الامتياز وليس المشروعات الكبرى

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

كثيرة هي المشروعات القومية الكبرى التي تم إنشائها في مصر في السنوات الست الأخيرة. الطرق والكباري والإسكان الاجتماعي والمدن الجديدة وإزالة العشوائيات الخطرة، وإنشاء مساكن إنسانية لائقة لأهلها، وسد احتياجات البلاد من الكهرباء، وتطهير واستعادة البحيرات الشمالية؛ هذا مجرد بعض من المشروعات الكبرى الجاري تنفيذها في مصر. وصف هذه المشروعات بالكبرى يخفي أهم سمة تميز هذه المشروعات؛ فهي مشروعات ممتازة عالية الجودة، وهي سمة أكثر أهمية بكثير من حجم هذه المشروعات، مهما كان كبيرا.أنشأت الحكومات المصرية المتعاقبة مشروعات كبرى كثيرة خلال العقود السابقة، لكن قليل فقط من هذه المشروعات يمكن وصفه بأنه مشروع ممتاز عالي الجودة، فأكثرها مشروعات كبيرة، لكنها…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

كثيرة هي المشروعات القومية الكبرى التي تم إنشائها في مصر في السنوات الست الأخيرة. الطرق والكباري والإسكان الاجتماعي والمدن الجديدة وإزالة العشوائيات الخطرة، وإنشاء مساكن إنسانية لائقة لأهلها، وسد احتياجات البلاد من الكهرباء، وتطهير واستعادة البحيرات الشمالية؛ هذا مجرد بعض من المشروعات الكبرى الجاري تنفيذها في مصر. وصف هذه المشروعات بالكبرى يخفي أهم سمة تميز هذه المشروعات؛ فهي مشروعات ممتازة عالية الجودة، وهي سمة أكثر أهمية بكثير من حجم هذه المشروعات، مهما كان كبيرا.
أنشأت الحكومات المصرية المتعاقبة مشروعات كبرى كثيرة خلال العقود السابقة، لكن قليل فقط من هذه المشروعات يمكن وصفه بأنه مشروع ممتاز عالي الجودة، فأكثرها مشروعات كبيرة، لكنها من ناحية الجودة لا تزيد كثيرا عن كونها مشروعات عادية، أو متوسطة الحال. الطريق الدائري المحيط بالقاهرة هو مفخرة الرئيس الأسبق مبارك، وهو مشروع كبير ومفيد جدا، ولكن لا يمكن وصفه بأنه طريق ممتاز، رغم أنه يفي بالغرض. الطريق الدائري ليس حالة منفصلة قائمة بذاتها، ولكنه مرآة تعكس طريقة تفكير وأداء، يسد الذرائع، ويتصدى للاحتياجات، لكنه لا يسعى للامتياز، ولا ينشغل به.
تأدية الغرض ليس هدفا كافيا للمشروعات التي يجري إنشائها في العهد الحالي، فمن المهم أن تؤدي المشروعات الغرض المطلوب منها بكفاءة عالية، وأن يكون لها شكل مبهج للناظرين، فالجمال يتمم الامتياز، وبدونه يصبح الإنجاز ناقصا.
الجيل الجديد من المدن الجاري إنشاؤه في العلمين والعاصمة الإدارية والمنصورة ومواقع أخرى كثيرة، هي مدن ممتازة في بنيتها التحتية وإمكانياتها التكنولوجية وطريقة إدارتها، وليست مجرد مشروعات كبرى للإسكان. للمدن الجديدة دور اجتماعي وثقافي وحضري، يشبه الدور الذي قامت به مصر الجديدة والمعادي عندما تم تأسيسهما في العقد الأول من القرن العشرين. بعد أكثر من مائة عام على تأسيسها مازالت مصر الجديدة والمعادي دررا في تاج العمران المصري؛ وهو الدور الذي أظن أن المدن الجديدة ستكرره، فهي تضيف للنسيج الحضري في مصر بؤر إشعاع ثقافي واجتماعي جديدة، وهو إسهام ليس بإمكان أي تجمع من المساكن العادية أن يؤديه.
الالتزام بالامتياز في تصميم وتنفيذ المشروعات القومية يغير ثقافة العمل في مصر، ومعها يغير ثقافة قطاع كبير من المصريين. منذ عدة عقود ونحن لا نكف عن الشكوى من كفاءة والتزام العامل المصري. لقد تربت أجيال متتالية من العمال وتدربت في مشروعات عادية، تؤدي الغرض، بجودة منخفضة، وبعيوب كثيرة تظهر جسامتها بعد أيام قليلة من الانتهاء من تنفيذ المشروع، الذي عادة ما يتم تسليمه متأخرا عن موعده؛ فأصبحت “الكلفتة”، والإهمال ثقافة سائدة، وأصبحت المطالبة بالامتياز سببا لإثارة السخرية، من هؤلاء “النمكيين”، المنفصلين عن الواقع، الذين يريدون تعطيل المسيرة بمطالبهم المبالغ فيها.
الدولة هي أكبر صاحب عمل وأكبر مستثمر في المجتمع؛ وإذا قبلت بمستوى أداء منخفض في مشروعاتها، فإنها تحول الأداء منخفض الجودة إلى معيار للمستوى المقبول قوميا، والإطار المرجعي الذي يستند إليه الناس عند تقييم الأداء؛ وهذا هو ما حدث في مصر خلال العقود السابقة، فكان سببا في التراجع الذي لحق بكل شيء.
في المشروعات القومية الجديدة يتشرب العمال ثقافة الامتياز، والانضباط، والالتزام بمواعيد العمل، والتسليم في المواعيد المتفق عليها؛ وأظن أن ما يحدث في هذه المشروعات سيتسبب في طفرة في أخلاق العمل، وخاصة في تعزيز قيم الالتزام والامتياز والجودة والإتقان، وكلها قيم ضرورية، لا يمكن تحقيق نهضة وطنية بدونها.
الامتياز يخلق سببا للفخر والاعتزاز، وهي مشاعر ضرورية لترسيخ الارتباط بالوطن وهويته. كل الأمم تبني مساكن، وتشق طرقا تؤدي الغرض، ولكن فقط المشروعات الممتازة، في تصميمها وتنفيذها وصيانتها وجمال هيئتها ونظافتها، هي التي تبث في الناس مشاعر الإعجاب والفخر. لقد سادت بين المصريين لعقود مشاعر الإحباط، وفقدان الثقة في الذات القومية، وإحساس بعدم الجدارة بالانتماء لأجدادنا العظام، الذين أسسوا الحضارة في الوادي منذ آلاف السنين، كل هذا بسبب شيوع العادي، وندرة الامتياز. عودة الامتياز تعيد للمصريين مشاعر الفخر والاعتزاز والثقة في النفس، وهي مشاعر ضرورية لمواجهة التحديات الجدية التي تتهددنا.
مقاومة القبح هي الوجه الآخر للسعي نحو الامتياز. عندما تنشط الدولة لإزالة مخالفات المباني، وللقضاء على العشوائية في استخدام الأرض، وعندما ينشغل المسئولون بفتح الجراجات المغلقة، وعندما تصبح شوارعنا أكثر نظافة بدرجة ملحوظة، ويصبح دهان المباني من الجوانب الأربعة سياسة حكومية، فإننا بالتأكيد إزاء دولة تنمية، وليس فقط دولة إدارة. عندما يتحدث رئيس الدولة بنفسه في هذه الموضوعات، فإننا إزاء مفاهيم جديده للقيادة والأمن القومي والسياسة العليا؛ وهي المفاهيم التي تضع التنمية، بمعنى الامتياز، وليس فقط بمعنى سد الحاجات الأساسية، في قلب اهتمام ومسئوليات الدولة.
مصر تقف على عتبة إحياء حضاري. الحضارة مفهوم عمراني ومعماري، ولا توجد حضارة لا يدل عليها ويجسدها شواهد وصروح معمارية كبرى، تتسم بالامتياز والبهاء، وما عجائب الدنيا السبع سوى صروح هندسية ومعمارية هائلة. ماذا يبقى من الحضارة الفرعونية لو لم تكن هناك الأهرامات ومعبد الكرنك والأقصر وفيلة، وعشرات الصروح المعمارية الكبرى. كيف كان للقاهرة أن تلعب الدور الذي لعبته في ثقافة مصر وهويتها لو لم تكن فيها القلعة والجامع الأزهر ومسجد الحسين وجامع الحاكم والأقمر ومجموعات السلاطين قلاوون والغوري، وقصر عابدين والقاهرة الخديوية، وغيرها الكثير.
المصريون أمة من البنائين، الذين عمروا الوادي منذ آلاف السنين، وها هم يعودون لممارسة الدور الذي تميزوا به في عصور الازدهار، وليس مصادفة أنهم يعيدون اكتشاف دورهم التاريخي تحت قيادة أول رئيس مصري يأتي من القاهرة، هذه المدينة العظيمة، التي أعطت لهوية وثقافة مصر طابعا خاصا، يشترك فيه ويملكه كل المصريين، ويعتبرونه جزءا لا يتجزأ من ميراثهم الثقافي وهويتهم الوطنية. فالقاهرة هي المحروسة، وهي مصر المدينة التي أعطاها الوطن اسمه، فأعطته ثقافة وفنا وعلما وعمرانا، يجري إحيائه اليوم بامتياز وبهاء.


نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس 16 يوليو 2020.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب