وصولا إلى أعضاء وقيادات المجالس الوطنية المسئولة عن المهنة، ومالم يتصدى هؤلاء لهذه المهمة، فلن يتصدى أحد آخر لها.

نقلا عن جريدة الأهرام، 23 يوليو 2020.

د. جمال عبدالجواد

مقالات أخرى للكاتب