مقال تحليلي

ملاحظات مهمة حول عالم “كوفيد” وما بعده

حاولت تفادي الخوض في محاولات استخلاص الدروس المستفادة من أزمة وباء “كوفيد-19″ والتنبؤ بملامح عالم ما بعده، وما زلت مقتنعًا بأن الوقت مبكر لاستخلاص هذه الدروس أو التنبؤ بهذه الملامح؛ فتحليل أزمة قبل انفراجها ضرورة سياسية (لتسهيل عمل القائمين على الأمر) و”هباء” علمي (الشروط الموضوعية لإجراء بحث رصين غير متوافرة، والخبراء يغيرون رأيهم مع تطورات الأزمة ومساراتها). وما زلت أومن بأن أغلبنا –وأنا منهم- لا يملك كافة الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية، نظرًا لتعقد العلم والعالم. على سبيل المثال لا الحصر، لست طبيبًا ولا خبيرًا اقتصاديًّا، وكل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قارتان أجهل الكثير عنهما. ولكنني عدلت عن موقفي…

توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

حاولت تفادي الخوض في محاولات استخلاص الدروس المستفادة من أزمة وباء “كوفيد-19″ والتنبؤ بملامح عالم ما بعده، وما زلت مقتنعًا بأن الوقت مبكر لاستخلاص هذه الدروس أو التنبؤ بهذه الملامح؛ فتحليل أزمة قبل انفراجها ضرورة سياسية (لتسهيل عمل القائمين على الأمر) و”هباء” علمي (الشروط الموضوعية لإجراء بحث رصين غير متوافرة، والخبراء يغيرون رأيهم مع تطورات الأزمة ومساراتها). وما زلت أومن بأن أغلبنا –وأنا منهم- لا يملك كافة الأدوات اللازمة للقيام بهذه العملية، نظرًا لتعقد العلم والعالم. على سبيل المثال لا الحصر، لست طبيبًا ولا خبيرًا اقتصاديًّا، وكل من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية قارتان أجهل الكثير عنهما. ولكنني عدلت عن موقفي لأبدي بعض الملاحظات على ما أقرؤه وأسمعه لعلها تفيد القارئ في إيجاد طريق في دهاليز الحوارات والتحليلات والاجتهادات و”المهاترات”.

ما نجهله كثير ومخيف، لا نعلم متى ستنتهي الأزمة ويختفي الوباء، وهل ما شاهدناه جولة ستتبعها جولات؟ هل سيعود الفيروس في الخريف المقبل أم سيختفي نهائيًّا مع نهاية تلك الجولة؟ ولا نعلم إن كنا سنتوصل إلى مصل أو علاج ومتى؟ ولا نعلم على وجه اليقين لو الشفاء من المرض يحصن ضد عودته، ولا نعلم أي شيء عن حدة الركود والانكماش والتقلص في الدول. في دولة مثل فرنسا مثلًا السيناريو الأفضل يتحدث عن ٧٪ انكماش والأسوأ عن ١٧٪، الفارق لا يمكن أن يستهان به. وبالتالي لا نعلم شيئًا عن طول مدة تعافي الاقتصاد إن كان ممكنًا. ولا نعلم إن كان من يحسن الأداء على الأجل القصير يضحي بالمستقبل أم يمهد له، ولا نعلم إن كانت أنماط الحياة والعمل التي ظهرت أيام الوباء ستستمر أم ستختفي، ولهذا السؤال أهمية قصوى بالنسبة لبعض الأنشطة مثل المطاعم والسياحة والحياة الثقافية والتخزين والنقل الجوي.

وأساسًا لا نعلم إن كان الوباء فاصلًا سخيفًا بين دورة حياة عادية وأخرى، أم سبب تعديل طفيف أو مهم للنظام الدولي الحالي، أم إيذانًا بالانتقال من نظام دولي إلى آخر. ولا نعلم إن كان التحدي الهائل الذي يمثله الخروج من الأزمة وتنفيذ ما تعلمناه منها (إن كنا قد تعلمنا شيئًا) سيحث الشعوب -أقصد كل شعب على حدة- على وحدة الصف والعمل أم سيدفعها الاختلاف حول الروشتة الواجب اتّباعها أو على الكعكة التي صغرت إلى استقطاب جديد قد يلهم أو قد يشل، قد يبني وقد يدمر. وإن رفضنا هذه الثنائية لحدتها فكيف ستؤثر الأزمة على توجهات الرأي العام في الدول المختلفة؟ ولا نعرف تأثيرها على التنمية البشرية والأمن الإنساني: هل الإصابة بالمرض تترك آثارًا لا تُمحى؟ من ناحية أخرى، هل المجتمعات ستخسر كفاءات ومهارات قد تكون مطلوبة أم لا، وستكتسب أخرى قد تكون مطلوبة أم لا، وكيف سيميل الميزان؟ ما هي التبعات النفسية للعزل والحظر؟ ما هو تأثير الأزمة وتبعاتها على الأجيال الشابة؟ الجيل البالغ من العمر الثلاثين عامًا لم يعرف عالمًا دون أزمات كارثية. ما تأثير هذا على رؤيته للعالم وعلى أدائه؟ 

وعلى مستوى العلاقات الدولية لا نعلم كيف ستتطور موازين القوى، وكيف ستؤثر الأزمة الاقتصادية على الإنفاق العسكري وعلى إدارة النزاعات، وعلى حركات الهجرة المشروعة وغير المشروعة، وعلى تقسيم العمل الدولي، وعلى الموازنة بين اعتبارات الأمن وحرية الاقتصاد والتجارة، وعلى أهداف الفاعلين. بعضهم يرى في الأزمة فرصة لأنها أضعفت منافسيهم، والبعض الآخر قد يضطر إلى التنازل عن طموحاته. 

وبصفة عامة، يجمع الكل على أن هذه الأزمة فريدة. على عكس الأزمات الاقتصادية السابقة، فإنها ليست وليدة تناقضات الرأسمالية وعطب آلياتها، ويفضل البعض مقارنتها بحرب ولكن الحروب تدمر البنية التحتية للدول وتقتل شباب الأمم، ولم يحدث هذا، وهي أزمة صحية ولكننا لم نعرف أزمة بمثل حدتها. وإلى جانب هذا المجهول هناك سياسات يتفق الجميع على ضرورة اتباعها، ويختلفون حول التوقيت والتمويل والمدة والتفاصيل وكيفية ضبطها (سياسات تنشيط الاقتصاد) وإنهائها وتقدير أهمية آثارها الثانوية.

الإقرار بكم المجهول وتشعبه لا يعني أننا لا نعرف شيئًا ولم نتعلم شيئًا، وإن تعلمنا فهذا لا يعني بالضرورة قدرتنا على التصرف وفقًا لما تعلمناه.

تقييم أولي لأداء قيادات الدول المتقدمة

هناك إجماع على القول بأن أغلبهم فشل في إدارة الأزمة، باستثناء المستشارة الألمانية “ميركل” وربما رئيس وزراء اليابان. وقد يكون هذا الإجماع ظالمًا بعض الشيء لأن بطء ردود الفعل على أزمة جديدة تمامًا أمر طبيعي، ولأن الدروس السابقة التاريخية التي فرضت نفسها كنموذج في أول الأمر – أزمة فيروس سارس- لعبت دورًا في جعل الجميع يضل الطريق وفي بث طمأنينة في غير محلها. ولأن الخيارات كانت بالغة الصعوبة: الصحة مقابل الاقتصاد، مع ملاحظة أن التراجع الاقتصادي يتسبب في إضعاف القدرة على تمويل منظومة الصحة. وبشكل عام، فإن تعطيل الاقتصاد والتسبب في انكماش غير مسبوق ولأجل غير مسمى هو قرار مرعب، لا سيما مع تصاعد حدة الصراع والتنافس الدوليين. 

وقطعًا لعب الحظ دورًا في حجم الأزمة هنا وهناك، وكان أوفرهم حظًّا الألمان. ورغم هذا، يمكن القول إن القيادات فشلت وإن الأزمة أكدت عيوب كل منها وعيوب أسلوب حكمها وعيوب وأخطاء أسلافها، فالقادة الحاليون ليسوا مسئولين دائمًا عن تدهور حالة منظومة الصحة. لن نتكلم عن المقارنة والمفاضلة بين خيار الحظر وخيار رفضه، لأنني أعتقد أن هذا الحديث سابق لأوانه، سنقول إن هناك من احتقر تمامًا رأي الخبراء، وهناك من خضع لهم تمامًا مما ترك انطباعًا سيئًا. وهناك من توارى تاركًا إدارة الأزمة لرجاله، وهناك من أفرط في الظهور ولم يوفق في خطابه إلى الأمة، وهناك من ضُبط كاذبًا، وبعضهم ارتكب أخطاء في التوقيت تسببت في زيادات كبيرة في عدد الوفيات ولا يمكن نسبتها كلها إلى كون الأزمة غير مسبوقة. هناك من لم يحترم قواعد الحظر الذي فرضته الحكومة، وهناك من بالغ في البحث عن كبش فداء خارجي أو ساهم في تفاقم العلاقات الدولية. وهناك من أفرط في إنكار البعد السياسي للأزمة محولًا إدارتها لمشكلة فنية محضة. وفي المقابل، هناك من أدارها مغلبًا الحسابات الانتخابية. وهناك من أصابه المرض وأثر على أدائه سلبًا، وأغلبهم وظف الإحصاءات لتحسين الصورة أو بالعكس لتشويهها (عند الخصوم) بتعمد عدم تحليلها بصدق. وفي المقابل، هناك قيادات وسيطة ووزراء أظهرت مهارات وحسن تقدير لاقوا استحسانًا كبيرًا لدى الجمهور. وعلينا أن نضيف إلى كل هذا أن أداء المعارضة ليس أحسن بكثير، مع بعض الاستثناءات.

ونشير بسرعة إلى جدلين ثارا حول دور طبيعة الأنظمة في إدارة الأزمة، وحول دور “النوع”، هل إدارة القادة النساء للأزمة أفضل من إدارة القادة الرجال؟ مبدئيًّا السؤال الأول يفترض أن كل الأنظمة الديمقراطية لها نفس الطبيعة وكل الأنظمة السلطوية على نفس الشاكلة، وهذا محل نظر. وبشكل عام، أجرى عميد الدراسات السياسية في فرنسا العلامة “جان لوكا” مقارنة بين أداء الأنظمة الديمقراطية والسلطوية الأوروبية، وخلص إلى أن الأنظمة الديمقراطية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الاقتصادية، وأن الأنظمة السلطوية أكثر كفاءة في إدارة الأزمة الصحية. وحذر من القفز إلى نتائج متسرعة؛ فأوروبا ليست العالم، والفيروس وصل إلى إيطاليا وفرنسا قبل غيرهما مما أعطى للدول الأخرى فرصة لدراسة الموقف وأخذ الاحتياطات.

وفيما يتعلق بالقيادة النسائية للأمور؛ لم أقتنع تمامًا بما قرأته. كما يشير “نيكلاس كريستوف” في “نيويورك تايمز”؛ فهناك فئة من القادة الرجال أداؤهم كان بالغ السوء فأثروا بالسلب على متوسط أداء “النوع”، وهم الرجال الذين لا يستمعون إلى المشورة ويجدون في طلبها “مذلة”، ويتباهون بعدم ثقتهم في الخبراء، ويبالغون في الثقة في قدراتهم. وقال أيضًا إن السببية قد تكون معقدة، إذ يمكن القول إن المجتمع القادر على انتخاب امرأة لقيادة البلاد يكون غالبًا أكثر تقدمًا وانفتاحًا من غيره.

وأود أن أشير إلى ضرورة وضع نجاح المستشارة الألمانية “ميركل” في سياقه. من ناحية، الألمان كانوا محظوظين، في إيطاليا وفرنسا كانت التجمعات الكبيرة سببًا في الانتشار السريع للفيروس، ورغم أن ألمانيا عرفت تجمعات مماثلة، إلا أن الفيروس لم ينتشر. من ناحية أخرى، فإن خلفية “ميركل” العلمية سمحت لها بفهم سريع للمخاطر، وفي فهم ما يقوله الخبراء والتفضيل بينهم إن اختلفوا. من ناحية ثالثة، فإن أسلوبها في إدارة البلاد، وحرصها على تجنب الجدل العام وصراع الأفكار والأيديولوجيات والميل إلى “قتل السياسة” لصالح الإدارة التكنوقراطية، والأخذ بأفكار الخصوم إن كانت مناسبة أو ذات شعبية، والتزام منهج وسطي، كان ملائمًا تمامًا لإدارة مثل هذه الأزمة، ولكنه بصفة عامة عليه مآخذ كثيرة في ملفات أخرى بالغة الأهمية. وأخيرًا وليس آخرًا كانت المنظومة الصحية الألمانية أكثر جاهزية من غيرها (ارتفاع نسبة المسنين في ألمانيا لعبت دورًا في هذا). كل هذا لا يقلل من براعتها وحنكتها، فأحسنت مخاطبة الألمان، وفي تقدير التوقيت، ووفقت في أغلب القرارات. ويمكن القول أيضًا إن رئيسة وزارة نيوزيلندا تعاملت مع وضع أسهل نسبيًّا، فالكثافة السكانية الضعيفة هناك حدت من انتشار المرض.

ويبدو أن اللا مركزية الألمانية لعبت دورًا أيضًا في ارتفاع مستوى أداء المنظومة. قال لي بعض الزملاء الفرنسيين إن أداء أجهزة الدولة ومنظومة الصحة الفرنسية، وتفاني “الجيوش البيضاء” أنقذا فرنسا من كارثة محققة تكون تبعات ونتيجة الأداء السيئ للقيادات الحالية وأسلافها. وهناك صحفيون قالوا إن المركزية الفرنسية تسببت في بطء بعض ردود الأفعال وفي رفض التمييز بين المحافظات فيما يتعلق بالإجراءات. ويبدو لي أن الرأيين صائبان.

ويكثر الحديث عن مستوى الأجيال الحالية للقيادات، هناك شبه إجماع على تدهوره واختلاف حول أسبابه. تراجع الثقافة الاستراتيجية، تأثير أيديولوجيا الدمقرطة وحقوق الإنسان فيما يتعلق بالقيادات الغربية، الانعزال عن الجماهير، ضغط مقتضيات وأبجديات الحديث عبر الشاشة الصغيرة، تراجع مستوى الثقافة والتعليم، تسارع وتيرة الأحداث وتعقد القضايا والعلاقات فيما بينها، التعارض بين المهارات المطلوبة للوصول إلى القمة وتلك المطلوبة لممارسة الحكم، انتشار صبيانية نرجسية في صف القادة. باختصار هناك في عدد مهم من الدول أزمة ثقة بين الحكام والمحكومين قد تكون لها تبعات خطيرة في مرحلة مطلوب فيها من الجميع بذل التضحيات. 

ويلاحظ أن أزمة الثقة طالت الخبراء في بلاد كثيرة؛ التسرع في إعلان نتائج ثم التراجع، الشجار العلني حول كفاءة دواء وحول أهمية الكمامة، وشجار بات واضحًا أن اعتبارات لا تمت بصلة إلى الطب لعبت دورًا فيه، جدل علني يشكك في منهج ونزاهة زملاء.. إلخ. 

تبعات الأزمة

علينا أولًا فهم أنه لا يمكن التوصل إلى توصيات صالحة لكل الدول، إن استثنينا عموميات من طراز “ضرورة دفق أموال ضخمة لتنشيط الاقتصاد ولدعم الفئات الأكثر تأثرًا بالأزمة”، فالدول المتقدمة والدول النامية لا تعاني من نفس المشكلات، وفي وجه المخاطر الاقتصادية والمالية التي تهدد الجميع (انهيار شبكات الإمداد والتموين، إفلاس الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ارتفاع ضخم في نسبة البطالة، إفلاس البنوك والدول) فإن لكل دولة نقاط قوة وضعف تختلف عن غيرها، وبالتالي تختلف الأولويات والاستراتيجيات. 

هناك دول كانت تعاني من مشكلة ديون قبل حلول الأزمة، ودول وضعها المالي أحسن بل جيد، وهناك دول يعتمد اقتصادها على الصناعة، وهناك دول تكون فيها الخدمات عمودها الفقري، وهناك صناعات تعاني من أزمة (السيارات) سبقت الوباء، وصناعات تعاني من الأزمة بسبب الوباء (الطيران). وبالعكس هناك صناعات قد تستفيد من الأزمة. خبير فرنسي مرموق يقول إن الدول التي تعتمد على الصناعة فرصها أفضل في الخروج من الأزمة من تلك التي تعتمد على الخدمات والسياحة. ومن ناحية أخرى، تلعب التركيبة العمرية دورًا مهمًّا، لأن الوباء يصيب المسنين، وهناك مشكلات لا تخص إلا الدول التي تعرف مركزية شديدة وأخرى تنفرد بها الدول التي تعرف قدرًا مهمًّا من اللا مركزية. وهناك دول معرضة لتهديد عسكري وأخرى تجيد ممارسة الابتزاز ودول في أمان نسبي.

متابعتي لأزمات سابقة، وخطابات السياسيين والخبراء، دفعتني إلى اعتقاد، قد يكون خاطئًا، أن القليلين يغيرون مذهبهم أثناء أزمة، في حين أن الأغلب يميل إلى اعتبار الأزمة تأكيدًا لقناعاته المسبقة، فمن يؤمن بضرورة وجود نظام دولي “ليبرالي” قائم على مبادئ قانونية وعلى التعاون بين الدول لن يغير رأيه، ومن يرى أن النظام العالمي “هوبزي” (نسبة إلى توماس هوبز) وتحكمه مبادئ الواقعية القحة سيستمر على مذهبه. 

وفي أول الأمر بدا أن القراءتين –الواقعية والليبرالية- لهما أنصار وحجج، لأنك تستطيع أن تقول إن مواجهة الأزمة تقتضي تعاونًا دوليًا صادقًا، وتستطيع أيضًا أن تقول إن قسوتها تجبر الجميع على الدفاع عن مصالحه بشراسة وأنانية، إلا أن تطور الجائحة رجح كفة الواقعيين، لأسباب موضوعية وأخرى ذاتية. حتى الدول الأوروبية التي تنحاز تاريخيًا لنظام دولي ليبرالي لم تهب لمساعدة إيطاليا في أول الأمر، وأحد أسباب ترجيح كفة الواقعيين هو قراءات وسلوك الكبار وغيرهم. الولايات المتحدة والصين وروسيا (وتركيا) انتهجت نهجًا واقعيًا شرسًا. وأعتقد أن القراءة الواقعية أصلح لفك طلاسم عالم متعدد الأقطاب، مع الاعتراف بأن عددًا كبيرًا من الملفات تستوجب مقاربة ليبرالية (تعاون وتحكيم القانون).

ثانيًا، كشفت الأزمة تهافت المنطق الذي حكم العولمة. وباختصار نرجو ألا يكون مخلًا، تجاهل هذا المنطق التعارض بين مقتضيات التجارة والاقتصاد وضرورات الأمن والقوة والاستراتيجية (بمعناها الضيق) أو قلل منه ومن تبعاته. تجاهله أو قلل منه إما بالقول إن الأمن اتسع مفهومه وتغيرت طبيعته، وأصبح يستلزم تعاونًا، وهذا حقيقي في عدد كبير من الملفات مثل الإرهاب والهجرة وتجارة المخدرات والأمن البيئي والتصنيع الحربي، وإما بالقول إن العولمة الاقتصادية ستعمم الثراء والرخاء، وإن الدول الغنية المستفيدة من التجارة العالمية ستتحول حتمًا إلى ديمقراطيات، والديمقراطيات لا تحارب بعضها، وبالتالي فإن الحروب إلى زوال لا سيما في العصر النووي، وهذا الكلام بالغ التبسيط. وإن شئنا الدقة قلنا إن هذا الكلام جائز، ولكن التحول إلى الديمقراطية قد يحدث في سنوات معدودة، وقد يحتاج إلى عقود بل إلى قرون، ولذلك لا يمكن التعويل عليه. 

وكشفت الأزمة عن مخاطر تقسيم العمل الدولي، من يكون مهيمنًا في نشاط أو قطاع سيستغل هذا سياسيًا وأمنيًا، بمكر أو بفجاجة، بلين أو خشونة. وعلى فرض أنه قرر عدم توظيف هذه الورقة والتصرف “بشرف” فإن تعرضه لأزمة كبرى تعطل دائرة الإنتاج فيه يعرض العالم كله لأزمة كبيرة. ولمعالجة هذا الخطر اجتهد السياسيون والخبراء والإعلاميون؛ فهناك من تحدث عن ترحيل المصانع إلى الوطن الأم، ومن شدد على ضرورة تعدد المنتجين وشبكات الإمداد والتوزيع لكي لا نتبع كيانًا واحدًا دون غيره، ومن نادى بخطة مارشال لإفريقيا لتحل محل الصين في عدد من المجالات، ومن قال بضرورة رد الاعتبار للتخزين.. إلخ. 

لم يلتفت أغلبهم إلى حقائق بسيطة، أهمها أن الوضع الحالي ليس وليد الصدفة، وأن أي إصلاح يتطلب إنفاقًا واستثمارات ضخمة، في حين أن الوضع المالي الحالي متأزم بل مهدد بالانهيار. عندما نقول ليس وليد الصدفة، نقصد أن الاستثمار في الصين كان رهانًا رابحًا من الناحية الاقتصادية، وسمح بصنع وبيع بضائع وسلع بثمن رخيص أو معقول. ورغم الارتفاع التدريجي في تكلفة الصناعة في الصين فإنها ما زالت الخيار الأمثل اقتصاديًا في عدد من المجالات المهمة. الانتقال إلى صيغة أخرى سيكون مكلفًا في حد ذاته، وسيعرض بضائع أغلى، على الأقل في البداية. لست اقتصاديًا ولكنني أشك جدًا في رغبة وقدرة أصحاب القرار على خوض تلك المعركة في ظل أزمة مالية ستكون طاحنة، لا سيما أن هناك مآخذ على كل اقتراح. في الدول المتقدمة هناك رفض شعبي للقيام ببعض الأنشطة على أن تُترك للمهاجرين الفقراء، وهناك تراجع في بعض هذه الدول في أعداد العمالة المدربة على بعض الأنشطة. ومع توقع تسريح عدد كبير من العاملين هناك مهارات ستُفْقَد نهائيًا، أما الاستثمار في إفريقيا فعليه أن يكون ضخمًا جدًا لتكون هناك فرصة معقولة للنجاح، فالبنية التحتية ضعيفة أو غير موجودة، والوضع الأمني مخيف لا سيما في مناطق نمو الإرهاب. وعلى عكس ما يقوله الغربيون يبدو أن الكثير يفضل الوجود الصيني على الوجود الغربي بصرف النظر عن دوافع هذا التفضيل.

بصفة عامة، الحديث عن إعادة هندسة الاقتصاد العالمي والاقتصاديات الوطنية دون التسبب في صراعات دولية أو داخلية يفترض القدرة على التوصل إلى حلول وسط بين الدول أو الفئات الاجتماعية ذات المصالح المتعارضة والمتنافسة، حلول وسط تجمع بين مميزات كل خيار ولا تجمع بين سلبياتها. أي يفترض قدرة المجتمعات على التماسك وإصرار على تخطي الأزمة، وهو فرض غير مضمون وربما غير راقعي في ظل تدهور العلاقات الدولية والأوضاع الاقتصادية، وفي ظل سلوك بعض الفاعلين المتطرفين الراغبين في استثمار الأزمة لتحقيق مصالحهم، وفي ظل التعارض بين المصالح. أقصد أن حسن نية الجميع قد لا يكون كافيًا لتخطي الأزمة، وهو أصلًا غير موجود.

توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية