وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

تعليم “أشبال الخلافة”: قراءة نقدية لمناهج “داعش” التعليمية

أدرك تنظيم “داعش” أن الأطفال هم جزء مهم لضمان مستقبله وبقائه، فعمل على تجنيدهم وتمكينهم، وذلك عبر عدد من الآليات المختلفة، على رأسها تدشين نظام تعليمي مؤسسي قوامه غرس الأيديولوجيا الداعشية. الأمر الذي يثير عددًا من التساؤلات المهمة حول طبيعية نظام “داعش” التعليمي وتداعياته على أطفال التنظيم. نظام “داعش” التعليمي أنشأ “داعش” في عام 2015 وزارة التربية والتعليم، وجعل التعليم إلزاميا للبنين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 18 سنة، والفتيات بين سن 6 إلى 15. وبحسب إحصاء نُشر في عام 2016، بلغ عدد مدارس التنظيم الابتدائية والمتوسطة (الإعدادية) 1350 مدرسة، بعدد طلاب 100423 طالب وطالبة، و2540 معلمًا ومعلمة. وتتم…

د. إسراء علي – تقى النجار

أدرك تنظيم “داعش” أن الأطفال هم جزء مهم لضمان مستقبله وبقائه، فعمل على تجنيدهم وتمكينهم، وذلك عبر عدد من الآليات المختلفة، على رأسها تدشين نظام تعليمي مؤسسي قوامه غرس الأيديولوجيا الداعشية. الأمر الذي يثير عددًا من التساؤلات المهمة حول طبيعية نظام “داعش” التعليمي وتداعياته على أطفال التنظيم.

نظام “داعش” التعليمي

أنشأ “داعش” في عام 2015 وزارة التربية والتعليم، وجعل التعليم إلزاميا للبنين الذين تتراوح أعمارهم بين 6 إلى 18 سنة، والفتيات بين سن 6 إلى 15. وبحسب إحصاء نُشر في عام 2016، بلغ عدد مدارس التنظيم الابتدائية والمتوسطة (الإعدادية) 1350 مدرسة، بعدد طلاب 100423 طالب وطالبة، و2540 معلمًا ومعلمة. وتتم عملية تجنيد الأطفال وإلحاقهم بتعليم “داعش” الإلزامي وفق خطوات بيروقراطية، حيث تتعاون مديريات مختلفة، مثل: إدارات التجنيد والتعليم، وجهاز “استخبارات داعش”، وأجهزة الإعلام، والمساجد، من أجل تسهيل تجنيد الأطفال.

وقد انقسمت مدارس التنظيم إلى 4 أنواع حسب جنسيات الأطفال، حيث تم تخصيص مدارس لأطفال السكان المحليين، ومدارس لأطفال الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومدارس للأطفال الأجانب، وأخيرًا مدارس للأيتام على اختلاف جنسياتهم. وحظيت مدارس الأطفال الأجانب باهتمام ورعاية التنظيم، بل تم إلحاق أطفال كبار مسئولي “داعش” بهذه المدارس. وقد تلقى طلاب هذه المدارس تدريبًا بدنيًّا وعسكريًّا متقدمًا عن باقي أنواع المدارس، حيث يرى التنظيم أن أطفال هذه المدارس يمثلون رقمًا مهمًّا، خاصة بعد عودتهم إلى بلادهم الأصلية، وذلك لاستخدامهم لتحقيق هدف “داعش” كأمة إسلامية عابرة للحدود، وهذا ما يفسر صرامة عملية اختيار المعلمين في هذه المدارس، فبعد أن يُثبت هؤلاء المعلمون ولاءهم للتنظيم، تُخضعهم مديرية التربية والتعليم لتأهيل مهني.

أما مدارس الأيتام فيطلق على طلابها “أشبال الخير”. وتضم هذه المدارس أطفال الهاربين بمختلف جنسياتهم، والأطفال الذين قُتل آباؤهم، والأيتام الذين بلا أوصياء. ويتلقى طلاب هذه المدارس موضوعات تعزز الرغبة في الثأر لآبائهم والانتقام لهم. واعتمدت تدريبات الأطفال في هذه المدارس على تعلم تركيب واستخدام العبوات الناسفة المختلفة، حيث يتم توظيف هذه الفئة من الطلاب في العمليات الانتحارية، ويتمّ إقناعهم بأن هذا العمل يُعجل من فرصة مقابلة آبائهم في الجنة.

وطبقًا لاستراتيجية التنظيم، يتعلم الأولاد والبنات في مجموعات دراسية مختلطة حتى سن السادسة، ويتم فصلهم على أساس الجنس بعد هذا السن. وتتلقى الفتيات تعليمًا دينيًّا، بالإضافة إلى إعدادهن في سن مبكرة للواجبات المنزلية، مثل: الطهي، والخياطة، والعناية بالأطفال. ويطلق على هؤلاء الفتيات “زهور ولآلئ الخلافة”. وبمجرد بلوغهن يتزوجن من مقاتلي التنظيم، دون مراعاة اختلافات السن بين الزوجين.

وبالإضافة إلى المدارس النظامية يلتحق الأطفال الذكور بالمعسكرات التدريبية. وتخضع عملية اختيار الأطفال لتدريبهم بالمعسكرات لمعايير خاصة، أهمها الولاء المطلق للتنظيم. ويعد السن معيارًا آخر للالتحاق بمعسكرات التدريب، فيشترط أن يبلغ الطفل 9 سنوات للالتحاق بالمعسكر. وتضم هذه المعسكرات برامج تدريب خاصة، فقد تم تصميم هذه المخيمات على غرار معسكرات التدريب الجهادية للبالغين، حيث يتدرب الفتيان في هذه المعسكرات على صناعة القنابل واستخدام السلاح, بالإضافة إلى التعليم الأيديولوجي، حيث يتضمن اليوم التدريبي في المعسكر دروسًا في القرآن الكريم، والتدريب البدني، والتدريب على إقامة الحد بقطع الرأس، وتطبيق ذلك على دمية. كما يخضع التلاميذ في المعسكر لنظام غذائي مقيد، ويمارسون تمارين رياضية شاقة. ويتلقى الطلاب المقصرون العقاب بالضرب.

ويُعد أهم أهداف المعسكرات التدريبية فصل الطفل الصغير عن أسرته، وتأصيل الانتماء للمجموعة بدلًا من الهوية الفردية، مما يجعل عملية تشكيل الطفل سهلة وتتوافق مع قيم وممارسات “داعش”. ويحرص التنظيم على تحقيق ذلك من خلال استخدام استراتيجية التعليم بالقدوة، وتقليد المقاتلين البالغين، حيث يرتدي الأطفال في هذه المعسكرات نفس زي التمويه للبالغين، ويمكنهم استخدام الأسلحة الآلية كالبالغين تمامًا.

أما عن التعليم الإلكتروني فقد دشن التنظيم عددًا من التطبيقات التعليمية الإلكترونية لاستكمال قولبة الأطفال بما يرسخ أيديولوجيا التنظيم. كما قام بتطوير أدلة تربوية لدعم الأسر وفق أيديولوجيا “داعش”، مثل طباعة كتيبات قصصية تروي قصص الاستشهاد.

مناهج “داعش” التعليمية

أطلق “داعش” مشروعه التعليمي من خلال طباعة كتب ومناهج تعليمية مختلفة للمراحل التعليمية من الصف الأول وحتى الصف الخامس في أواخر عام 2015. وحرص على إنتاج مناهج تعليمية تضم: فلسفة المنهج، والأهداف التعليمية، والمحتوى، وطرائق التدريس، والوسائل التعليمية، والأنشطة، والتقويم. 

وبتحليل عناصر المنهج التعليمي للتنظيم، يتضح أن فلسفة المناهج التعليمية للتنظيم مستقاة من الخلفية الأيديولوجية لداعش المعروفة بـ”بقعة الحبر” “باقية وتتمدد”، ويتضح هذا جليًّا في مقدمة الكتب المدرسية له، حيث تضم جميع الكتب الدراسية لداعش بجميع المراحل مقدمة عامة موحدة تؤكد على بناء “الدولة الإسلامية” وفق الشريعة بالاعتماد على القرآن، والهدي النبوي، وفهم الأسلاف، من خلال رؤية نقية -حسب رؤية التنظيم- وتكون وظيفة الدولة الإسلامية مواجهة كل الرؤى التي تتعارض ورؤية التنظيم.

أما عن العنصر الثاني من عناصر المنهج وهو الأهداف التربوية أو التعليمية؛ فقد وضع التنظيم أربعة أهداف تعليمية رئيسية لبناء المناهج هي: تأسيس الخلافة، وبناء دولة “إسلامية”، واستخدام العنف بلا رحمة، واستمرار ترويع وإرهاب العالم. ويسعى التنظيم إلى تحقيق هذه الأهداف من خلال المناهج التعليمية المباشرة أو باستخدام المنهج الخفي، حيث يعزز “داعش” هويته البصرية، من خلال تطبيق مبدأ “استخدام أكثر من حاسة في التعلم يجعله أبقى أثرًا”. فقد حرص “داعش” على إحاطة الأطفال بعلم “داعش” أو صور للأسلحة المختلفة على جدران مقرات التعليم والتدريب وفي الكتب المدرسية، وذلك ليستبيح العقل والعين رؤية السلاح لإثارة وتعزيز دافعية تعلم حمل واستخدام السلاح. كما قام بصياغة الأسئلة العلمية والرياضية لتأصيل أيديولوجيا “داعش” المحرضة على العنف.

صورة من كتاب الرياضيات (داعش) للصف الخامس الابتدائي ص 18 توضح صياغة الأسئلة العلمية بما يحقق التأكيد على أهداف التنظيم

أما عن عنصر المحتوى، فتنقسم مناهج التنظيم التعليمية إلى نوعين؛ الأول عبارة عن كتب تركز على المحتوى بما يخدم أهداف التنظيم، حيث تضم الكتب الدينية دراسة القرآن، والحديث، والعقيدة، والقانون، والفقه، والتوحيد. بينما تضم الكتب من النوع الثاني التأكيد على التنظيم كدولة ومجتمع، وتشمل مناهج للتربية البدنية، والتاريخ، والجغرافيا، والرياضيات، والكيمياء، وعلم الأحياء، ودورات تدريبية في اللغة الإنجليزية، وبرمجة الكمبيوتر؛ إلا أن جميع الموضوعات في كتب ومناهج “داعش” التعليمية تم إعادة معالجتها؛ فمثلًا كتب الجغرافيا لا تضم دراسة الحدود القومية لأنها تمثل شكلًا من أشكال الوثنية السياسية، كونها مبررًا أيديولوجيًا يسمح بأن يعيش المسلمون وغير المسلمين ضمن وطن واحد، لذا تقتصر الجغرافيا على دراسة الحدود الطبيعية فقط، حيث يتم وصف الخصائص الطبوغرافية والجيولوجية كما ذُكرت في القرآن والحديث الشريف. وحتى المناهج الدينية تم معالجتها لتبرير قضية التنظيم، حيث تم تجاهل ذكر المذاهب الأربعة عند دراسة الأحاديث الشريفة. كذلك قدم كتاب “داعش” عن العقيدة نوعًا من النص التأسيسي، ليس فقط لمجموعات المعتقدات التي تعتبرها الجماعة جزءًا من الإسلام، بل وأيضًا مبررات تكفير أي رؤية تناهض معتقدات التنظيم. ويركز كتاب العقيدة، كما هو الحال في جميع أدبيات “داعش”، على ثنائية “الإيمان بالله والكفر بالطاغوت”، وتوظيفها كمصطلح شامل للعديد من الحجج السياسية لإقامة دولة الخلافة. أما فيما يخص المناهج العلمانية كما يصفها “داعش” كالرسم والموسيقى والتربية القومية والفلسفة فقد حرص التنظيم على إلغائها ومعاقبة من يخالف ذلك.

وفيما يخص طرائق واستراتيجيات التدريس كعنصر من عناصر المنهج؛ فإن مناهج التنظيم التعليمية تعتمد بشكل عام على التلقين قبل التدريب، حيث يتلقى الأطفال دروسًا في الشريعة، ويتجمع الأطفال في أماكن تجنيدهم، والمساجد التي سجلوا فيها لينتقلوا بعد ذلك إلى معسكرات التدريب حيث الوحشية العقلية والبدنية، وتعزيز الولاء للتنظيم، وإزالة التحسس من العنف، وتنمية المهارات القتالية. وتتسم هذه المرحلة بالمنهجية، حيث يولي التنظيم اهتمامًا خاصًّا بالإعداد البدني، وتضم المعسكرات أنشطة للتدريب على فك وتجميع وصيانة الأسلحة، ثم يتم تصنيف مهام الأطفال بحسب مهاراتهم.

دلالات أساسية

بناءً على ما تقدم، يمكن استخلاص جُملة من الدلالات التي يمكن استعراضها على النحو التالي:

أولًا: يُعد استغلال الأطفال في التنظيمات الإرهابية ليس بالجديد؛ إلا أن النظام التعليمي لتنظيم “داعش” يعكس عمق استراتيجية التنظيم في التعامل مع الأطفال، فبينما تعتبر التنظيمات الإرهابية الأطفال كمورد مستهلك، فإن “داعش” يعتبر الأطفال الموجة التالية من القادة والمقاتلين. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في خطاب للمتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية السابق “أبو محمد العدناني” عام 2014. وبحسب ما ورد فقد هدّد “العدناني” بالقول: “سنقوم بغزو روما الخاصة بك، وكسر صليبك، واستعباد نسائكم.. إذا لم نصل إلى ذلك الوقت، فإن أطفالنا وأحفادنا سيصلون إليه”. بعبارة أخرى يعتبر “داعش” الأطفال استثمارًا تكتيكيًّا، وهو ما عكسه بوضوح نظام التنظيم التعليمي.

ثانيًا: جاء النظام التعليمي لتنظيم “داعش” ضمن استراتيجية موسّعة تستهدف تفعيل تنشئة اجتماعية للأطفال ضمن أطر متعددة (الأسرة- المدرسة- برامج التعلم الديني- معسكرات التدريب المختلفة). وفي هذا السياق، حظيت الأسر التي لديها أطفال بدعم مالي كبير، كما أصدر التنظيم توجيهات صارمة للآباء حول طرق وأنماط تربية الأبناء، ناهيك عن الدور المحوري الذي لعبته النساء في تعزيز قيم التنظيم لدى الأطفال.

ثالثًا: نجح تنظيم “داعش” في بناء نظام تعليمي قوي وشامل، استطاع من خلاله تعزيز أيديولوجيا التنظيم ومشاعر التفوق والبطولة، ناهيك عن غرس رؤية محددة للعالم وتأصيل العنف لدى الأطفال، وذلك في إطار إعداد الجيل الجهادي الجديد، إذ إن الأطفال جزء لا يتجزأ من خطط التنظيم قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، الأمر الذي سوف تنصرف تداعياته إلى تهديد أمن الدول والمجتمعات حال عودة هؤلاء الأطفال.

رابعًا: بناء على تقييم نظام التعليم الداعشي تنوعت مهام الأطفال داخل التنظيم؛ فمن تميزوا بالقدرة على الخطابة والتأثير في الآخرين تم توظيفهم في هذا المجال، ومن تميزوا بدقة الملاحظة تم توظيفهم كجواسيس وحراس حدود، ومن تميزوا بالثبات الانفعالي وانعدام العاطفة تم توظيفهم في عمليات الجلد والإعدام، أما من لم يجدوا فيه أي مهارة مميزة فتم الزج بهم في العمليات الانتحارية.

خامسًا: بعد سقوط دولة الخلافة المزعومة وفقدان التنظيم معاقله الرئيسية، تصاعد الحديث عن مستقبل هؤلاء الأطفال. وعلى الرغم من التعاطف الدولي معهم، إذ يُنظر إليهم باعتبارهم ضحايا وليسوا جناة؛ إلا أن ذلك لا يحول دون حجم التهديدات المحتملة حال عودتهم إلى موطنهم الأصلي، وذلك في ضوء ما أظهره النظام التعليمي الداعشي من مأسسة هادفة لتعزيز الأيديولوجيا الداعشية لدى هؤلاء الأطفال، ناهيك عما اكتسبوه من مهارات قتالية وعسكرية تهدد أمن الدول.

سادسًا: من المرجح أن تلجأ بعض الدول في إطار تعاملها مع أطفال “داعش” إلى مبادرات الدمج وبرامج إعاده التأهيل. ومن ثم، لكي تؤتي تلك البرامج الثمار المرجوة منها يجب عليها ابتداء أن تقف بالشرح والتحليل على مختلف مضامين ومحتويات مناهج “داعش” التعليمية. ولا يعني استحداث تلك البرامج فاعليها بالضرورة، إذ تعددت الحالات والنماذج المختلفة التي فشلت فيها تلك البرامج في تحقيق أهدافها، وذلك نتيجة لصعوبة نزع عقيدة التطرف والعنف التي تم غرسها في نفوس هؤلاء من جهة، ومن جهة أخرى عجز برامج الدمج الاجتماعي عن تقديم رؤية بديلة وجديدة للعالم تستند على القيم الإيجابية والتفاعلات الصحية مع الآخرين. 

مجمل القول، قدّم تنظيم “داعش” نموذجًا خاصًّا به للبقاء من خلال الاستثمار في الأطفال عبر نموذج يجمع بين التلقين الفكري والتدريب البدني العسكري. ومن ثم، يمثل هؤلاء تحديًا كبيرًا للدول على المدى القصير والمتوسط والطويل، لا سيما في ضوء غياب معلومات دقيقة حول إعدادهم. وفي هذا السياق، لا بد من إيجاد سياسات وبدائل مختلفة للتعامل معهم لأن استمرار تسويف هذه الظاهرة يزيد من تعقيداتها.

د. إسراء علي – تقى النجار