دراسات الإعلام و الرأي العام

تفكيك الخطاب الإعلامي الإثيوبي حول سد النهضة: منصات متعددة ومضمون معيب

تتعدد مظاهر ضعف الموقف الإثيوبي في قضية سد النهضة، ما بين عدم كفاية الدراسات الفنية، وغياب القدرة على الإدارة السياسية الناجحة للملف، والمخالفة الصريحة لكل مبادئ القانون الدولي بما فيها ما ألزمت به إثيوبيا نفسها في اتفاقيات دولية. ومع ذلك، نجحت إثيوبيا طوال السنوات العشر الماضية في إظهار نفسها بمظهر يفوق في قوته وثباته واقعها الحقيقي. ولم تكن إثيوبيا لتتمكن من بناء هذه الصورة وتسويقها داخليًّا وخارجيًّا من دون خطاب إعلامي داعم لتحقيق هذا الهدف الرئيسي، وهو الخطاب الذي مثل في العديد من اللحظات الحرجة مصدر الدعم الوحيد للمفاوض الإثيوبي. على هذا النحو، تبدو الحاجة ملحة لتفكيك الخطاب الإعلامي الإثيوبي…

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية

تتعدد مظاهر ضعف الموقف الإثيوبي في قضية سد النهضة، ما بين عدم كفاية الدراسات الفنية، وغياب القدرة على الإدارة السياسية الناجحة للملف، والمخالفة الصريحة لكل مبادئ القانون الدولي بما فيها ما ألزمت به إثيوبيا نفسها في اتفاقيات دولية. ومع ذلك، نجحت إثيوبيا طوال السنوات العشر الماضية في إظهار نفسها بمظهر يفوق في قوته وثباته واقعها الحقيقي. ولم تكن إثيوبيا لتتمكن من بناء هذه الصورة وتسويقها داخليًّا وخارجيًّا من دون خطاب إعلامي داعم لتحقيق هذا الهدف الرئيسي، وهو الخطاب الذي مثل في العديد من اللحظات الحرجة مصدر الدعم الوحيد للمفاوض الإثيوبي.

على هذا النحو، تبدو الحاجة ملحة لتفكيك الخطاب الإعلامي الإثيوبي بشأن سد النهضة، سواء من حيث جوانبه الهيكلية المتعلقة بطبيعة القائمين على صناعته وإطلاقه، أو من حيث مضمونه وما يحمله من مظاهر متعددة للتناقض ومغالطة الواقع.

منصات متعددة

استخدمت إثيوبيا وسائط متعددة لنشر خطابها بشأن سد النهضة. فقد تعددت الوجوه الرسمية المشتبكة مع الملف، بداية من رئيس الوزراء “آبي أحمد” الذي كان الأكثر سعيًا لتوظيف الملف سياسيًّا مقارنة بسلفيه “هايليماريام ديسالين”، ومن قبله “ميليس زيناوي” الذي يعتبره الكثيرون “الأب الروحي” للمشروع. فقد حضرت قضية سد النهضة في خطاب تنصيبه أمام البرلمان، وفي العديد من المناسبات التالية، والتي سعى لتوظيفها في ترميم صورته كقائد وطني بعدما لحقتها العديد من الشكوك نتيجة سياساته التمييزية التي تستهدف في المقام الأول تثبيته في السلطة، ولو كان ذلك من دون الرجوع للشعب في انتخابات عامة.

وإلى جانب “آبي أحمد” يبرز وزير الخارجية “جيدو أندارجاشيو” الذي لم يسبق له أن شغل أي منصب دبلوماسي قبل توليه وزارة الخارجية في أبريل عام 2019، وهو المنصب الذي وصل إليه في إطار التوازنات الإثنية الدقيقة التي يعتمد عليها “آبي أحمد” في تثبيت ركائز حكمه، والتي مالت مؤخرًا لصالح تمكين جماعة أمهرا من العديد من المناصب السيادية كرئاسة أركان الجيش للمرة الأولى منذ عقود، ووزارة الخارجية التي تولاها “أندارجاشيو” بعد استقالته من منصبه كرئيس لإقليم أمهرا. ويشكل “أندارجاشيو” تجسيدًا مثاليًّا للتوجهات القومية الأمهرية المتطرفة، والذي لا يمكن قراءة تصريحاته المتشددة بشأن سد النهضة إلا في ضوء تحيزاته القومية الضيقة التي تتجلى تارة في الرغبة في احتكار التصرف في مياه النيل الأزرق، وتارة أخرى في التمدد داخل الأراضي السودانية، وهي الطموحات التوسعية الواضحة التي تجتمع –من وجهة نظر داعميها- لإعادة إحياء “الإمبراطورية” الأمهرية من جديد على حساب غيرها من القوميات الإثيوبية وعلى حساب دول الجوار كذلك.

ولا يمكن تجاوز تصريحات خبير هندسة الموارد المائية “سيليشي بيكيلي” الذي تولى منصب وزير المياه والري والطاقة في عام 2016 خلال حكم “ديسالين”، والذي استقر “آبي أحمد” على بقائه في السلطة على الرغم من التغييرات الوزارية المتكررة خلال فترة حكمه. وعلى الرغم من خلفيته الأكاديمية، فإن تصريحات “بيكيلي” تحمل النصيب الأكبر من المغالطات نظرًا لاتصالها بالعديد من القضايا الفنية التي تمثل نقطة الضعف الجوهرية لدى المفاوض الإثيوبي. وقد قدمت تصريحات “بيكيلي” دليلًا قاطعًا على دخول إثيوبيا المسار التفاوضي بسوء نية وبدون أي رغبة حقيقية في تسوية الخلافات مع مصر والسودان.

وبجانب التصريحات الإثيوبية الرسمية، انخرطت العديد من المنصات الصحفية الإثيوبية في شن حملة إعلامية عدائية تجاه مصر –ومن بعدها السودان- وذلك من خلال الترويج المتعمد لـ”خطاب كراهية” عنصري، جاء في الغالب في صورة معالجات افتقدت للعمق وللرصانة، وحملت الكثير من العداء غير المبرر تجاه المصريين بغرض دفع القارئ الإثيوبي والعالمي للاقتناع بالمزاعم القائلة بأن ما حققته مصر من تنمية عبر مراحل تطورها التاريخي إنما جاء على حساب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في إثيوبيا. 

ولم يقتصر خطاب الكراهية الإثيوبي على الحملات الصحفية، بعدما وظفت إثيوبيا -وداعموها الشرق أوسطيون- منصات التواصل الاجتماعي لشن هجوم منسق معد له بعناية على الموقف المصري عبر عدد من الحسابات الموجهة لقارئي العربية تستهدف توظيف قضية سد النهضة للضغط على القرار المصري في جبهات إقليمية أخرى تشهد تحولات متسارعة في السنوات الأخيرة. يأتي هذا إلى جانب الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي الموجهة لقارئي الإنجليزية حول العالم والتي مارست ضغطًا كبيرًا لدعم موقف إثيوبيا من الانسحاب من مسار واشنطن التفاوضي بعد شن هجمة منسقة على الإدارة الأمريكية، وخصوصًا وزير الخزانة “ستيفن منوتشين”، فضلًا عما شنته هذه الحسابات من حملة مفتعلة لتصوير قضية سد النهضة باعتبارها قضية تحمل أهمية رمزية لمختلف القوميات الإثيوبية، التي تعلق آمالها على هذا المشروع وحده في تحقيق الرخاء الذي انتظرته لعقود. 

مضمون معيب

سعى الخطاب الإثيوبي لبناء سردية تبسيطية اختزالية لتبرير مشروع سد النهضة والترويج له، وهي السردية التي لاقت قدرًا من الانتشار بسبب اعتمادها على مخاطبة الجوانب الشعورية لا المنطقية لدى متلقيها المتعددين، حيث تبنت منطق “المظلومية” في مخاطبتها للداخل الإثيوبي، بحيث تعفي النخب الحاكمة للقوميات الإثيوبية المتصارعة لعقود من أي مسئولية عن تعثر التنمية في البلاد ووصول عوائدها لعموم المواطنين. كما خاطبت السردية الإثيوبية “عقدة الذنب” تجاه العالم الخارجي بتحميله مسئولية الأوضاع البائسة التي يعيشها ملايين الإثيوبيين والتي يمكن أن تشهد تغيرًا نوعيًّا حال قبول المجتمع الدولي ما تقترحه الحكومة الإثيوبية من منحها السيطرة الكاملة على كافة الأنهار الدولية التي تشترك فيها إثيوبيا مع دول جوارها المباشر وغير المباشر.

ومن أجل نشر السردية الإثيوبية على أوسع نطاق تم إكسابها طابعًا شديد العدائية تجاه مصر عبر تحميلها بكم هائل من المغالطات التي تخالف الثابت من وقائع التاريخ المعاصر للتفاعلات بين مصر والسودان وإثيوبيا، سواء في المراحل الأخيرة للحقبة الاستعمارية أو في عهد الاستقلال. هذا الاعتماد المكثف على المغالطات ساهم في إكساب الخطاب الإثيوبي طابعًا واضحًا من التناقض، فما يسوقه من ذرائع لتأكيد حق إثيوبيا في احتكار السيطرة على النيل الأزرق ينسف أي محاولة للادعاء بكون مشروع السد مشروعًا تنمويًّا لن يترتب عليه أي “ضرر جسيم” لمصر أو السودان.

وعلى المستوى الإجرائي يقوم الخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة على الكذب الفج من دون حرج، سواء في الحديث عن حجم المشروع وعوائده وضروراته ومصادر تمويله، وصولًا إلى ما يعلنه بشأن تطور موقف إثيوبيا من المفاوضات في مساراتها المختلفة. وقد تجلى هذا المنطق في أوضح صوره في تعهد رئيس الوزراء الإثيوبي بالعربية بعدم الإضرار بمصالح مصر المائية خلال زيارته للقاهرة في يونيو 2018، والذي سرعان ما أحل نفسه من أي قيد أخلاقي يفرضه عليه هذا التعهد.

ولم يخل الخطاب الإثيوبي من محاولات دائبة لخلط الأوراق، والتشويش على مسار المفاوضات، إما لتعطيلها من أجل كسب الوقت وفرض الأمر الواقع، أو لتحقيق أغراض سياسية آنية تساعد النظام الإثيوبي على المعالجة الجزئية لما يعانيه من وضع سياسي وأمني بالغ الاضطراب. وحتى الوقت الحالي، لا يزال الخطاب الإثيوبي حريصًا على العبث بمضمون القضية عبر محاولة تحويلها لمواجهة بين مصر “العربية” ودول المنابع “الإفريقية”، وهي المحاولة التي باءت بالفشل الذريع بعد المواقف المتعقلة التي عبرت عنها العديد من دول المنابع مثل جنوب السودان وإريتريا وكينيا، والتي تربطها بمصر علاقات وثيقة شهدت طفرة في السنوات الأخيرة، استبقت المحاولات الإثيوبية المتكررة لإحداث وقيعة بين مصر ودول حوض النيل والتي كان مصيرها الفشل مرة تلو الأخرى.

محدِّدات أساسية

بغض النظر عن طبيعة المعالجات الإعلامية المصرية لذات القضية، وما حققته من فاعلية في نقل رسائلها المتعددة لجمهورها في الداخل والخارج، تفرض اللحظة الراهنة ضرورة تفكيك الخطاب الإعلامي الإثيوبي باعتباره من أكثر الأدوات استخدامًا في دعم المواقف السياسية الإثيوبية، وهي المهمة التي يتعين أن تتم وفق محددات واضحة.

ويتمثل أهم هذه المحددات في الاكتفاء بعرض الخطاب الإثيوبي نفسه، بما يبرز تناقضه وزيفه، طوال السنوات العشر الماضية بصورة عامة، وفي العامين الأخيرين بصورة خاصة، من دون تشويش المتلقي بمحاولة الرد على ما يزخر به هذا الخطاب من مغالطات ومظاهر متعددة لعدم الاتساق، خاصة مع الجهد الكبير الذي بذله العديد من المتخصصين المصريين على اختلاف تخصصاتهم في تفنيد الادعاءات الإثيوبية، وذلك إيمانًا بأن تتبع الخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة كفيل وحده بالكشف عن واقعه المعيب. 

ومن بين المحددات المهمة –كذلك- تبني مقاربة شاملة في رصد الخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة، تأخذ في حسبانها ظهور نمط لتوزيع الأدوار بين المسئولين الرسميين الإثيوبيين بأن يتبنى أحدهم التشدد لمخاطبة الرأي العام الداخلي، بينما يتبنى الآخر الاعتدال لتجنب إثارة ردود أفعال مصرية حادة، وفي الحالتين لا يخلو جوهر الخطاب الرسمي الإثيوبي الحاد أو المهادن من ذات المغالطات، بما يجعل من المهم إخضاعها للرصد والتحليل. كذلك، تعد الكثير من وسائل الإعلام الإثيوبية وحسابات وسائط التواصل الاجتماعي مجرد “صدى صوت” للموقف الحكومي من قضية سد النهضة، تحمل ذات الرسائل التي يحملها الخطاب الرسمي لكن لجمهور مختلف، وهو الأمر الذي يتعين معه شمولها هي الأخرى بالاهتمام والتحليل كجزء مهم من الخطاب الإثيوبي.

أما المحدد الثالث والأخير فيتعلق بضرورة مراعاة الارتباط الكبير بين موجات التهدئة والتصعيد التي يشهدها الخطاب الإثيوبي بشأن سد النهضة وبين السياق المحيط به من تفاعلات السياسة الداخلية الإثيوبية. إذ تثبت الوقائع حقيقة أن جميع التصريحات الإثيوبية الحادة بشأن سد النهضة –بما فيها تلك التي أشارت للبدائل العسكرية- إنما جاءت على خلفية اضطرابات حادة في الأوضاع الداخلية دفعت الحكومة الإثيوبية لتبني نهج “الهروب للأمام” من أجل إلهاء الرأي العام الداخلي بقضية السد، وتوفير مبرر “وطني” لممارسة المزيد من الضغوط على الأصوات المعارضة بحجة إضعافها لموقف الحكومة في مواجهتها الخارجية “المحتدمة” مع مصر.

ترتيبًا على كل ما تقدم، يشرع المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية في الأسابيع القادمة في نشر سلسلة من الدراسات تفكك الخطاب الإعلامي الإثيوبي بشأن سد النهضة بما يبرز تناقضاته ومغالطاته، وهي المهمة التي تفرضها حقيقة استمرار تعثر المسار التفاوضي حتى الآن على الرغم من الانخراط الدولي المتزايد في الملف، خاصة مع بلوغ الخطاب الإثيوبي في الأسابيع الأخيرة مستويات غير مسبوقة من التصعيد والعدائية.

د. أحمد أمل
رئيس وحدة الدراسات الإفريقية