وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد: دعم داخلي مؤقت مقابل توسيع العزلة الخارجية لنظام أردوغان

لا تزال آثار القرار التركي بتحويل متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد في تركيا تثير ردود أفعال متبانية على الصعيدين الداخلي والخارجي، بالنظر إلى أبعاد توظيف الحدث سياسيًّا وأيديولوجيًّا لخدمة أهداف وتوجهات مشروع الرئيس “رجب طيب أردوغان” وحزب العدالة والتنمية على تلك الأصعدة. دلالة ذلك الأجواء الاحتفائية التي أعقبت صدور قرار مجلس الدولة (في 10 يوليو الجاري) القاضي بتحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد، والتي كشفت أن القضية ليست مجرد حكم لصالح جمعيات ومنظمات إحياء التراث الإسلامي؛ بقدر ما تُعبّر عن التحولات التي تشهدها تركيا حاليًّا في ظل النظام الحاكم. تحوّلات رمزية يُعد “آيا صوفيا” معلمًا أثريًّا مهمًّا، تم تدشينه ككنيسة أرثوذكسية…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

لا تزال آثار القرار التركي بتحويل متحف “آيا صوفيا” إلى مسجد في تركيا تثير ردود أفعال متبانية على الصعيدين الداخلي والخارجي، بالنظر إلى أبعاد توظيف الحدث سياسيًّا وأيديولوجيًّا لخدمة أهداف وتوجهات مشروع الرئيس “رجب طيب أردوغان” وحزب العدالة والتنمية على تلك الأصعدة. دلالة ذلك الأجواء الاحتفائية التي أعقبت صدور قرار مجلس الدولة (في 10 يوليو الجاري) القاضي بتحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد، والتي كشفت أن القضية ليست مجرد حكم لصالح جمعيات ومنظمات إحياء التراث الإسلامي؛ بقدر ما تُعبّر عن التحولات التي تشهدها تركيا حاليًّا في ظل النظام الحاكم.

تحوّلات رمزية

يُعد “آيا صوفيا” معلمًا أثريًّا مهمًّا، تم تدشينه ككنيسة أرثوذكسية في القرن السادس بأمر من الإمبراطور “جستينيان الأول” في عام 537. وفي أعقاب استيلاء العثمانيين على القسطنطينية في عام 1453 تم تحويله إلى مسجد. وبعد سقوط الدولة العثمانية بعشرة أعوام، وتحديدًا في عام 1934، تم تحويله إلى متحف بقرار من مؤسس تركيا الحديثة “مصطفى كمال أتاتورك” بهدف تعزيز التوجهات العلمانية للدولة. وبناء على هذه الترتيبات تم إدراجه في عام 1985 على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو). وفي عام 2005، قامت جمعية “خدمة الأوقاف والآثار التاريخية والبيئة” برفع أول قضية أمام المحكمة الإدارية العليا للمطالبة بإلغاء القرار الصادر عام 1934 والذي حول “آيا صوفيا” إلى متحف؛ إلا أن هذه المطالبات قد رُفضت على اعتبار أن بقاء “آيا صوفيا” كمتحف لا ينتهك القانون.

لم تتوقف تلك الجمعيات عن الدفاع عن موقفها، حيث عادت مرة أخرى في عام 2016 لرفع القضية ذاتها أمام القضاء التركي، وحُكم للمرة الثانية في عام 2018 ببقاء المسجد كمتحف. لكن تلك الجمعيات لم تتراجع ورفعت قضية للمرة الثالثة، وتلقت دعمًا من “أردوغان” الذي دعا في يونيو 2019 إلى إقامة الصلوات الخمس في المتحف يوم 15 يوليو 2019 بالتزامن مع ذكرى محاولة الانقلاب الفاشل ضده. وفي تطور لافت، في مطلع شهر يوليو الجاري (2020)، عقدت المحكمة الإدارية العليا جلسة للنظر في هذه القضية، وانتهت بالإعلان عن أن النطق بالقرار النهائي سيصدر خلال 15 يومًا كحد أقصى. وقبل انتهاء المدة الزمنية المعلن عنها أعلن القضاء التركي إلغاء قرار عام 1934، ومن ثم تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد. وبمجرد صدور الحكم وقّع الرئيس التركي على مرسوم يقضي بتحويل إدارة المبنى إلى مديرية الشئون الدينية. كما أعلن أن المسجد سيُفتح للصلاة في 24 يوليو.

تباين ردود الأفعال

انقسمت اتجاهات ردود الأفعال حول قضية “آيا صوفيا” بين مؤيد ومعارض على نحو كان متوقعًا سلفًا، وربما يعبر أيضًا عن حالة الاستقطاب والجدل الدائر حول قضية “الهوية” التركية بشكل عام، وهو ما يمكن تناوله فيما يلي:

1- اتّجاه إعادة إحياء العثمانية

ينظر أنصار هذا الاتجاه إلى “آيا صوفيا” باعتباره أحد أبرز رموز الحقبة العثمانية، وهو تيار يعتبر الحكم بمثابة انتصار لهوية تلك الحقبة، بغض النظر عن هوية “آيا صوفيا” السابقة، واستنادًا إلى أنه ضمن أملاك السلطان العثماني “محمد الفاتح” الذي قام بشرائه من أمواله الخاصة من القساوسة. وبالتالي، فإن هذا التيار يعتبر إعادة إقامة الشعائر الإسلامية هو تلبية لوصية السلطان. من ناحية أخرى، اعتبر هؤلاء أن القرار هو تعبير عن السيادة المطلقة لتركيا باعتبار ذلك شأنًا داخليًّا. 

ويحظى هذا التيار بتأييد شريحة واسعة من الأتراك وفقًا لاستطلاع رأي أجرته إحدى المؤسسات البحثية التركية، كشف عن أن ما يقرب من 46.9% يؤيدون عودة “آيا صوفيا” كمسجد، مقابل 38.3% رفضوا ذلك. كما وجد القرار صدى داعمًا لدى أغلب الأحزاب السياسية في تركيا بما في ذلك الأحزاب المعارضة لـ”أردوغان”، وفي مقدمتهم “علي باباجان” رئيس حزب الديمقراطية والتقدم، وكذلك “أحمد داود أوغلو” رئيس حزب “المستقبل” الذي اعتبر أن فتح آيا صوفيا للعبادة، هو “تحول الشوق الذي دام عشرات الأعوام إلى حقيقة”.

2- الاتّجاه المعارض لتوظيف القضية 

يرى أنصار هذا الاتجاه أن الأمر لا يخرج عن كونه استمرارًا لسياسات “أردوغان” في خلط الأوراق والتوظيف السياسي. واستند أصحاب هذا الاتجاه أيضًا إلى استطلاع رأي أجرته مؤسسة “متروبول” للأبحاث كشف أن نحو 44% من الأتراك يعتقدون أن الخطوة الدعائية التي أعقبت القرار تهدف إلى تحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية، وهو ما يشير إليه تناقض مواقف “أردوغان” من القضية وتحولها، فقد صرّح في حديث سابق للتلفزيون التركي بأن تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، لكنه عاد وغير موقفه في مارس 2019 في أعقاب الانتخابات البلدية ليؤيد اتجاه تبني قضية تحويل “آيا صوفيا” إلى مسجد.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتبر أنصار هذا الاتجاه أن الحشد والتعبئة التي يُجريها “أردوغان” هذه المرة تهدف إلى تحقيق جملة من المكاسب السياسية، خاصة في ظل تراجع شعبيته على إثر تدهور الاقتصاد التركي وارتفاع أسهم المعارضة. ويرى هؤلاء أن “أردوغان” ربما يعمل على كسب أصوات القوميين وأصحاب النزعة الإسلامية والمحافظين لصفه من خلال هذه القضية، خاصة في ظل مساعيه للدعوة لعقد انتخابات رئاسية مبكرة تضمن له الاستحواذ على السلطة قبل نجاح أحزاب المعارضة والقوى الناشئة من التكتل ضده.

تداعيات محتملة

وسط هذا الجدل والتباين في وجهات النظر، يمكن الإشارة إلى جملة من التداعيات التي قد يفرزها هذا القرار، سواء في الداخل أو الخارج. 

1- حشد دعم مؤقت

من المحتمل أن يجني “أردوغان” مزيدًا من الدعم على إثر هذا القرار، خاصة من جانب المحافظين والقوميين داخل تركيا، وهو الرهان الذي يعمل “أردوغان” على كسبه مؤخرًا خاصة في ظل افتتاحه أكبر مسجد في تركيا (مايو 2019)، ناهيك عن قرب الانتهاء من أعمال التشييد في المسجد الواقع في “ميدان تقسيم” والذي وضعت نواته الأولى في عام 2017، حيث ظلت هذه المنطقة لأكثر من 50 عامًا دون وجود مسجد باعتباره ميدانًا للعلمانيين. ومن ثم، يمكن لهذه التحركات، من وجهة نظر “أردوغان” بجانب “آيا صوفيا”، أن تحقق له مزيدًا من الدعم. إلا أن الأمر قد لا يتم بهذه الصورة، خاصة أن مشروع صعود العدالة والتنمية منذ البداية تم من خلال المرتكزات والنجاحات الاقتصادية بشكل أساسي، ومن ثم يمكن أن يتسبب الوضع الاقتصادي المتدهور والمتراجع في تحويل هذا الدعم المؤقت لمزيد من الغضب الداخلي، وهو ما قد تعمل عليه المعارضة في الفترات المقبلة. 

2- عزلة وتضييق خارجي

قد يؤدي هذا التحرك إلى توتر العلاقات بين تركيا وعدد من الدول، وفي مقدمتها اليونان التي تنظر إلى “آيا صوفيا” باعتبارها جزءًا من تراثها ورمزًا لإمبراطوريتها. كما قد يزيد من الاحتقان والتوتر مع عدد من القوى والمؤسسات الدولية، وهو ما بدا واضحًا في ردود الفعل الخارجية المناهضة لهذا القرار، خاصة فرنسا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ناهيك عن انتقادات من قبل الاتحاد الأوروبي واليونسكو. ومن ثم، يمكن أن يتسبب هذا القرار في إحداث مزيد من الفجوة بين تركيا ومحطيها الإقليمي والخارجي. كما يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من الضغوطات والقيود التي يمكن أن تُفرض على أنقرة، خاصة في ظل التوقعات بقيام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على تركيا في الاجتماع المزمع عقده في 13 يوليو الجاري.

3- الانعكاسات المتوقّعة على القطاع السياحي

من المرجّح أن يكون لتحويل هذا الأثر المهم من متحف إلى مسجد تداعيات على القطاع السياحي التركي، حيث يعتبر “آيا صوفيا” ضمن أبرز المعالم السياحية في تركيا، فقد زاره كمتحف نحو 3.7 ملايين سائح خلال عام 2019. كما تشير التقديرات إلى أن عدد زواره بلغ نحو 31 مليون سائح خلال الاثني عشر عامًا الماضية. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة قد لا تؤثر على إجمالي أعداد السياح الوافدين إلى تركيا بشكل ملحوظ، إلا أنها ستؤدي إلى انخفاض عائدات قطاع السياحة بما يقدر بنحو 41 مليون دولار.

خلاصة القول، الجدل الدائر في تركيا حول قضية “آيا صوفيا” لن يكون المحطة الأخيرة في عهد النظام التركي المثير للجدل داخليًّا وخارجيًّا، وكأحد مؤشرات التحول التي تشهدها تركيا تحت مظلة العدالة والتنمية، والنهج الدعائي في الترويج للعثمانية الجديدة التي يروج لها “أردوغان” وحزبه، والتي سيجري توظيفها في الخطاب السياسي لاستقطاب تأييد شرائح من المؤيدين لتوجهات هذا التيار، والتي ستنعكس بالتبعية على تأييد هذه الشرائح لسياساته الاستعمارية الخارجية كما في سوريا والعراق وليبيا التي يوظف فيها هذا الخطاب لتبرير سلوكه وسياساته الخارجية.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة