وحدة الدراسات الاقتصادية

الديون تثقل كاهل الاقتصاد العالمي: لبنان نموذجًا

بلغ حجم الدين العام العالمي مستوى قياسيًّا في عام 2019؛ إذ ارتفع لأكثر من 10 تريليونات دولار، متجاوزًا 255 تريليون دولار، أو ما يعادل 322% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتمثل تلك المستويات زيادة عما سجله خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 بأكثر من 40%، وفقًا لمعهد التمويل الدولي، وتشير التوقعات إلى ارتفاع هذه النسبة خلال العام الجاري بضغطٍ من انتشار فيروس كورونا. وغالبًا ما تمثل المستويات المرتفعة من الديون عائقًا أمام الحكومات، لأنها ستصبح ملزمة بسداد خدمة هذه الديون في فترات معينة من خلال اقتطاع جزء من إيراداتها، مما قد يشكل عبئًا على الميزانيات الحكومية والاحتياطيات النقدية، ويقلل من…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

بلغ حجم الدين العام العالمي مستوى قياسيًّا في عام 2019؛ إذ ارتفع لأكثر من 10 تريليونات دولار، متجاوزًا 255 تريليون دولار، أو ما يعادل 322% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتمثل تلك المستويات زيادة عما سجله خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 بأكثر من 40%، وفقًا لمعهد التمويل الدولي، وتشير التوقعات إلى ارتفاع هذه النسبة خلال العام الجاري بضغطٍ من انتشار فيروس كورونا.

وغالبًا ما تمثل المستويات المرتفعة من الديون عائقًا أمام الحكومات، لأنها ستصبح ملزمة بسداد خدمة هذه الديون في فترات معينة من خلال اقتطاع جزء من إيراداتها، مما قد يشكل عبئًا على الميزانيات الحكومية والاحتياطيات النقدية، ويقلل من قدراتها على تغطية حاجاتها من الواردات.

سيتناول هذا المقال أزمة الديون العالمية، وكيف ساهم وباء كورونا في تفاقم تلك الأزمة، مع التركيز على لبنان كنموذج لدولة تعاني من تراكم الديون.

أولًا- كورونا يدفع الدول إلى مزيدٍ من الاستدانة 

كان العالم يعاني من جبال الديون المتراكمة حتى قبل انتشار فيروس (كوفيد-19)، حيث اتجهت غالبية الدول إلى الاستدانة المحلية أو الدولية لتمويل عجز موازناتها، أو لتغطية احتياجاتها الأساسية. وجاءت الجائحة لتزيد من احتياجات الدول إلى التمويل العاجل، وذلك لما سببته من إغلاق عام لكثير من الاقتصادات، مع توقف حركة الطيران والسفر بشكل تام، والإضرار بالتجارة العالمية، وتوقف سلاسل الإمدادات. ولذلك قامت العديد من الحكومات بزيادة الدعم المقدم للقطاعات والشركات المتضررة لتخفيف التداعيات الاقتصادية للجائحة، مما أدى إلى تفاقم عبء خدمة الديون.

وتوقع معهد التمويل الدولي ارتفاع نسبة الديون إلى 342% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إذا ما تضاعف صافي اقتراض الحكومات، وانكمش النشاط الاقتصادي العالمي خلال عام 2020، فيما أشارت تقديرات صندوق النقد الدولي إلى زيادة إجمالي الدين كنسبة من إجمالي الناتج في الولايات المتحدة إلى 141.4%، وفي منطقة اليورو إلى 105.1%، وفي اليابان والصين إلى 268% و64.1% على الترتيب.

ثانيًا- الاقتصاد اللبناني يرزح تحت وطأة الديون 

تُعد الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي يمر بها لبنان حاليًّا هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الأولى، هكذا قال وزير الصناعة اللبناني في أحد تصريحاته منذ عدة أيام تعقيبًا على الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تشهدها البلاد في الآونة الأخيرة بضغطٍ من تصاعد الدين العام، وتراجع الاحتياطي من العملة الأجنبية، وانهيار قيمة العملة المحلية، وانكماش الاقتصاد الوطني، بالإضافة إلى ارتفاع العجز في الميزانية. وجاءت أزمة (كوفيد-19) لتزيد من حدة هذه المشكلات في ظل إجراءات الإغلاق واضطراب العمليات الإنتاجية، مما أسفر عن تسريح العمالة أو خفض الأجور بسبب انهيار الشركات وتراجع أرباحها، ولهذا توقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنحو 12% خلال 2020. 

1- جذور الأزمة 

عندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في التسعينيات كان الدين العام اللبناني لا يتجاوز ملياري دولار، فيما وصل بحلول نهاية العام الماضي إلى 92 مليار دولار، بنسبة 170% تقريبًا من الناتج المحلي الإجمالي، وبهذا يعتبر لبنان ثالث أكثر البلدان مديونية في العالم. ويرجع ذلك لعدة أسباب، لعل أهمها يكمن في اعتماد الحكومة على الديون من أجل تمويل عملية إعادة الإعمار، وكذلك رؤوس الأموال الخارجية، مثل تحويلات العاملين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر. وقد بقي الأمر على هذه الحال حتى عام 2011 مع اندلاع ثورات الربيع العربي والأزمة السورية التي أسفرت عن توقف كلٍ من الصادرات والسياحة الخليجية إلى لبنان، فضلًا عن تراجع تدفق رؤوس الأموال للاستثمار للبلاد وتحويلات المواطنين اللبنانيين العاملين في الخليج. ولذلك تباطأ النشاط الاقتصادي بالتزامن مع ارتفاع كلٍ من مستويات الدين العام والعجز في الموازنة وميزان المدفوعات، وهو ما انعكس سلبًا على حياة المواطن اللبناني.

وبالإضافة لهذا اتجه اللبنانيون لسحب جزء كبير من ودائعهم من المصارف، سواء كانت بالعملة المحلية أو الأجنبية، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن البنوك التجارية في لبنان فقدت نحو 10 مليارات دولار من الودائع التي كانت لديها، في الفترة من سبتمبر وحتى نهاية ديسمبر 2019 بضغط من تراجع الثقة في النظام المصرفي، حيث اعتقد قطاع كبير من الشعب أن الحكومة قد تقتطع من الودائع لسداد ديونها.

2- احتجاجات شعبية واسعة النطاق 

من أجل مواجهة هذه العوائق الاقتصادية، تعهدت الحكومة اللبنانية بتنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تعزيز النمو الاقتصادي، كما حاولت تقليص إنفاقها عن طريق خفض أجور العاملين في الدولة، وحث القطاع المصرفي على المساهمة في تمويل عجز الموازنة وخفض معاشات التقاعد، واقترحت زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة تصل إلى 15% بحلول عام 2022. في حين فرض مجلس الوزراء حزمة ضرائب جديدة، من ضمنها زيادة الرسوم على المشتقات النفطية والسجائر، وأقرَّ رسومًا على الاتصال عبر الإنترنت، بما في ذلك موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” وتطبيق “واتساب”.

ولاقت هذه المقترحات رفضًا جماهيريًّا شديدًا، وخرج الآلاف من المواطنين في احتجاجات منذ السابع عشر من أكتوبر 2019 متهمين المسئولين بالفساد وسوء إدارة الاقتصاد، وبعد ذلك بيوم واحد تراجعت الحكومة عن بعض المقترحات لكن الاحتجاجات استمرت رغم ذلك مطالبة بتطبيق إجراءات إصلاحية اقتصادية تخفف من حدة المشكلات التي يعاني منها الشعب اللبناني. ولهذا قدم رئيس الوزراء اللبناني “سعد الحريري” استقالته، في التاسع والعشرين من أكتوبر، أي بعد حوالي أسبوعين من بدء المظاهرات.

ومن الجدير بالذكر أن الاحتجاجات اللبنانية اشتعلت مرة أخرى في بعض المدن عقب انخفاض الليرة اللبنانية وارتفاع أسعار السلع الأساسية في ظل انتشار فيروس كورونا، مما أدى إلى انهيار القوة الشرائية، ولهذا ندد الشعب اللبناني بالسياسات المالية والاقتصادية التي اتخذتها الحكومة وتسببت في إفقار اللبنانيين.

3- الحكومة اللبنانية تتخلف عن سداد الديون الخارجية 

دخل لبنان مرحلة جديدة من الأزمة الاقتصادية التي تعصف به منذ أشهر مع قرار الحكومة اللبنانية التوقف عن سداد السندات الأجنبية المستحقة السداد في التاسع من مارس والتي بلغت قيمتها 1.2 مليار دولار، وهو إجراء أفقد لبنان ثقة المستثمرين الأجانب، وجعلها عاجزة عن الحصول على المزيد من القروض أو طرح سندات جديدة في الأسواق الدولية. كل هذا في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، وبالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية التي تطالب بمعالجة الأوضاع الاجتماعية. ويُمكن إرجاع دوافع اتخاذ هذا القرار إلى المؤشرات الآتية:

أ- ارتفاع الدين العام 

تعاني لبنان من ارتفاع الدين العام بشكل مطرد منذ 2011 وحتى وقتنا هذا، كما يتوقع صندوق النقد استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة في حالة عدم القيام بإجراءات هيكلية تحول دون استنزاف الإيرادات الحكومية في تسديد خدمة الدين. ويوضح الشكلان التاليان معدلات الدين العام خلال السنوات الماضية.

الشكل (1): صافي الدين العام سنويًّا (% من الناتج المحلي الإجمالي)

Source: Ministry of Finance, Public Debt Directorate, General Debt Overview.

يتبين من الرسم السابق أن الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تجاوز مستوى 100% منذ عام 2005 وحتى 2018. وعلى الرغم من اتجاه النسبة إلى الانخفاض بداية من عام 2006 وحتى 2012، إلا أنها عاودت الارتفاع مرة أخرى بعد ذلك.

الشكل (2): صافي الدين شهريًّا (مليار ليرة لبنانية)

المصدر: مصرف لبنان، مديرية اﻹﺣﺼﺎءات واﻷﲝﺎث الاﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، النشرة الشهرية. 

ب- انهيار قيمة العملة المحلية 

فقدت الليرة اللبنانية نحو أكثر من 80% من قيمتها مؤخرًا، حيث هبطت مقابل الدولار بحلول الثامن من يوليو في “السوق السوداء” إلى نحو 9300 ليرة بدلًا من السعر الرسمي المحدد من قبل البنك المركزي عند 1507 ليرة. وتعود أسباب هذا الانهيار لاتجاه أغلب المواطنين إلى “الدولرة” مما أدى إلى خفض قيمة العملة المحلية، فضلًا عن تسرب الدولار من البنوك المحلية إلى السوق الموازية للاستفادة من فروق الأسعار، مما أدى إلى قرار مصرف لبنان بفرض قيود صارمة على السحب والتحويلات بالعملة الأجنبية.

ج- تراجع الاحتياطي النقدي 

عانت لبنان من تراجع الاحتياطي النقدي على مدار السنوات الماضية لتصل هذه الاحتياطيات إلى 33.527 مليار دولار خلال مايو الماضي في ضوء انتشار وباء كورونا وتداعياته على النشاط الاقتصادي، وهو ما يزيد من الضغوطات المفروضة على الاقتصاد اللبناني، لا سيما مع اعتماده بشكل كبير على الخارج في تسيير الحياة الاقتصادية، ويظهر ذلك بوضوح عبر بيانات عجز الميزان التجاري. ويبين الشكل التالي انخفاض الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية دون الذهب لدى البنك المركزي:

الشكل (3): الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية -دون الذهب- (مليار دولار)

 المصدر: مصرف لبنان، مديرية اﻹﺣﺼﺎءات واﻷﲝﺎث اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، النشرة الشهرية.

يتضح من التحليل السابق أن لبنان كان يعاني من أزمات مالية حادة قبل انتشار كورونا، ولهذا تسعى الحكومة اللبنانية إلى وضع خطة تهدف إلى حل المشكلات الاقتصادية والمالية والبنيوية، وإلى استعادة الثقة بالاقتصاد، فضلًا عن خفض الدين العام ووضع المالية العامة على مسار مستدام، وإعادة النشاط والثقة في القطاع المالي.

ويحاول لبنان الآن التوصل إلى اتفاق مع الدائنين الذين عجز عن دفع مستحقاتهم بالتوازي مع تأمين قرض من صندوق النقد الدولي، إلا أن هذا الحل يعوقه عدة عوائق، منها عدم اتفاق القوى السياسية على بدء الإصلاحات الاقتصادية، أو تحديد حجم الخسائر الاقتصادية بدقة، ورفض “حزب الله” أي تعاون مع الصندوق معلنًا عن بدائل لهذا كاستعادة الأموال المهربة للخارج، وإعادة هيكلة الدين العام، والبحث عن مصادر سيولة بديلة.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة