أمريكا الجديدة

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تشهد الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة العديد من التحولات الكبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعض هذه التحولات أصبحت واضحة للعيان ويمكن تلمسها والتعرف على تأثيرها مثل تنامى التوجهات الشعبوية واليمينية التي أفرزت ظاهرة الرئيس دونالد ترامب. في المقابل، هناك تحولات بدأت تظهر إرهاصاتها ولكنها سوف تتبلور بشكل كامل ويزداد تأثيرها خلال السنوات القادمة، لذا من المهم التعرف عليها من الان، وخاصة لو هناك احتمال لتأثيرها على رؤية الولايات المتحدة للشرق الأوسط والعلاقات المصرية الأمريكية. ويدخل في عداد هذه الفئة الأخيرة من التحولات ما يحدث الأن داخل الحزب الديمقراطى الأمريكي، وظهور مجموعة جديدة من السياسيين يطلق عليها الجناح التقدمى، معظمهم…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تشهد الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة العديد من التحولات الكبرى على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بعض هذه التحولات أصبحت واضحة للعيان ويمكن تلمسها والتعرف على تأثيرها مثل تنامى التوجهات الشعبوية واليمينية التي أفرزت ظاهرة الرئيس دونالد ترامب. في المقابل، هناك تحولات بدأت تظهر إرهاصاتها ولكنها سوف تتبلور بشكل كامل ويزداد تأثيرها خلال السنوات القادمة، لذا من المهم التعرف عليها من الان، وخاصة لو هناك احتمال لتأثيرها على رؤية الولايات المتحدة للشرق الأوسط والعلاقات المصرية الأمريكية.

ويدخل في عداد هذه الفئة الأخيرة من التحولات ما يحدث الأن داخل الحزب الديمقراطى الأمريكي، وظهور مجموعة جديدة من السياسيين يطلق عليها الجناح التقدمى، معظمهم من الشباب والأقليات، ولديهم أفكار مختلفة للسياسة الداخلية والخارجية لبلادهم، وتختلف رؤيتهم للشرق الأوسط عن رؤية ما يعرف بالتيار المعتدل في الحزب الديمقراطي، والذي يعد جو بايدن المرشح الحالي للرئاسة أحد رموزه الأساسية.

ما يدفعنى للكتابة عنهم اليوم، هو عدد من الانتصارات التي يحققها أنصار هذا الجناح التقدمي في إطار ما يعرف بالانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديمقراطى، من أجل الترشح باسم الحزب في انتخابات الكونجرس القادمة. إستوقفنى إنتصاران انتخابيان لهما، يحملان دلالة كبيرة على حجم التغيير الذي تشهده الولايات المتحدة الان، وإمكانية تأثيره على الشرق الأوسط.

المعركتان الانتخابيتان كانتا داخل مدينة نيويورك، وكانا قطباها من ناحية عضوان حاليان في الكونجرس من البيض اليهود ويحتفظ كلا متهما بمقعده لما يقرب من ثلاثين عاما، ويشغل أحد رؤساء اللجان الهامة، أما المنافس فهما شابان من السود ينتميان للتيار التقدمي، واستطاعا الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي وإقصاء العضوان المخضرمان من السباق.

أهمية هاتان المعركتان أن الشخصان اللذان خرجا من دائرة الترشيح، كانا يشغلا رئاسة أحد اللجان الهامة المعنية بالعلاقات الخارجية، ويعرفهما الكثير من الدبلوماسيين والمتخصصين المصريين الذين عملوا في ملفات العلاقات المصرية الأمريكية.     

المقعد الأول يشغله أنيتا لوى، وهي رئيسة لجنة المخصصات المالية بمجلس النواب والمسئولة عن ملف المعونات الأمريكية للخارج، والتي ظهر عدد كبير من المنافسين لها للترشح باسم الحزب الديمقراطى على هذا المقعد، وأدركت أنها قد تتعرض لإهانة الهزيمة، فقررت التقاعد وعدم دخول السباق، وفاز بالترشح محام شاب أسود اسمه مونديو جونزمن المنتمين للجناح التقدمى بالحزب.

أما المعركة الثانية والأشد تنافسا، فكان أحد أطرافها هو اليوت إنجل رئيس لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب، وهي اللجنة ذات النفوذ الكبير على السياسة الخارجية الأمريكية، والذي يشغل مقعده بالكونجرس منذ ما يقرب من ثلاثين عاما، أما منافسه فكان شاب أسود إسمه جمال بومان، ويعمل مديرا لأحد المدارس الإعدادية بمدينة نيويورك، وينتمي للتيار التقدمي بالحزب.

المنافسة كانت حامية، حيث حظي أليوت إنجل بمساندة الجماعات اليهودية، وعلى تأييد من هيلارى كلينتون أحد رموز مؤسسة الحزب الديمقراطى، وكذلك عدد من التنظيمات اليمينية المؤيدة لإسرائيل، أما جمال بومان فقد حظي بمساندة رموز التيار التقدمى وخاصة السناتور بيرنى ساندرز والسناتور اليزابيث وارن. وانتهت المعركة بفوز جمال بومان، رغم ان اليوت انجل لم يعترف بهزيمته بعد، لانه لم يتم رصد كل أوراق التصويت بالبريد، ولكن تفوق جمال بومان الساحق في التصويت المباشر يجعل من المستحيل اعلان فوز إنجل.

وبالرغم من أن إسرائيل وتأييد إنجل لها لم يكن قضية انتخابية في المعركة مع جمال بومان، ولكن كل الدوائر المؤيده لإسرائيل تعتبر هزيمة إليوت إنجل وخروجه من مقعد رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب خسارة لإسرائيل في الكونجرس وداخل الحزب الديمقراطي.

يضاف لذلك أن أعضاء التيار التقدمى بالحزب الديمقراطى لهم رؤية مختلفة للقضية الفلسطينية ولقضايا الشرق الأوسط بشكل عام. هذه الرؤية تتضح في خطاب كتبه جمال بومان لأحد الحاخامات اليهود في دائرته الانتخابية بنيويورك، وجاء فيه “أنا أؤمن إيمانا راسخا بحق الإسرائيليين في العيش بأمان وسلام وخالية من الخوف من العنف والإرهاب من حماس والمتطرفين الآخرين، ودعم استمرار المساعدات الأمريكية لمساعدة إسرائيل على مواجهة هذه التحديات الأمنية”. “أعتقد أيضا أن الفلسطينيين يحق لهم نفس حقوق الإنسان، والسلامة من العنف وتقرير المصير في دولة خاصة بهم” وكتب “أعارض تحرك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نحو الضم وزيادة التوسع الاستيطاني والخطاب العنصري تجاه الأقليات”.

تأثير الجناح التقدمى ظهرا أيضا في المؤتمر الأخير لمنظمة إيباك، وهي جماعة الضغط الرئيسية التي تدافع عن المصالح الإسرائيلية في الولايات المتحدة ويتسابق السياسيون لحضور مؤتمرها السنوي، ولكن هذا العام أعلن المرشحون الكبار لترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة لعام ٢٠٢٠ أنهم لن يشاركوا في مؤتمر إيباك، وهو ما اعتبره البعض تحولا سيكون له آثار كبيرة على الحزب الديمقراطي والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين.

نحن إذن أمام ظاهرة جديدة سوف تتبلور بشكل أكبر في المستقبل، وسوف يكون لها تأثير واضح على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى علاقات الولايات المتحدة بالدول المختلفة، ومن بينها العلاقات المصرية الأمريكية.

____________________________

نقلا عن جريدة الأهرام، 15 يوليو 2020.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر