مقال تحليلي

المغالطات الإثيوبية حول سد النهضة

بعد تسع سنوات من المفاوضات انتهى معها صبر مصر بسبب المغالطات الإثيوبية وغياب الموضوعية، اضطرت مصر للجوء إلى مجلس الأمن لإيجاد وسيلة للمراقبة الدولية على التجاوزات الإثيوبية في مباحثات لا تنتهي أبدًا، وإصرار إثيوبي على الملء بقرار منفرد بعيدًا عن شركائها في النهر. هرعت إثيوبيا إلى جنوب إفريقيا ترجوها التدخل لدى مجلس الأمن وجعل المفاوضات إفريقية بعيدًا عن شهود العالم للتجاوزات الإثيوبية بعد هروبها من الاتفاقية الأمريكية والبنك الدولي، وكأن إفريقيا جاءت للعالم هذا العام فقط، ولم يكن الطرح الإثيوبي بإفريقيّة المفاوضات موجودًا في العام الماضي أثناء تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي. لكن مع تولّي جنوب إفريقيا الرئاسة لهذا العام…

د. نادر نور الدين محمد

بعد تسع سنوات من المفاوضات انتهى معها صبر مصر بسبب المغالطات الإثيوبية وغياب الموضوعية، اضطرت مصر للجوء إلى مجلس الأمن لإيجاد وسيلة للمراقبة الدولية على التجاوزات الإثيوبية في مباحثات لا تنتهي أبدًا، وإصرار إثيوبي على الملء بقرار منفرد بعيدًا عن شركائها في النهر. هرعت إثيوبيا إلى جنوب إفريقيا ترجوها التدخل لدى مجلس الأمن وجعل المفاوضات إفريقية بعيدًا عن شهود العالم للتجاوزات الإثيوبية بعد هروبها من الاتفاقية الأمريكية والبنك الدولي، وكأن إفريقيا جاءت للعالم هذا العام فقط، ولم يكن الطرح الإثيوبي بإفريقيّة المفاوضات موجودًا في العام الماضي أثناء تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي. لكن مع تولّي جنوب إفريقيا الرئاسة لهذا العام قفزت إفريقيا إلى الوجود لتتم إدارة المفاوضات من مقر الاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية، والاستمرار في التسويف المعتاد، مع الإنحياز لإفريقيا وصولًا إلى دعم الأمريكان السود لموقف الدولة “السمراء”، في تفرقة لونية بغيضة ومقصودة. إثيوبيا التي تنادي بأفرقة المفوضات والانتماء الإفريقي هي نفسها التي أسندت بناء السد إلى شركة إيطالية، وأسندت شبكة نقل الكهرباء إلى شركة صينية، ولم تسند أي عمل بالسد إلى عضو إفريقي، ولكنها تريد فقط للمباحثات أن تكون “إفريقية” في خبث تقرؤه مصر، والتي أحسنت تحديد مهلة للوساطة الإفريقية لا تزيد على أسبوعين مع إخطار مجلس الأمن بهذه الخطوة التمهيدية التي لن تلغي دور مجلس الأمن في حل النزاعات الدولية منفردًا ودون غيره.

خرجت تصريحات الرئيس المصري متوازنة ومتماشية مع العراقة الدبلوماسية المصرية بعد الاجتماع مع المكتب الفني للاتحاد الإفريقي في وجود رؤساء مصر والسودان وإثيوبيا، بينما خرجت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي مغرضة وتشير إلى فرضية الحل الإفريقي دون غيره لاغيًا التواجد العالمي الذي تعيش عليه إثيوبيا في برنامج الغذاء العالمي ومساعدات وهبات البنك الدولي وبرنامج منظمة الأغذية والزراعة لتطوير الري والأمن الغذائي في إثيوبيا. وتزامن مع ذلك وفي نفس التوقيت خروج تصريحات مغالطة من وزير المياه الإثيوبي -في سياسة توزيع للأدوار- في هجوم شرس على مصر يدعي فيها بالمغالطة المتعمدة حصول مصر وحدها عبر اتفاقية 1959 “الاستعمارية” (كيف توصف بالاستعمارية بينما كانت كل من مصر والسودان دولًا مستقلة ذات سيادة) على 87% من مياه النيل مقابل 13% فقط للسودان في محاولة للوقيعة بين مصر والسودان، بينما تحصل إثيوبيا التي هي منبع لنحو 85% من مياه النيل على صفر من المياه ومعها كل دول منابع النيل الأبيض. وجميع هذه الأرقام مغرضة ومتعمد فيها الخطأ وغير صحيحة. الصحيح أن إثيوبيا تحصل على أكبر حصة من مياه نهر النيل ممثلة في مياه بحيرة تانا التي ينبع منها النيل الأزرق وتحتوي على 55 مليار م3 تستخدمها إثيوبيا في توليد الكهرباء عبر سد تشارا Chara، وبنت عليها العديد من محطات مياه الشرب والمصانع والمزارع المجاورة، بالإضافة إلى أكثر من 100 ألف طن من الأسماك سنويًّا، ومعها كنائس أثرية جاذبة للسياحة داخل جزر البحيرة.

هناك أيضًا خزان سد تاكيزي الذي يحتوي على 9 مليارات م3، ويستخدم في توليد الكهرباء وإنتاج مياه الشرب وكافة الأغراض، لتحصل إثيوبيا بذلك على 64 مليار متر مكعب وحدها من بحيرة تانا وخزان سد تاكيزي Takezi Reservior، في حين تحصل مصر والسودان مجتمعتين على 60 مليار م3 فقط من النيل الأزرق Blue Nile وتاكزي (عطبرة Atbara). 

ولعل هذا يوضح للعالم تعمد كذب ومغالطة إثيوبيا التي تعد نافورة مياه القارة African Water Tower، ومع ذلك تدعي أنها لا تحصل على أي قدر من مياه النيل (التي لا تحتاجها)، بينما هي تحصل وحدها على الغالبية المطلقة منها. وفي المقابل، نجد أن دول منابع النيل الأبيض لا تثير المشاكل التي تثيرها إثيوبيا وتعترف بحصولها على غالبية مياه النيل الأبيض عبر بحيرة فيكتورياVictoria  ثاني أكبر بحيرة للمياه العذبة في العالم ثم بحيرات كيوجا Kayoga وجورج  George وإدوارد Edward، وصولًا إلى بحيرة ألبرت Albert Lake التي يخرج منها النيل إلى جنوب السودان. كما لم تثر جنوب السودان مشاكل في حصة المياه، حيث تحصل عبر مستنقعات “السد Sudd” الشهيرة -وهي الأكبر في العالم للمياه العذبة- على نحو 40 مليار متر مكعب سنويًا، ولكن إثيوبيا ترغب في ذر الرماد في عيون العالم لاغية كل مياه البحيرات والحديث فقط عن القليل الذي يجري بين ضفتي النهر الذي يحمل فائض مياه البحيرات والمستنقعات والأمطار إلى مصر والسودان. هناك أيضًا تسعة أحواض أنهار في إثيوبيا يحتوي كل حوض على عشرات الأنهار مقابل نهر وحيد في مصر بلا روافد ولا فروع وصحراء قحطاء تحيط بالنهر في مصر وتمثل 93% من مساحة مصر مستكثرين على مصر الحياة على 7% فقط من إجمالي مساحتها ويريدون تقليصها.

واستمرارًا للمغالطة أو ربما ضعفًا في الحساب يدعي الوزير الإثيوبي أن حصة مصر 87% من إجمالي المياه التي تجري بين ضفتي النهر وليس 66% فقط كحسبة صحيحة مما يصل إلى جنوب مصر (55.5 من إجمالي 84 مليار إجمالي تدفقات نهر النيل)، وأن حصة السودان 13% وليس 33% (18.5 مليار من إجمالي 84 مليار)، بينما الحقيقة أن إثيوبيا تحصل وحدها عبر مياه بحيرة تانا وخزان نهر تاكيزي على 60% من إجمالي مياه النيل، وتحصل مصر والسودان على 40% فقط بخلاف مياه البحيرات الاستوائية Equatorial Lakes التي لن نتحدث عنها بسبب رضاء دول النيل الأبيض بما وهبهم الله من مياه ضخمة، ولا تريد مزاحمة مصر الجافة الصحراوية في القليل من المياه التي تصل إليها كما تفعل إثيوبيا التي لم يشر وزيرها للمياه إلى أن نصيب الفرد من المياه الجارية في إثيوبيا (بخلاف 936 مليارًا من الأمطار) يبلغ 1650 م3  مقابل حوالي 500 م3 للمواطن المصري. 

ويستمر الوزير الإثيوبي في هجومه المغرض على مصر ويدعي أن السد الإثيوبي سيساعد السودان في الحصول على أكثر من سبعة مليارات م3 من المياه تتركها من حصتها لمصر (مهموم فقط بإنقاص مياه مصر) ولم يذكر لنا كيف سيتم ذلك؟ ولماذا لا يحدث الآن؟ بينما سيحدث فقط بعد السد، خاصة أن السودان تحصل على حصتها كاملة من مياه النيل عبر سدود الروصيرس وسنار وخشم القربة الذي بني بعد اتفاقية 1959 لضمان حصول السودان على حصتها، ثم عبر خزان جبل الأولياء على النيل الأبيض وسد ميروي على النيل الموحد جنوب مصر.

الوزير الإثيوبي تناسى أن إثيوبيا سوف تقوم بخصم 15 مليار م3 من المياه من حصتي السودان ومصر عبر سبع سنوات أثناء الملء، الأول للسد بالإضافة إلى أطماع بخصم نحو 17 مليار م3 أخرى وبشكل مستديم بعد انتهاء الملء الأول وإلى الأبد على الرغم من ادعاء إثيوبيا بأن سدها لتوليد الكهرباء، فما هي الحاجة لخصم كل هذا القدر من المياه؟! ثم تدعي بعد كل هذا الخصم أن حصة السودان من المياه سوف تزيد!! ويستمر الوزير الإثيوبي في المغالطة ليقول إن إثيوبيا لا تعترف بالحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، والحقيقة أنه يأخذنا بعيدًا عن الحقيقة لأننا نتحدث عن الحقوق المكتسبة Accepted Rights التي يعترف بها القانون الدولي، وهي ما تعودنا أن يصل إلى أراضينا من مياه النيل عبر آلاف السنين، ولا يستطيع أحد أن يوقف هذا التدفق الطبيعي للنهر. كما أن مصر لم تقحم اتفاقية 1959 في المباحثات والتي تعطي لمصر حصة 55.5 مليار م3 من أنهار النيل الأربعة بينما كل تدفقات النيل الأزرق 49 مليارًا فقط، وبالتالي لا علاقة على الإطلاق بين حصة مصر وبين مباحثات النيل الأزرق والسد الإثيوبي المقام عليه.

استَعطف المندوب الإثيوبي في كلمته أمام مجلس الأمن الحضور بالقول إن غالبية الإثيوبيبن يحملون الحطب على ظهورهم لاستخدامه في الإنارة والوقود لعدم وجود كهرباء، بينما يتمتع كل الشعب المصري بالكهرباء، ولا أدري لماذا المقارنة مع مصر فقط وليس السودان أيضًا. كما أن بيان مفوضية حوض النيل للعام الماضي يشير إلى أن 100% من الإثيوبيين المقيمين بالمدن يتمتعون بالكهرباء ونحو 60% بالريف وليس غالبية كما يدعي المندوب الإثيوبي. لكن هل تكون الكهرباء على حساب حياة المصريين؟! فالمياه لا يمكن تعويضها ولكن يمكن إنتاج الكهرباء من مصادر متعددة تبعد إثيوبيا عن الصراعات مع جيرانها بالاتجاه إلى إنتاج الكهرباء بالرياح، خاصة أن أغلب مرتفعاتها على منسوب ألفي متر من سطح البحر بما يزيد من كفاءة توليد الكهرباء. وبالمثل أيضًا تمتلك إثيوبيا خيار توليد الكهرباء بطاقات جوف الأرض بخلاف الكهرباء الحرارية، ومع ذلك فإن أغلب ما تولده إثيوبيا من كهرباء ثلاثة سدود مقامه على نهر أومو المشترك مع كينيا تبيعها إلى كينيا وجيبوتي وليس إلى شعبها، وبالمثل أيضًا تعرض كهرباء سد النهضة على مصر والسودان وجنوب السودان، وبذلك سيبقى حمالو الحطب على أحوالهم لكي تستعطف بهم إثيوبيا العالم في السدود القادمة.

المندوب الإثيوبي تحدث أيضًا عن أن مصر تطل على بحرين ويمكنها تحلية مياه البحر للحصول على المياه العذبة، وهو اعتراف بتعمد إثيوبيا إلحاق الضرر بمصر، وتقليص ما يصل إليها من مياه، ودفعها إلى هذا الخيار المكلف.

ثم بدأ الهجوم على معدلات البخر من بحيرة السد العالي في مصر البالغ 10 مليارات م3 واعتبار مصر تهدر مياه النيل رغم أن مصر كانت تفقد 22 مليار م3 سنويًّا من مياه الفيضان في البحر المتوسط، وأن السد العالي اختزل هذا الفاقد إلى 10 مليارات فقط ووفر 12 مليارًا لصالح البشر بما يُحسب للسد العالي وليس عليه، ولكن يبدو أن إثيوبيا كانت تفضل أن تذهب المياه للبحر أفضل من أن يستفيد بها الشعب المصري حتى إنها لا توجه لومًا مماثلًا عن إهدار 30 مليار م3 في مستنقعات جنوب السودان ولا 15 مليارًا عندها في مستنقعات السوبات، ولكنها ترى فقط فاقد بحيرة ناصر ولا ترى فاقد البخر في بحيرة سدها الجديد الذي لن يقل عن 5 مليارات م3، بالإضافة إلى مثلها بالتسريب بالرشح العميق من قاع البحيرة لأن السد مقام في منطقة شديدة الحرارة على منسوب 560 مترًا فقط على الحدود السودانية وليست في المرتفعات الإثيوبية على منسوب نحو ألفي متر، بالإضافة إلى ملياري فقد من تناثر المياه عند سقوطها من أعلى على التوربينات.

وعلى الموقع الرسمي لإثيوبيا تدعي صفحتها أن مصر تصدر مياه على شكل صادرات زراعية بمبلغ 5 مليارات دولار ثم تدعي الفقر المائي، ولم يشر الموقع إلى حجم الصادرات الإثيوبية التي تبلغ خمسة أضعاف صادرات مصر الزراعية. ولم يشر أيضًا إلى أن مصر تستورد 65% من أغذيتها الأساسية بما يكلفها 15 مليار دولار سنويًا بسبب نقص المياه وندرتها، كما أن الصادرات الزراعية القليلة لا تزيد على 2 مليار دولار فقط وليس كما تدعي إثيوبيا.

وتستمر المغالطات الإثيوبية، ويدعون أن السد الإثيوبي هو حقيقة “سد السودان المقام في إثيوبيا” والذي سيمكنها من زراعة مناطق خزان الروصيرس وولاية النيل الأزرق وغيرها من المناطق لثلاث مرات سنويًا بدلًا من مرتين، متناسيًا أن السد الإثيوبي سيمنع مياه الفيضان التي تختزن مياهه في التربة وفي خزاني الروصيرس وسنار، والتي قد لا تمتلئ أبدًا بعد السد الإثيوبي الذي سيصرف المياه يوميًّا وكأنها مصروف تلميذ ذاهب إلى المدرسة وبكميات لا تفي باحتياجات المياه في السودان ولا في مصر، بالإضافة إلى أن زراعة هذه الأراضي بعد انقطاع مياه الفيضان سيتطلب إقامة شبكة من الترع والمصارف لتوفير مياه الري والتحول إلى الري المستديم تتكلف مليارات الدولارات؛ فهل ستقيم إثيوبيا هذه الترع والمصارف للسودان الفقير أم هو مجرد قلب للحقائق فقط؟! يضاف إلى ذلك أن غياب مياه الفيضان ستؤدي إلى غياب الغسيل السنوي للترب السودانية وتراكم الأملاح والملوثات، وأن غياب الطمي المخصب للترب السودانية يعني استبداله بالأسمدة الكيميائية التي ستكلفها المليارات. ثم إن توطن التلوث والحشرات والأمراض بالترب السودانية بعد غياب غسيل الفيضان سيكلف السودان مليارات أخرى للمبيدات ثم مليارات أخرى لعلاج تداعيات الأسمدة الكيميائية والمبيدات على صحة الإنسان في السودان.

هذه نماذج للمغالطات الممزوجة بالكراهية والتي تروج لها إثيوبيا في العالم بعد أن تعاطف معنا أغلب دول العالم، وتنبهوا إلى خطورة السد الإثيوبي على مصر، وأيضًا إلى أطماع إثيوبيا في استنزاف موارد مصر، وتعمد إضرارها، وهو ما خلص إليه المعهد الألماني للدراسات الاستراتيجية بطمع إثيوبيا في أموال مصر عبر التفكير في بيع المياه إليها في لمحة إلى قراءة الفكر الشاذ المستغل لإثيوبيا، والتي ينبغي معها أن ننقل كل هذه الحقائق إلى الضمير العالمي ليرى حجم الترصد الإثيوبي بدولة في حجم وتاريخ مصر.

د. نادر نور الدين محمد