مقال تحليلي

الصومال ومخاطر الفرص الضائعة

بات الصومال يشكل في الأدبيات الأكاديمية والخطاب الإعلامي السائد نموذجًا للدولة الفاشلة حتى صارت “الصوملة” دالة على الانقسام والتفتت وبديلًا عن “البلقنة” في السياق الإفريقي. وتكاد تجمع سرديات الرواية الواحدة التي حذرت منها الأديبة النيجيرية “تشماماندا أديتشي” على أن مسيرة الصومال في مرحلة ما بعد الاستقلال تحكي لنا قصة التدمير الذاتي للمجتمع. ولعل النظر إلى قصة مدينتي هرجيسا ومقديشيو بعد الإطاحة بسياد بري عام 1991 وبدء عملية بناء الدولة، تبين لنا بجلاء زيف الرواية الواحدة، حيث نجحت جهود المصالحة وبناء السلام المستندة إلى الداخل في حالة صوماليلاند، بينما أدى التدخل الإقليمي وتنافس الأجندات الخارجية إلى إفشال جهود المصالحة في مقديشيو.…

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة

بات الصومال يشكل في الأدبيات الأكاديمية والخطاب الإعلامي السائد نموذجًا للدولة الفاشلة حتى صارت “الصوملة” دالة على الانقسام والتفتت وبديلًا عن “البلقنة” في السياق الإفريقي. وتكاد تجمع سرديات الرواية الواحدة التي حذرت منها الأديبة النيجيرية “تشماماندا أديتشي” على أن مسيرة الصومال في مرحلة ما بعد الاستقلال تحكي لنا قصة التدمير الذاتي للمجتمع. ولعل النظر إلى قصة مدينتي هرجيسا ومقديشيو بعد الإطاحة بسياد بري عام 1991 وبدء عملية بناء الدولة، تبين لنا بجلاء زيف الرواية الواحدة، حيث نجحت جهود المصالحة وبناء السلام المستندة إلى الداخل في حالة صوماليلاند، بينما أدى التدخل الإقليمي وتنافس الأجندات الخارجية إلى إفشال جهود المصالحة في مقديشيو. وتعكس أزمة الصومال في تشابكاتها وتعقيداتها المربكة ارتباط ديناميات الداخل بحركة التفاعلات الجيوستراتيجية في الإقليم الأكبر للقرن الإفريقي.

وتكاد تلوح في الأفق فرصة لتغيير المشهد الصومالي برمته عندما وقع في 20 فبراير 2020 الرئيس محمد فرماجو على قانون الانتخابات التاريخي الذي يسمح للمواطنين بالتصويت وفقًا لمبدأ الاقتراع العام المباشر في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لأول مرة منذ 51 عامًا. لقد تم إجراء آخر تصويت شعبي في عام 1969، أي قبل فترة وجيزة من الانقلاب الذي أتى بسياد بري إلى السلطة. ومن المعروف أن الانتخابات التي شهدها الصومال منذ عام 2009 كانت تعتمد على نظام المحاصصة العشائرية. بيد أن الرئيس فرماجو لا يريد اقتناص هذه الفرصة، حيث يرغب في أن يحذو حذو حليفه آبي أحمد من حيث تأجيل الانتخابات. فقد أعلنت السيدة حليمة إسماعيل -رئيسة اللجنة الانتخابية- أن الانتخابات البرلمانية والرئاسية قد تم تأجيلها لأكثر من عام بسبب “تحديات فنية وأمنية كبيرة”. وعلى الرغم من ترحيب العديد من أعضاء المجتمع الدولي بإعلان اللجنة الانتخابية، بما في ذلك الأمم المتحدة وبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أن تحالف المعارضة رفض بشدة هذه الخطوة. وطبقًا لمنتدى تحالف الأحزاب الوطنية المعارضة فإن الرئيس محمد عبدالله محمد فرماجو يسعى إلى البقاء في السلطة من خلال الحصول على تمديد غير دستوري بتأجيل الانتخابات، حيث إن مدة ولايته تنتهي في 8 فبراير 2021.

مانفستو الصومال وعناد فرماجو

في بداية يوليو 2020 أصدر السياسيون والأكاديميون وأعضاء المجتمع المدني في الصومال بيانًا موجهًا إلى الرئيس محمد عبدالله فرماجو، وممثل الأمم المتحدة في الصومال جيمس سوان والمجتمع الدولي، محذرين من أن عملية بناء الدولة في الصومال معرضة للانفجار. البيان الذي وقعه 70 مواطنًا صوماليًّا هو الثاني من نوعه في تاريخ الصومال الحديث، ويذكرنا بالبيان الأول الذي صدر في مايو 1990، قبل وقت قصير من انهيار الحكومة المركزية الصومالية ودخول البلاد في حالة من الفوضى ما زلنا نعاني آثارها حتى اليوم. ويتهم البيان حكومة الرئيس محمد عبدالله فرماجو بالفشل في بناء جيش وطني متكامل، وجهاز أمني فعال، ومؤسسات تشريعية وقضائية مستقلة، ومعالجة الفساد واستكمال عملية المراجعة الدستورية من بين أمور أخرى. كما ينص البيان على أن “البلاد تديرها مجموعة صغيرة من الناس الذين لا يقبلون مبدأ التعددية كعنصر طبيعي في السياسة، وبالتالي يرفضون التسويات السياسية الشاملة، ويتصرفون دومًا دون أدنى مسئولية تجاه مواطنيهم في الولايات الاتحادية”. ويدعو البيان الحكومة الفيدرالية والولايات وأحزاب المعارضة وجماعات المجتمع المدني إلى الاجتماع وبناء توافق وطني في الآراء بشأن الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، والعمل وفقًا للدستور المؤقت للبلاد.

جدلية الهوية والعشيرة والاستبداد

ما الذي حدث خطأ في الصومال؟ كانت إشكالية القرن الإفريقي عبر العصور الطويلة هي المواجهة بين الطبيعة التوسعية لأمة الحبشة التي تضم شعوبًا وقبائل منقسمة، وبين أحلام أبناء الصومال الكبير الذين يمتلكون كل مقومات المجتمع المتجانس. ومن المعروف أن تاريخ الصومال بهويته الحضارية يرجع إلى قديم الزمن. فقد عرف باسم “بلاد بونت” في التاريخ الفرعوني، وبلغ ذروة علاقاته التجارية الوثيقة مع المصريين القدماء في فترة حكم الملكة حتشبسوت (حوالي 1500 قبل الميلاد). كما عرفه الفينيقيون باسم “أرض البخور”. وعندما فر المهاجرون من بطش قريش حطوا رحالهم في زيلع، وهو ما يعني أن الإسلام وصل إلى بلاد الصومال قبل أن يصل إلى المدينة. ومنذ ذلك الوقت أصبح الإسلام واللغة العربية من المكونات الأصيلة للهوية الصومالية. لم يكن مستغربًا أن يقود الجهاد ضد الاستعمار بدوائره البريطانية والفرنسية والإيطالية الشيخ محمد عبدالله حسن من منطلق الدعوة الصوفية الجامعة. وقد ظلت الصومال في ظل تصاعد هجمة الغزاة الأجانب عليها متمسكة بهويتها الموحدة، حيث ترتكز -على عكس مجتمعات الجوار الجغرافي- على مجتمع متجانس من حيث الانتماء العرقي واللغوي والديني وحتى طبيعة المنشط الاقتصادي. وكانت مصر الناصرية نعم المعين والملاذ لأبناء الصومال، حتى إنها فقدت أحد أبنائها وهو الشهيد كمال الدين صلاح الذي ظل يدافع عن استقلال وعروبة الصومال حتى آخر رمق من حياته. وقد كان ذلك الحدث دافعًا وملهمًا لرابطة الشباب الصومالية وحركات المقاومة في مختلف الأقاليم للسير على نهج ثورة يوليو المصرية، والمطالبة بالاستقلال وتحقيق حلم الصومال الكبير الموحد.

تجسدت كل معاني الوحدة عندما حصل الإقليم الشمالي “صوماليلاند” الذي كان خاضعًا للاستعمار البريطاني على استقلاله في 26 يونيو 1960، وقراره الاندماج الطوعي مع الإقليم الجنوبي الذي كان خاضعًا للاستعمار الإيطالي وإعلان جمهورية الصومال في أول يوليو 1960. ورغم عدم عدالة توزيع مراكز السلطة والنفوذ في الجمهورية الوليدة، حيث تم تفضيل الجنوب على حساب أبناء الشمال، فقد ظلت روح الوحدة هي السائدة حتى إن أبناء صوماليلاند تصدوا لمحاولة الانقلاب الانفصالية في ديسمبر عام 1961 والتي كانت تهدف إلى استعادة استقلال الإقليم الشمالي. غير أن استيلاء الجنرال محمد سياد بري على مقاليد الحكم في مقديشيو غصبًا في انقلاب عسكري عام 1969 قد غير موازين المعادلة وقلب الأمور رأسًا على عقب. فقد تبنى الماركسية مذهبًا ولم يلتفت لجذور الثقافة العربية والإسلامية التي تشكل عنوان الهوية الصومالية، كما أنه مارس سياسة البطش والاضطهاد، ولا سيما ضد أبناء قبائل إسحاق في الشمال. وكانت النتيجة هي عودة الشباب لحمل السلاح طلبًا للخلاص من حكم الاستبداد. وفي غمار سنوات الحرب الأهلية ظهرت بذور الانقسام والشقاق بين عشائر الصومال التي كان يتغنى أبناؤها بأمجاد الماضي ويحلمون برفع العلم الموحد ذي النجوم الخمسة التي تشير إلى الأقاليم المقتطعة من الصومال الكبير.

مانفستو مقديشيو 1990 

لقد أفضت سنوات حكم سياد برى على مدى عقدين من الزمان إلى تأسيس نظام يعتمد على الفساد والمحسوبية العشائرية، والهيمنة الديكتاتورية، بشكل يتطابق مع مفهوم “الدولة الفاشلة”. وبحلول نهاية عام 1989، كان النظام العسكري معزولًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا، حيث واجه 12 عامًا من المعارضة المسلحة المحلية من قبل الميليشيات العشائرية، بما في ذلك محاولة انقلاب عسكري فاشل في أبريل 1978 بعد حرب أوغادين الكارثية. وغطت المقاومة المسلحة ضد النظام معظم أنحاء البلاد، وبشكل أكثر حدة في هرجيسا -عاصمة الشمال (صوماليلاند)- وفي مناطق مودوغ وجالجادود وشابيلي السفلى، وهو ما خلف خسائر هائلة في الأرواح والأموال، وأدى إلى عسكرة الجماهير، وتدمير الاقتصاد. ومع فقدان النظام للسيطرة على المدينة تلو الأخرى من قبل الميليشيات العشائرية المسلحة، وبشكل رئيسي تلك التابعة للحركة الوطنية الصومالية، والجبهة الديمقراطية الصومالية، والكونغرس الصومالي الموحد، والحركة الوطنية الصومالية، بات سياد بري وكأنه “عمدة مقديشيو”، لأنها كانت المنطقة الوحيدة التي تسيطر عليها القوات الموالية له.

في مايو 1990، لاحت في الأفق مبادرة للخلاص، حيث أصدرت مجموعة من الساسة والمدافعين عن الحرية بقيادة الرئيس الصومالي المتقاعد عدن عبدالله عثمان، بيانًا من خمس صفحات مكتوبًا باللغة الصومالية، طالبوا فيه الرئيس محمد سياد بري بالتخلي عن السلطة لتجنب انهيار الدولة الوشيك. لقد كانت محاولة شجاعة -ولو متأخرة- لإنقاذ البلاد والعباد من خلال نقل سلمي للسلطة. وقدم البيان مجموعة من الإجراءات البسيطة التي -إذا تم الأخذ بها- لكانت الصومال في مسار مختلف وتجنبت حتمية “الحرب الأهلية” الشاملة التي حلت بأهلها في نهاية المطاف. غير أن سياد بري بعناده تجاهل الاقتراح وظل ممسكًا بتلابيب السلطة عن طريق القمع والترهيب. وبعد فترة وجيزة من إصدار بيان مقديشيو، تم اعتقال ثلثي الموقّعين عليه وتقديمهم للمحاكمة. والأمر اللافت في الدراسات الصومالية الحديثة أنها لم تلتفت إلى هذه المحاولة الأولى من قبل النخبة الصومالية لإنقاذ مجتمعها من الانهيار منذ انهيار الحكومة المركزية في عام 1991. اليوم وبعد مع مرور نحو عقدين من الإطاحة بالنظام العسكري، باءت كل مبادرات إعادة بناء الجمهورية الصومالية بالفشل، وأصبحنا أمام دراما متعددة الحلقات.

أبعاد وديناميات أزمة الصومال المركبة

هناك مجموعة من الأبعاد والديناميات المهمة في الأزمة الصومالية، نوردها فيما يلي:

1- فشل تحقيق السلام 

لم تستطع الصومال إقامة نظام مستقر سياسيًّا منذ سقوط نظام سياد بري في عام 1991. كما لم يحقق تدخل الولايات المتحدة في التسعينيات برعاية الأمم المتحدة، وكذلك ما يقرب من عشرين مؤتمرًا للمصالحة الوطنية برعاية أطراف خارجية، إحلال السلام في الصومال. ومع ذلك، شهدت الصومال صراعًا على السلطة والنفوذ بين الحكومة الفيدرالية الانتقالية المعترف بها دوليًّا منذ عام 2004 والميليشيات المحلية من جهة، واتحاد المحاكم الإسلامية من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، تمكنت المحاكم الإسلامية من الاستيلاء على السلطة في عام 2006 لفترة وجيزة، حيث تدخلت إثيوبيا بدعم أمريكي وأطاحت بها بسبب صلاتها المزعومة بالمنظمات الإرهابية. وفي وقت لاحق، ساهمت إثيوبيا وأوغندا وبوروندي وكينيا وجيبوتي في قوة الاتحاد الإفريقي في الصومال (أميصوم). وكان على الحكومة الفيدرالية المدعومة من إثيوبيا والاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة أن تعمل من أجل إرساء شرعيتها في العاصمة مقديشيو وكذلك المناطق الإقليمية. غير أن مجريات الواقع، أثبتت أن الغزو الإثيوبي مثل حافزًا لظهور حركة الشباب التي التزمت بتطبيق قوانين الشريعة، ورأت الحكومة مجرد أداة في يد القوى الغربية، وهو ما يتطلب إعلان الجهاد عليها من أجل بناء الدولة الإسلامية.

2- الانقسام العشائري 

في ظل مرحلة ما بعد سياد برى أضحت العشيرة والولاء لها أكبر من الدولة. ولا تزال العشائر الصومالية تحافظ على أشكالها التقليدية من التنظيم الاجتماعي. وقد مكن ذلك كل عشيرة من الحصول على أراضيها وحدودها؛ وبالتالي، خلال فصول المجاعة والجفاف يذهب الرعاة بعيدًا عن حدودهم المعروفة بحثًا عن الماء والكلأ، وهو ما يفضي إلى نزاعات عشائرية. على أن هذه الصراعات بدأت تأخذ طابعًا عنيفًا عندما حمل الجميع السلاح للمشاركة في الحرب الأهلية. كان معظم الأشخاص الذين بدءوا التمرد المسلح من سائقي سيارات الأجرة ورجال الأعمال وغيرهم من المدنيين الذين كانوا بشكل رئيسي من عشيرة “الهوية”، بهدف الانتقام من الحكومة التي كان يسيطر عليها عشيرة الماريهان. وفي ظل حالة انعدام الأمن لجأت العشائر إلى تشكيل ميليشيات خاصة بها لحماية مصالحها حتى إن الجميع، بما فيهم الحكومة الفيدرالية والأطراف الخارجية، لجأت إلى هذا التكتيك لتعويض غياب السلطة المركزية خارج حدود العاصمة مقديشيو. ولعل أبرز الأقاليم التي تعبر عن نزعة عشائرية قوية وطموح نحو مزيد من الحكم الذاتي هي ولاية بونتلاند التي تحاول أن تخط مسارًا مستقلًّا لها في علاقاتها حتى الخارجية وهي تعاني من وجود خلافات حدودية بينها وبين جارتها صوماليلاند التي أعلنت الانفصال بشكل أحادي في عام 1991. وعلى الرغم من مؤتمر المصالحة الذي رعته جيبوتي وبمباركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بين كل من الصومال وصوماليلاند، إلا أن الأخيرة عازمة على المطالبة بالاعتراف الدولي. 

3- الأبعاد الإقليمية 

تتمثل مشكلة الصومال في تشابك الأبعاد الداخلية مع طموحات دول الجوار، وهو ما يؤثر على معادلة السلطة في مقديشيو. تاريخيًّا، تحتل كل من إثيوبيا وكينيا أراضي صومالية، وقد تعاونيا من خلال إرسال قوات عسكرية لمحاربة حركة الشباب الإرهابية. بيد أن مجيء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 قد أربك الحسابات الإقليمية، حيث حاول الوقوف إلى صف الرئيس فرماجو لتقوية مركز السلطة الاتحادية على حساب الأقاليم، تمامًا مثلما يفعله في إثيوبيا عندما أعلن عن تأسيس حزب الازدهار وحاول تقويض سلطة الأقاليم الاتحادية، بيد أن ذلك المنحى يقف ضد مصلحة كينيا التي ترى أن إقليم جوبالاند شبه المستقل هو الحليف الوحيد الذي تتمتع به في الصومال. وتأمل كينيا في أن يكون جوبالاند، الذي يشمل كامل الحدود الجنوبية للصومال مع كينيا بالإضافة إلى ما يقرب من 300 ميل من الساحل الجنوبي، بمثابة منطقة عازلة بين نيروبي ومقديشيو. ومن المعروف أن ميليشيات جوبالاند، بما في ذلك تلك التي يقودها رئيس الإقليم، أحمد محمد إسلام، المعروف في المنطقة باسم مادوبي، قد قاتلت إلى جانب القوات الكينية ضد حركة الشباب. في أغسطس الماضي، أعيد انتخاب مادوبي في تصويت رفضته كل من مقديشيو وإثيوبيا، ولكن دعمته بالطبع كينيا. ويتهم أنصار مادوبي الحكومة الفيدرالية الصومالية بمحاولة تنسيق الإطاحة به واستبداله بأحد الموالين لمقديشيو. ولعل ذلك كله أسهم في زيادة حدة التوتر بين كينيا والصومال الذي يعاني أصلًا من وجود خلاف على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين والتي رفع أمرها إلى محكمة العدل الدولية. بالنسبة إلى الرئيس فرماجو في مقديشيو، يشكل دعم كينيا المتزايد لجوبالاند تهديدًا لطموحاته في الصومال كدولة مركزية قوية، وربما لطموحاته السياسية في الاستمرار في السلطة من خلال إعادة انتخابه. هناك تقارير تفيد ‏بأن المسئولين الكينيين ناقشوا إمكانية ضم جوبالاند، والتي قد تكون خطوة غير محمودة العواقب. لكن من الناحية الواقعية قد لا تحتاج كينيا إلى نشر قوات ‏عسكرية للمطالبة بالإقليم وإنما ضمان مزيد من ‏الحكم الذاتي لجوبالاند الموالية لنيروبي سوف يخدم الغرض الجيوستراتيجي الرئيسي لكينيا. 

4- مخاطر الإرهاب 

لا تزال حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة تشكل تهديدًا كبيرًا للسلام والاستقرار. وعلى الرغم من أنها خسرت كثيرًا من المدن التي كانت تسيطر عليها إلا أنها لا تزال مؤثرة. منذ عام 2019 هاجمت الشباب بشكل متكرر قوات بعثة الاتحاد الإفريقي (أميصوم)، كما تمكنت من اغتيال حكام ثلاث مناطق في مودوغ ونوغال (في ولاية بونتلاند)، ورئيس بلدية مقديشيو. وقد استخدمت الحركة لأول مرة انتحارية كفيفة لتفجير نفسها في مكتب عبدالرحمن عمر عثمان رئيس بلدية العاصمة. ويزداد تأثير الإرهاب سوءًا بسبب النزاع الصومالي الممتد بين العشائر المنقسمة والمتنافسة سياسيًّا، والذي ينطوي على ديناميات داخلية وإقليمية ودولية ترتبط بلعبة الأمم في منطقة القرن الإفريقي بشكل عام وفي الفضاء الجيوسياسي الصومالي بشكل خاص. ولعل إنشاء الميليشيات المحلية أو ما يطلق عليهم في الخبرة الإفريقية “الحراس المحليون” أو جماعات “الصحوات المسلحة” كان نتيجة لانعدام الأمن بشكل متزايد في مناطق العشائر الصومالية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار طريقة تجنيد الشباب وعملهم، فإن ذلك كله يتطلب إعادة دراسة العلاقة بين الانقسامات العشائرية والإرهاب. ويعد ذلك بلا شك أحد مكونات الجدل الدائر بين أصحاب الأفرقة (التركيز على العوامل الداخلية) وأصحاب العولمة (التركيز على الطابع الأممي للحركات الجهادية العنيفة) في فهم العقل الإرهابي في منطقة القرن الإفريقي.

5- تغليب الحلول العسكرية 

إن استمرار حالة عدم الاستقرار وغياب الأمن يقوض ما حققته البعثة الأممية في الصومال منذ عام 2007، كما يُظهر أن الحلول العسكرية وحدها لا يمكنها حل المعضلة الصومالية التي تعاني من وجود مركب أمني بالغ التعقيد والتشابك. وعلى الرغم من تواجد القوات الكينية في الصومال منذ عام 2011، ومحاولتها إقامة منطقة عازلة جغرافيًّا ونخبة محلية موالية سياسيًّا، فإن ذلك لم يمنع من تعرضها للعديد من الهجمات الانتقامية من حركة الشباب في داخل كينيا نفسها. وطبقًا لصحيفة “ديلي نيشن” الكينية بلغت هجمات الشباب خلال شهري يناير وفبراير 2020 فقط نحو 16 هجومًا على مناطق في شمال كينيا أودت بحياة نحو عشرين شخصًا. وقد شمل ذلك الهجوم على قاعدة عسكرية أمريكية في لامو. ولا تزال الحكومات الصومالية المتعاقبة والاتحاد الإفريقي والشركاء الرئيسيين يعارضون في الغالب فكرة الحوار السياسي مع حركة الشباب. لكن العديد من منظمات المجتمع المدني ذهبت إلى تبني نهح الحوار مع الإرهابيين كحل غير عسكري للصراع. في نهاية المطاف، إذا كانت كينيا تخطط لسحب قواتها بحلول عام 2021 وكذلك الاتحاد الإفريقي، فإن هناك حاجة ماسة لصياغة استراتيجية جديدة لتحقيق الأمن والاستقرار في الصومال تكون الحلول السياسية هي ركيزتها الأساسية. ومن المهم أن تستجيب هذه الاستراتيجية لمحركات الصراع المعقدة والمترابطة، سواء على الصعيد الوطني أو في الإقليم ككل.

وعلى الرغم من مخاطر الإرهاب وآفة العشيرة وسطوة المال في المجتمع الصومالي، فإن تبعات التدخل الدولي تُعد أكثر خطورة وتعرقل التحول الديمقراطي المتأخر في الصومال. لقد أضحت الصومال ساحة للحروب بالوكالة في ظل حالة جديدة يشهدها العالم من الحرب الباردة، تتصارع فيها كينيا وإثيوبيا وهما يقتطعان -أصلًا- جزءًا من أراضي الصومال. ولا يقف الأمر عند دول الجوار، بل يمتد ليشمل القوى الدولية الكبرى الوسطى على السواء. فالولايات المتحدة لم تغادر الصومال منذ بداية التسعينيات حيث لا تزال قوات أفريكوم تقوم بدورها في الحفاظ على النفوذ بحجة إعلان الحرب على الإرهاب. كما جاء الرئيس التركي رجب طيب أردغان ليبني قاعدة عسكرية وأكبر مجمع لسفارته في العاصمة بحجة مساعدة الصومال إنسانيًّا. ومن جهة أخرى، استغلت قطر أزمتها الخليجية لاختطاف القرار الصومالي. ولعل تعيين أحد موظفي قناة الجزيرة السابقين على رأس جهاز المخابرات الصومالي لهو دليل على ما نقول. لقد أصبح الصومال جزءًا من لعبة الأمم التي تسعى لكسب القوة والنفوذ في هذا المحيط الجيوستراتيجي بالغ الأهمية، ولو تُركت مقديشيو لشأنها لسلكت نفس مسار هرجيسيا في إعادة بناء المؤسسات وتداول الحكم بدعم من المبادرات المحلية وبعيدًا عن أهواء وأجندات القوى الخارجية.

خاتمة

تبدو الأزمة الصومالية الراهنة شديدة التعقيد، وقد تدفع خطوات الرئيس فرماجو بالبلاد إلى نفس الطريق الذي سلكه سياد بري. لم يُلقِ الرئيس الذي تفاءل الجميع بمقدمه للسلطة بالًا للمبادئ الحاكمة لتحقيق انتقال ديمقراطي سليم، وهي: تقاسم السلطة، والفيدرالية، ومراجعة الدستور، والتداول السلمي للسلطة. وعليه، نجد المشهد الصومالي منقسمًا بين معسكرين: مجلس الشيوخ والأحزاب السياسية والحكومات الإقليمية في جانب واللجنة الانتخابية والمجمع الرئاسي (فيلا الصومال) ومجلس الشعب في جانب آخر. ولعل ذلك أصبح معروفًا في خطاب المعارضة الصومالية بصيغة ثلاثة ضد ثلاثة. ولا شك أن معضلة الصومال اليوم تكمن في نفي الآخر حتى ولو كان من أبناء العمومة، فالشباب المجاهدون يحلمون ببناء دولة خلافتهم الطوباوية، ويرى الرئيس فرماجو ومن سار على دربه أنهم “الوطنيون المخلصون” بينما تتجه بعض أقاليم الاتحاد بعيدًا عن العاصمة نحو مزيد من الحكم الذاتي وربما إعلان الاستقلال التام كما في حالة صوماليلاند.

يطرح ذلك كله سؤال الخروج الآمن للصومال من شرك ثلاثية الاستبداد والإرهاب والعشيرة. يحتاج الصوماليون لبناء عقد اجتماعي يحظى بالقبول العام، ويعكس طموح الشباب الجديد الذين ولدوا في ظل سنوات الحرب والاقتتال الأهلي ولم يدركوا حلم الصومال الكبير الذي ناضل من أجله الأجداد. يقتضي ذلك حتمية استكمال المسيرة الدستورية من خلال مراجعة الدستور المؤقت وبناء مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية وتحرير البلاد والعباد من إرهاب حركة الشباب. على أن ذلك لن يكون إلا من خلال بناء الثقة في الذات والتخلص من آفة العشيرة التي أضحت تسبق الدولة. لقد كان إقرار نظام الاقتراع العام بدلًا من المحاصصة العشائرية نقطة تحول كبرى ولكنها غير كافية. فالممارسة السياسية في الصومال منذ عام 2007 تشهد سطوة المال السياسي، بحيث أصبح المشهد العام بتعبير الباحث البريطاني ألكس دي وال بمثابة “سوق سياسي” كبير. ففي الصومال، أثناء الانتخابات كان السياسيون ينفقون ملايين الدولارات لشراء الأصوات، إما للسباق البرلماني أو للرئاسة. ومنذ انهيار السلطة المركزية في عام 1991، اعتبرت منظمة الشفافية الدولية الصومال واحدة من أكثر الدول فسادًا على وجه الأرض بسبب نقص المؤسسات الحكومية الفعالة والأزمة الاجتماعية والاقتصادية المستمرة.

على أن ذلك كله يلزمه تحرك جماعي عربي باعتبار الصومال قضية عربية إفريقية وإدراك حقيقة تغير الأوضاع الجيوستراتيجية في دول الجوار. لقد تحملت جيبوتي، وهي دولة عربية، وحدها عبء تشكيل أول حكومة صومالية انتقالية، عبر مؤتمر عرته عام 2000، والذي جاء بالرئيس عبدالقاسم صلاد حسن إلى السلطة. والمثير للدهشة أن عبدالله يوسف الذي ينحدر من أصول يمنية وينتمي إلى قبيلة الدارود قد جاء إلى السلطة عام 2004 عبر آلية مؤتمر نيروبي للمصالحة ودخل مقديشيو بعد ذلك محمولًا على أعناق الجيش الإثيوبي.

د. حمدي عبد الرحمن
أستاذ العلوم السياسية بجامعة زايد والقاهرة