تنمية ومجتمع

صافر.. كارثة يجب أن لا تقع

يجتمع مجلس الأمن في 15 من يوليو الجاري لمناقشة أزمة جديدة من أزمات الملف اليمني المعقد. الأزمة هذه المرة ليست اشتباكًا مسلحًا بين الفرقاء اليمنيين من أجل السيطرة على جزء من الأرض، كما أنها ليست هجمات تخريبية نفذتها أو تُعد لتنفيذها جماعة “أنصار الله الحوثية” المدعومة من إيران على منشآت أو ممتلكات تابعة لإحدى الدول الخليجية؛ فالأزمة هذه المرة تتعلق بسفينة مهملة ترسو على شواطئ محافظة الحديدة وتدعى صافر FSO Safer.  يرجع تدشين تلك السفينة إلى عام 1976، حيث كانت مملوكة لإحدى شركات نقل البترول العالمية تحت اسم ESSO Japan. وفي عام 1987 تم بيعها إلى المؤسسة اليمنية العامة للنفط…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

يجتمع مجلس الأمن في 15 من يوليو الجاري لمناقشة أزمة جديدة من أزمات الملف اليمني المعقد. الأزمة هذه المرة ليست اشتباكًا مسلحًا بين الفرقاء اليمنيين من أجل السيطرة على جزء من الأرض، كما أنها ليست هجمات تخريبية نفذتها أو تُعد لتنفيذها جماعة “أنصار الله الحوثية” المدعومة من إيران على منشآت أو ممتلكات تابعة لإحدى الدول الخليجية؛ فالأزمة هذه المرة تتعلق بسفينة مهملة ترسو على شواطئ محافظة الحديدة وتدعى صافر FSO Safer. 

يرجع تدشين تلك السفينة إلى عام 1976، حيث كانت مملوكة لإحدى شركات نقل البترول العالمية تحت اسم ESSO Japan. وفي عام 1987 تم بيعها إلى المؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز، حيث قامت تلك الأخيرة بتحويلها إلى ميناء عائم لتداول النفط الخام، وقامت بتسميتها بميناء “رأس عيسى”. ويخدم هذا الميناء آبار النفط المتواجدة في منطقة مأرب. وتعتبر “صافر” الميناء النفطي الوحيد الذي تمتلكه اليمن على ساحل البحر الأحمر، وتستطيع تلك السفينة أن تستوعب داخل خزاناتها حوالي 3 ملايين برميل من النفط الخام. كما يمكنها أن تضخ يوميًّا أكثر من مليون برميل إلى ناقلات النفط الأخرى القادمة إليها بهدف التحميل.

خدمت “صافر” القطاع النفطي اليمني لأكثر من 26 عامًا وذلك خلال الفترة (1988-2015)، ونظرًا لانتهاء عمرها الافتراضي كانت الحكومة اليمنية قد بدأت في دراسة تشييد ميناء نفطي ثابت ليكون بديلًا عنها. لكن المشروع توقف بالكامل بسبب اشتعال الحرب الأهلية في اليمن، كما أدى سقوط منطقة الحديدة في يد ميليشيا الحوثي في مارس 2015 إلى توقف كافة أعمال التشغيل والصيانة الخاصة بالسفينة المتقادمة في العمر.

كارثة بيئية واقتصادية متوقعة

منذ عام 2018 بدأت تتوارد العديد من التقارير الدولية حول تداعي جسم السفينة صافر، وأيضًا خط الأنابيب البحري الواصل بينها وبين الساحل اليمني. ويُعزى هذا التداعي إلى الملوحة العالية التي تتميز بها مياه البحر الأحمر، حيث يصل متوسط ملوحة المياه إلى 38%، كما أن عدم إجراء الصيانة الدورية للسفينة بسبب ظروف الحرب الأهلية في اليمن أدى إلى الإسراع من وتيرة هذا التداعي. وقد توقع بعض الخبراء أن تواجه السفينة سيناريوهين خطيرين في حال استمرار إهمالها؛ السيناريو الأول حدوث خروقات متعددة في هيكل السفينة وخط الأنابيب الملحق بها مما سيؤدي إلى تسرب النفط الخام المُخزن بداخلها، والذي قدرته الحكومة اليمنية في 2019 بـ1.141 مليون برميل.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في انفجار خزانات النفط بالسفينة، وذلك بسبب زيادة نسبة الغازات المتطايرة والقابلة للانفجار بداخلها، حيث أدى توقف عمليات الصيانة الدورية للسفينة إلى عدم إفراغ تلك الغازات من داخل الخزانات خلال السنوات الخمس الماضية. ويزيد من احتمالات انفجار السفينة هذه الأيام ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة في مايو الماضي عن وجود تسريب في الأنابيب الخاصة بتبريد خزانات السفينة، وهو ما من شانه أن يرفع درجة حرارة النفط المُخزن، وبالتالي زيادة تفاعل الغازات المتفجرة، وهو ما قد يؤدي إلى حادث كارثي “لا قدر الله”.

ولكي نتوقع حجم الكارثة المحتملة للسفينة “صافر”، يمكننا مراجعة ما تم تسجيله عن أحد أشهر حوادث تسرب النفط في العالم والذي وقع في عام 2010، والمعروف بـ Deepwater horizon Oil Spill، أو “التسرب النفطي في خليج المكسيك”، حيث أدّى تجمّع الغازات القابلة للاشتعال داخل أنابيب أحد حفارات البترول العاملة في خليج المكسيك إلى حدوث انفجار هائل أدى إلى تسرب 4.9 ملايين برميل من النفط الخام. وقد تسبب هذا الانفجار في أضرار كارثية للبيئة البحرية، حيث تعرض أكثر من 8300 نوع من الكائنات الحية، سواء من الطيور أو الأسماك، لخطر النقوق، فضلًا عن رصد حالة دمار واسعة طالت الشعاب المرجانية في كل أنحاء الخليج. وقد نتجت الكثير من الأضرار الاقتصادية عن ذلك التسرب، وتأثر بتلك الأضرار الاقتصادية العديد من المؤسسات والحكومات على حد سواء، وكان في مقدمتها شركة British Petroleum المالكة للبئر النفطي المعطوب، حيث تكبدت تلك الشركة أكثر من 64 مليار دولار من أجل تنفيذ عمليات تنظيف المناطق الملوثة بالنفط، كما هوت أسهم الشركة بنسبة فاقت 50% في سوق بورصة نيويورك عقب الحادث، حيث وصل سعر السهم في يونيو من عام 2010 إلى 29 دولارًا فقط، بعد أن كانت قيمته السوقية أكثر من 60 دولارًا يوم وقوع الكارثة في 20 أبريل 2010. وكان للحادث آثار اقتصادية كارثية عانت منها الولايات الأمريكية المطلة على خليج المكسيك، خاصة ولاية لويزيانا التي واجه قطاعا السياحة والصيد فيها شبح التوقف بسبب انتشار بقع النفط، وهو ما دفع شركة BP إلى دفع تعويضات لولاية لويزيانا قاربت 10 مليارات دولار من أجل إنقاذ القطاعين سالفي الذكر.

قياسًا على حادثة خليج المكسيك، يمكننا أن نرصد أبرز الأضرار التي ستلحق بالبحر الأحمر وبحر العرب ومضيق باب المندب في حال وقوع أي كارثة للسفينة اليمنية “صافر”:

1- الأضرار الاقتصادية:

تشمل الأضرار الاقتصادية المحتملة ما يلي: 

– توقف حركة السياحة الشاطئية بالدول المطلة على البحر الأحمر، نتيجة لتلوث الشواطئ بالنفط الخام.

– توقف حركة الصيد بمنطقة البحر الأحمر وبحر العرب نتيجة لانتشار بقع النفط، ومن المحتمل أن تمتد تلك البقع لتصل إلى قناة السويس شمالًا والمحيط الهندي جنوبًا.

– احتمال تبديل السفن لمساراتها من طريق قناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح، وذلك لكي تتجنب الوقوع في إحدى بقع النفط القابلة للاشتعال داخل البحر الأحمر أو بحر العرب.

2- الأضرار البيئية:

تشمل الأضرار البيئية ما يلي: 

– الإضرار بالنظام البيئي للحياة البحرية في البحر الأحمر، حيث سيؤدي انتشار بقع النفط إلى نفوق أكثر من 1400 نوع مختلف من الأسماك. 

– تدمير أكثر من 2000 كم من الشعاب المرجانية الساحلية التي يبلغ عمرها قرابة 5000 عام.

– تلوث كافة الشواطئ البالغ طولها قرابة 5000 كم بآثار النفط الخام المسرب، مما يستوجب تنفيذ عمليات تنظيف مكلفة ماليًّا وزمنيًّا. 

أزمة سياسية داخلية ومحاولات دولية منتظرة لمنع الكارثة

مأساة “صافر” هي نموذج مصغر لمأساة اليمن كله، فالسفينة مهددة بالانهيار لكنّ أحدًا لا يستطيع أن يحرك ساكنًا في شأنها بسبب تعنت جماعة الحوثي، ورفضها تدخل أي طرف دولي حتى يساهم في حل تلك الأزمة المهدِّدة للمجتمع الدولي اقتصاديًّا وبيئيًّا، وللحوثي هدفان رئيسيان من وراء ذلك؛ أولهما أن يتخذ السفينة المتداعية ورقة ضغط وابتزاز لتحقيق مطامعه السياسية، وثانيهما أن يصنع من “صافر” أداة للمقايضة في مقابل ثمن النفط القابع في خزاناتها الذي تصل قيمته اليوم لأكثر من 44 مليون دولار أمريكي.

لذلك سعى الحوثي للتحايل على بنود اتفاق استكهولم الذي تم توقيعه في 2018، حيث نص الاتفاق على تواجد ممثلي الأمم المتحدة في موانئ محافظة الحديدة ومنها “صافر”، لذلك قام بطرد بعثة الأمم المتحدة التي ذهبت لمعاينة السفينة في 2019، كما تواردت معلومات عن إبقاء الحوثي ميليشياته في موانئ الحديدة بما فيها “صافر” وذلك بما يخالف الاتفاق.

ومن المتوقع أن يسعى الحوثي خلال الأيام القادمة إلى تفتيت أي مجهود منتظر لحل أزمة السفينة “صافر” طالما كان قادرًا على ذلك، لذلك فإنه على المجتمع الدولي أن يتكاتف من أجل تنفيذ قرارات مجلس الأمن المنتظرة في جلسة 15 يوليو بشأن السفينة، ويجب على الدول الكبرى ممارسة الضغوط على جماعة الحوثي من أجل عدم الإضرار بالسفينة تحت أي ظرف.

المراجع:

– الموقع الرسمي للمؤسسة اليمنية العامة للنفط والغاز – URL: http://www.yogc.com.ye

– One scene Coordinator report، Deepwater horizon oil spill، National response team USA، Sep 2011.

– Curbing Houthi Attacks on Civilian Ships in the Bab al-Mandab، Washington institute، 2018

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة