وحدة الدراسات الاقتصادية

“كوفيد-19” يترك بصمته في سوق العمل

ألقت أزمة كورونا بظلالها على سوق العمل في مصر والعالم، حيث تهددت وظائف العاملين في العديد من القطاعات. وأكدت منظمة العمل الدولية أن سوق العمل يواجه أسوأ أزمة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية، محذرة من التأثيرات المدمرة للوباء على الإنتاج والتوظيف حول العالم. فقد نتج عن قرارات الإغلاق وحظر التجوال المترتبة على انتشار الفيروس انخفاض كلٍّ من معدلات إنتاج ومبيعات الشركات، مما ساهم -بدوره- في هبوط مستويات الأرباح وزيادة الضغوط المالية المفروضة على المؤسسات، ولهذا بدأت معظم الشركات في اتخاذ العديد من القرارات، بهدف تقليل حجم الخسائر وتعزيز السيولة النقدية، كان أبرزها تسريح العمالة، أو خفض الأجور، أو التوقف عن…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

ألقت أزمة كورونا بظلالها على سوق العمل في مصر والعالم، حيث تهددت وظائف العاملين في العديد من القطاعات. وأكدت منظمة العمل الدولية أن سوق العمل يواجه أسوأ أزمة عالمية منذ الحرب العالمية الثانية، محذرة من التأثيرات المدمرة للوباء على الإنتاج والتوظيف حول العالم. فقد نتج عن قرارات الإغلاق وحظر التجوال المترتبة على انتشار الفيروس انخفاض كلٍّ من معدلات إنتاج ومبيعات الشركات، مما ساهم -بدوره- في هبوط مستويات الأرباح وزيادة الضغوط المالية المفروضة على المؤسسات، ولهذا بدأت معظم الشركات في اتخاذ العديد من القرارات، بهدف تقليل حجم الخسائر وتعزيز السيولة النقدية، كان أبرزها تسريح العمالة، أو خفض الأجور، أو التوقف عن تعيين أي موظفين جدد.

وأبرزت الأزمة الراهنة الحاجة إلى تعزيز سياسات العمل عن بعد؛ إذ كشفت نتائج دراسة أجرتها شركة الأبحاث Global Workplace Analytics خلال شهر مايو عن ارتفاع نسبة عدد العاملين عن بعد خلال العام الحالي بنسبة 140% مقارنة مع عام 2005، ويرجع ذلك إلى تشجيع العديد من الشركات مثل “أمازون” و”فيسبوك” و”جوجل” موظفيها على العمل من المنزل حفاظًا على سلامتهم وللحد من انتشار العدوى. كما اتّجهت بعض المؤسسات إلى زيادة الاستثمار في تزويد موظفيها بالأدوات والمعدات التي يحتاجون إليها للعمل عن بعد. لكن تشوب هذه الفكرة بعض المشكلات التي تتركز معظمها في ارتفاع تكلفة عملية التحول الرقمي، وصعوبة ضمان التزام العاملين بمواعيد العمل الرسمية خلال بقائهم بالمنزل، فضلًا عن عدم تقبل بعض المؤسسات لهذه الثقافة من الأساس. كما أنها تُعطي الذريعة لبعض المؤسسات لخفض الأجور بسبب انخفاض نفقات الموظفين. وأخيرًا لا يمكن للعاملين في قطاعات مثل التجارة بالتجزئة والمطاعم والفنادق العمل من المنزل.

وانطلاقًا مما سبق، يستعرض هذا المقال مدى تأثير فيروس كورونا على سوق العمل المصري والعالمي، مع الإشارة إلى مستقبل التوظيف فيما بعد أزمة كورونا.

سوق العمل العالمي في ظل أزمةكوفيد-19″

أثّرت إجراءات الإغلاق الناجمة عن انتشار الوباء على العاملين في قطاع الخدمات كالفنادق والمطاعم وتجارة التجزئة والسياحة، وكذلك القطاع التصنيعي مثل السيارات، حيث يعمل 94% من إجمالي عمال العالم في دول قامت بالفعل بتطبيق جميع الإجراءات الاحترازية الرامية إلى الحد من تفشي الفيروس، ولهذا توقعت منظمة العمل الدولية فقدان 25 مليون وظيفة طوال العام الجاري، مع خسارة في الدخل تصل إلى 3.4 تريليونات دولار أمريكي. ويعمل 38% من القوى العاملة -حوالي 1.25 مليار عامل- في القطاعات المتضررة بشكل مباشر من الوباء، وهي: قطاع الغذاء والفنادق (144 مليون عامل)، وتجارة الجملة والتجزئة (582 مليونًا)، وخدمات الأعمال والإدارة (157 مليونًا)، بالإضافة إلى قطاع التصنيع (463 مليونًا).

أما عن القطاع غير الرسمي، فقد أكدت المنظمة أن (كوفيد-19) سيؤثر سلبًا على حوالي 1.6 مليار شخص من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي -البالغ عددهم 2 مليار عامل في العالم- بسبب تداعيات إجراءات الإغلاق على أعمالهم، أو لأنهم يعملون في القطاعات الأكثر تضررًا. وفي هذا الشأن، يُمكن قياس أثر فيروس (كوفيد-19) على سوق العمل من خلال مؤشر عدد ساعات العمل، حيث خفضت الجائحة إجمالي ساعات العمل حول العالم بنحو 4.5% خلال الربع الأول من 2020، وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى احتمال انخفاضها بنسبة 10.5% في الربع الثاني -بما يعادل 305 ملايين وظيفة بدوام كامل- وذلك بضغطٍ من اتجاه جميع الدول إلى تطبيق الإجراءات الوقائية خلال هذا الربع. ويوضح الشكل رقم (1) تأثير (كوفيد-19) على ساعات العمل خلال الربعين الأول والثاني.

الشكل (1): نسبة انخفاض ساعات العمل خلال الربعين الأول والثاني

Source: ILO Monitor: COVID-19 and the world of work, third edition.

ويتضح من الشكل السابق أنه من بين المجموعات الإقليمية الرئيسية، تشير التقديرات إلى تكبد الأمريكتين الخسارة الأكبر في ساعات العمل بنسبة 12.4%، تليهما أوروبا وآسيا الوسطى بحوالي 11.8%، ثم الدول العربية بنسبة 10.3%. ويرجع ذلك إلى إغلاق اقتصاد تلك الدول بالكامل، فيما اتخذت الدول العربية والإفريقية قرارات بفرض حظر التجوال الجزئي مما لم يؤثر على ساعات العمل بنفس الصورة التي تأثرت بها الدول الأوروبية.

واستنادًا إلى ما سبق، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى سيناريوهين أساسيين؛ الأول يذهب إلى احتمال ارتفاع حجم البطالة العالمية بقيمة 5.3 ملايين متعطل خلال العام الحالي، فيما يذهب السيناريو الثاني إلى ارتفاع حجم البطالة بنحو 24.7 مليون شخص، وذلك بالإضافة إلى رصيد عدد العاطلين عن العمل البالغ 188 مليون شخص حتى عام 2019.

سوق العمل المصري

بلغ حجم القوة العاملة في مصر حوالي 29 مليون فرد، يتوزعون بواقع 26.772 مليون مشتغل، و2.236 مليون متعطل من بينهم 1.076 مليون ذكر و1.160 مليون أنثى. ووصل معدل البطالة إلى 7.7% خلال الربع الأول من العام الجاري، أي قبل تطبيق الحكومة لقرارات إغلاق المحال التجارية وتعليق حركة الطيران. وفيما يلي عرض لأهم المؤشرات السنوية لسوق العمل المصري على مدار السنوات القليلة الماضية.

1- قوة العمل

تشمل قوة العمل جميع الأفراد البالغين من العمر 15 عامًا فأكثر الذين يعملون أو الذين يبحثون عن عمل مدفوع الأجر؛ ولهذا فهي تنقسم إلى فئة “المشتغلين” الذين يساهمون بالفعل فـي النشاط الاقتصادي، وفئة “المتعطلين” وهم القادرون على العمل والراغبون فيه والذين يبحثون عنه ولكنهم لا يجدونه (انظر شكل رقم 2).

شكل رقم (2): قوة العمل المصرية (2005-2018)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيانات عن تقدير قوة العمل وعدد المشتغلين والمتعطلين.

وكما يتضح من الشكل رقم (2)، فإن عدد المتعطلين عن العمل في مصر يتراوح بين 2.1 مليون و3.6 ملايين شخص، فيما ارتفع عدد المشتغلين ليثبت عند 26 مليون شخص خلال عامي 2017/2018.

2- معدّل البطالة السنوي

تراجعت معدلات البطالة على مدار السنوات الماضية، وذلك بعدما شهدت مستويات مرتفعة منذ عام 2011 وحتى 2013، وذلك بسبب الآثار السلبية الناتجة عن الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد خلال تلك الفترة، ولكنها عاودت الانخفاض مرة أخرى بدعم من المبادرات التي أطلقتها الدولة من خلال جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتقديم كافة الدعم للشباب، فضلًا عن زيادة وتيرة تنفيذ المشروعات القومية. ولذلك، نجد أن معدل البطالة قد تراجع خلال 2019 إلى مستويات أقل مما كان عليه قبل سنوات.

الشكل (3): معدل البطالة السنوي (%، 2007-2019)

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيانات عن معدل البطالة السنوي.

لكن من المتوقّع أن ترتفع هذه النسب مرة أخرى خلال 2020 بسبب الإجراءات المترتبة على انتشار جائحة (كوفيد-19)، بالإضافة إلى عودة آلاف المصريين العاملين في الخارج إلى الوطن، مما قد يفاقم من مشكلة البحث عن عمل، وهذا ما حدث بالفعل؛ إذ ارتفع معدل البطالة إلى 9.2% خلال الفترة بين نهاية مارس وحتى نهاية أبريل 2020. ومؤخرًا، رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء مدى تأثير (كوفيد-19) على أوضاع الأسرة المصرية، حيث كشف أن حوالي 61.9% من إجمالي الأفراد المشتغلين تغيرت حالتهم العملية عقب تفشي الوباء، إما عن طريق انخفاض ساعات وأيام العمل أو فقدان وظيفتهم، فيما انخفض دخل نحو 73.5%.

أخيرًا، يُمكن القول إن أزمة كورونا كشفت عن أهمية تطوير البنية التحتية التكنولوجية بما يُمكن الشركات من تبني فكرة العمل عن بُعد، والاعتماد على وسائل الاتصال الإلكترونية وتكنولوجيا الواقع الافتراضي في عقد الندوات والاجتماعات. ومن المرجح أن تزدهر بعض الوظائف بصورة أكبر عقب انتهاء الأزمة كممثلي خدمة العملاء، والعاملين بخدمات توصيل الطعام، فضلًا عن مندوبي المبيعات، وذلك في ظل زيادة الإقبال على التجارة الإلكترونية والتسوق عبر الإنترنت. كما ستشهد بعض الوظائف ازدهارًا خلال الفترة المقبلة، لا سيما تلك المتعلقة بالمجال التكنولوجي والذكاء الاصطناعي.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة