وحدة الدراسات الاقتصادية

كورونا يزيد الودائع لدى النظام المصرفي

شهدت الأسواق الدولية حالة غير مسبوقة من عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية إثر انتشار فيروس كورونا، لا سيما مع عدم القدرة على معرفة موعد محدد لانتهاء الأزمة. ومن ثم، فقد أسفر تفشي الوباء عن تغييرات ملموسة في سلوك الأفراد وأنماط استهلاكهم عبر تراجع معدلات شراء السلع الكمالية -خاصة في ظل إغلاق مراكز التسوق والمحال التجارية- والتركيز على نظيرتها الأساسية كالمنتجات الغذائية، فضلًا عن الاتجاه إلى زيادة حجم المدخرات من أجل تعزيز عامل الأمان تجاه المستقبل الضبابي. ويتبنى الأفراد خلال فترة الأزمات وعدم اليقين منهجين أساسيين؛ يتمثل أولهما في بيع الأصول الخطرة والاتجاه إلى الملاذات الآمنة كالذهب والسندات، وهو ما برز…

بسنت جمال

شهدت الأسواق الدولية حالة غير مسبوقة من عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية إثر انتشار فيروس كورونا، لا سيما مع عدم القدرة على معرفة موعد محدد لانتهاء الأزمة. ومن ثم، فقد أسفر تفشي الوباء عن تغييرات ملموسة في سلوك الأفراد وأنماط استهلاكهم عبر تراجع معدلات شراء السلع الكمالية -خاصة في ظل إغلاق مراكز التسوق والمحال التجارية- والتركيز على نظيرتها الأساسية كالمنتجات الغذائية، فضلًا عن الاتجاه إلى زيادة حجم المدخرات من أجل تعزيز عامل الأمان تجاه المستقبل الضبابي.

ويتبنى الأفراد خلال فترة الأزمات وعدم اليقين منهجين أساسيين؛ يتمثل أولهما في بيع الأصول الخطرة والاتجاه إلى الملاذات الآمنة كالذهب والسندات، وهو ما برز على مدار الأشهر القليلة الماضية من خلال تراجع أسعار الأسهم وتسجيل عدد من البورصات العالمية خسائر تجاوزت قيمتها 6.5 تريليونات دولار منذ منتصف فبراير وحتى الأسبوع الأول من مارس الماضي، وفقًا لـ”بنك أوف أمريكا”. أما ثانيهما، فيتمثل في تسييل الأصول من أجل الاحتفاظ بالنقد فترات طويلة، وإيداع الأموال في البنوك باعتبارها مكانًا آمنًا للادخار.

وانطلاقًا مما سبق، يحاول هذا المقال الإجابة عن عدة تساؤلات، يتمثل أهمها في مدى تأثير انتشار فيروس كورونا على حركة الودائع المصرفية حول العالم وفي مصر.

أولًا- ارتفاع حجم الودائع إلى مستويات قياسية خلال أزمة كورونا

تختلف أزمة كورونا عن الأزمة المالية العالمية عام 2008 فيما يتعلق بكيفية تعامل الأفراد مع البنوك، حيث اتسمت الأولى -كما سبق القول- بزيادة الإقبال على البنوك، وارتفاع مستوى الودائع المصرفية باعتبارها الحل الأمثل في الوقت الحالي، وذلك على الرغم من انخفاض معدلات الفائدة، فيما شهدت أزمة عام 2008 تزاحم العملاء على المصارف من أجل سحب أموالهم بسبب انعدام الثقة في الجهاز المصرفي، وانتشار المخاوف المتعلقة باحتمال إفلاس البنوك. وفيما يلي أمثلة على بعض الدول التي سجلت ارتفاعًا في ودائعها.

1- الولايات المتحدة: سجلت البنوك الأمريكية زيادة قياسية في الودائع بمقدار تريليوني دولار؛ إذ ارتفعت على مدار خمسة أشهر متتالية لتصل إلى 15.328 تريليون دولار في نهاية مايو الماضي مقارنة بنحو 13.239 تريليون دولار سجلتها بحلول أواخر العام الماضي. ويوضح الشكل التالي معدل نمو الودائع المصرفية لدى أكبر أربعة بنوك أمريكية من الربع الرابع من 2019 حتى الربع الأول من 2020.

شكل رقم (1): معدل نمو الودائع المصرفية في عدد من البنوك الأمريكية على أساس فصلي (%)

Source: Federal Deposit Insurance Corporation.

2- سنغافورة: ارتفعت ودائع العملة الأجنبية لدى البنوك في سنغافورة إلى مستوى قياسي عند 27 مليار دولار سنغافوري (19.25 مليار دولار) خلال أبريل، كما زادت ودائع غير المقيمين بنحو 44% لتصل إلى 62 مليار دولار سنغافوري، وهو المستوى الأعلى منذ بدء تسجيل البيانات عام 1991، مما يعكس تجنب المستثمرين للمخاطر.

3- المملكة المتحدة: أعلن بنك إنجلترا ارتفاع الودائع المصرفية للقطاع العائلي بمقدار 25.6 مليار جنيه إسترليني خلال شهر مايو 2020، وهو الارتفاع الأكبر منذ عام 1997، لتبلغ 1.5 تريليون جنيه إسترليني، وذلك في أعقاب زيادات قدرها 14.3 مليار جنيه إسترليني و16.7 مليار جنيه إسترليني خلال شهري مارس وأبريل على الترتيب. 

4- البرازيل: أظهرت بيانات البنك المركزي البرازيلي ارتفاع مستوى الودائع بمقدار 37.2 مليار ريال برازيلي (7.3 مليارات دولار) خلال شهر مايو، ليصل صافي الودائع خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري إلى 63.9 مليار ريال برازيلي بدعم من مساهمة إجراءات الإغلاق وحظر التجوال في الحد من الإنفاق في جميع أنحاء البلاد.

5- الصين: سجلت الصين ارتفاعًا في محفظة الودائع بالعملة المحلية والأجنبية بنحو 9.2% خلال الربع الأول من 2020 على أساس سنوي لتصل قيمتها إلى 206.42 تريليون يوان (29.20 تريليون دولار)، وصعدت ودائع القطاع العائلي إلى 6.47 تريليونات يوان، فضلًا عن زيادة ودائع المؤسسات غير المالية لتبلغ 1.86 تريليون يوان.

6- تركيا: أظهرت بيانات صادرة عن وكالة التنظيم والإشراف المصرفي في تركيا أن حجم الودائع ارتفع بنسبة 31% في الفترة التي تتراوح بين يناير حتى نهاية مايو لتبلغ قيمتها حوالي 3 تريليونات ليرة تركية (437.4 مليار دولار).

ثانيًا- حركة الودائع في النظام المصرفي المصري

شهدت حركة الودائع في مصر زيادات مطردة خلال السنوات الماضية، وتجلت هذه الزيادة منذ بداية العام الجاري بسبب انتشار حالة تخوف بين المواطنين حيال آثار فيروس كورونا المستجد، وذلك رغم قرار البنك المركزي المصري في مارس الماضي بخفض أسعار الفائدة الرئيسية 300 نقطة أساس، أي 3%، الأمر الذي من المفترض أن يؤدي إلى تقليص معدلات نمو الودائع بالقطاع المصرفي وزيادة الإقبال على الاقتراض. وساهم أيضًا في زيادة حجم الودائع إصدار بنكي الأهلي ومصر مارس الماضي شهادة ادخار جديدة لأجل عام بفائدة 15% يتم صرف العائد عليها بشكل شهري، وهي التي حققت حصيلة تبلغ 200 مليار جنيه منذ إطلاقها وحتى منتصف يونيو المنصرم. ويوضح الشكل التالي حجم الودائع المصرفية الحكومية وغير الحكومية بالعملتين المحلية والأجنبية. 

(شكل رقم (2): إجمالي الودائع -بخلاف البنك المركزي المصري- (تريليون جنيه

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020، النشرة الإحصائية الشهرية – ديسمبر 2019.

من الرسم السابق يتبين أن معدل نمو الودائع وصل إلى 14.9% خلال شهر أبريل 2020 على أساس سنوي؛ إذ ارتفعت من 3.931 تريليونات جنيه في أبريل 2019 إلى 4.518 تريليونات جنيه. ويوضح الشكل التالي هيكل توزيع الودائع بين القطاعات الأربعة الرئيسية (الأعمال العام- الأعمال الخاص- العائلي- الخارجي) خلال شهر أبريل الماضي.

شكل رقم (3): التوزيع القطاعي للودائع غير الحكومية بالعملة المحلية خلال شهر أبريل 2020

المصدر: البنك المركزي المصري، النشرة الإحصائية الشهرية – يونيو 2020.

مما سبق نلاحظ أن القطاع العائلي يعتبر القطاع الأكثر إيداعًا للأموال في النظام المصرفي، حيث يستحوذ على أكثر من 80% من إجمالي الودائع بقيمة 2.66 تريليون جنيه خلال أبريل 2020، فيما يحتل قطاع الأعمال الخاص المركز الثاني بنحو 12%، يليه قطاعا الأعمال العام والقطاع الخارجي.

وعن أداء كل بنك مصري على حدة، أعلن البنك الأهلي المصري في منتصف مايو عن تحقيق زيادة غير مسبوقة في حجم محفظة الودائع لتصل إلى أكثر من 1.5 تريليون جنيه، وهو الإنجاز الذي تحقق لأول مرة في تاريخ البنوك المصرية. وفيما يلي عرض لتطور محفظة الودائع لدى مجموعة أخرى من البنوك خلال الربع الأول من العام الحالي.

شكل رقم (4): نمو محفظة الودائع لدى البنوك المصرية

المصدر: نتائج أعمال البنوك من بعض الصحف المصرية.

يتبين من الشكل السابق أن بنك قطر الوطني الأهلي شهد أكبر زيادة فصلية في حجم الودائع خلال الفترة محل الدراسة؛ إذ ارتفعت بنحو 7.76 مليارات جنيه، في حين سجل مصرف أبوظبي الإسلامي أقل زيادة تقدر بنحو 0.66 مليار جنيه فقط. لكن حققت بعض البنوك الأخرى تراجعًا في إجمالي الودائع، كبنك قناة السويس الذي سجل انخفاضًا بنحو 0.14% إلى 44.12 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام الحالي، وكذلك هبطت محفظة الودائع في بنك الإسكندرية بحوالي 1.5% لتسجل 86.16 مليار جنيه، كما سجل بنك الكويت الوطني – مصر انخفاضًا بنسبة 2.68% عند 50.19 مليار جنيه بنهاية مارس 2020. 

المحصلة هي أننا نلاحظ وجود تراكم في الأموال لدى البنوك، ولهذا يواجه النظام المصرفي معضلة تتعلق بتحديد كيفية التعامل مع ارتفاع حجم الودائع بشكل غير مسبوق، ويعني المزيد من الودائع أن هناك أموالًا أكثر لدى المصارف يمكنهم منحها لعملاء آخرين في هيئة قروض، لا سيما في ظل مساعي البنوك المركزية لخفض الفائدة وتحفيز الاقتراض. لكن من المستبعد زيادة الطلب على القروض بنفس وتيرة ارتفاع الودائع في الوقت الحالي بسبب غموض الرؤية حول استمرار وباء فيروس كورونا خلال الفترة المقبلة.

بسنت جمال