وحدة التسلح

سباق مناورات: إلى أين تتجه تفاعلات الأزمة الليبية؟

تعكس المناورات الثلاث التي تُجريها كل من: مصر، وتركيا، والمناورات المتعددة الأطراف الأمريكية-الأوروبية، حالة استثنائية غير مسبوقة؛ فرغم تعدد مسارح العمليات (مصر على حدها الاستراتيجي الغربي، وتركيا قبالة السواحل الليبية، والمتعددة الأطراف الأمريكية-الأوروبية قبالة السواحل القبرصية)، إلا أن القاسم المشترك بينها هو وحدة المسرح الجيوسياسي، والتزامن والتفاعلات التي تصب جميعها في الملعب الليبي. وعلى الأرجح سترسم الخطوة التالية مباشرة ملامح السيناريو القادم في المشهد الليبي بأبعاده الاستراتيجية المختلفة، وبالتالي تحدد الإجابات على التساؤلات الحائرة الآن بين احتمالات التصعيد أو الاحتواء.  تطورات متسارعة تعدد المناورات، وتزامنها، وتوقيتها، كاشف عن طبيعة اللحظة التي تمر بها تفاعلات الأزمة الليبية، في ظل أهداف الأطراف…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

تعكس المناورات الثلاث التي تُجريها كل من: مصر، وتركيا، والمناورات المتعددة الأطراف الأمريكية-الأوروبية، حالة استثنائية غير مسبوقة؛ فرغم تعدد مسارح العمليات (مصر على حدها الاستراتيجي الغربي، وتركيا قبالة السواحل الليبية، والمتعددة الأطراف الأمريكية-الأوروبية قبالة السواحل القبرصية)، إلا أن القاسم المشترك بينها هو وحدة المسرح الجيوسياسي، والتزامن والتفاعلات التي تصب جميعها في الملعب الليبي. وعلى الأرجح سترسم الخطوة التالية مباشرة ملامح السيناريو القادم في المشهد الليبي بأبعاده الاستراتيجية المختلفة، وبالتالي تحدد الإجابات على التساؤلات الحائرة الآن بين احتمالات التصعيد أو الاحتواء. 

تطورات متسارعة

تعدد المناورات، وتزامنها، وتوقيتها، كاشف عن طبيعة اللحظة التي تمر بها تفاعلات الأزمة الليبية، في ظل أهداف الأطراف المنخرطة فيها، وتعبر عن تفاعلات تقاطرت وراء بعضها بعضًا، في مدى زمني ضيق للغاية، فالمناورات التركية جاءت بعد أربعة أيام على ضربة استباقية استهدفت منظومة “هوك” الدفاعية كانت أنقرة بصدد نشرها في قاعدة “الوطية”، وما صاحبها من تصريحات تعكس توجهًا تركيًّا لكسر “الخط الأحمر” (سرت – الجفرة) الذي رسمته القاهرة وأقرته العديد من القوى الدولية والإقليمية في اجتماع مجلس الأمن في 8 يوليو الجاري. أما بالنسبة لمصر فإن تحليل بيان المناورة (حسم 2020) يتقاطع مع المسار ذاته، من خلال إظهار جاهزية الدفاع عن “الخط الأحمر” في حال انتهاكه. بينما جاءت المناورات الأمريكية–الأوروبية هي الأخرى بدافع التقاطع مع احتمالات التصعيد من الجانب التركي. دلالة ذلك بدء المناورات الأمريكية مع قبرص، ثم إعلان انضمام كل من فرنسا واليونان اللتين تقفان على الضفة الأخرى من تركيا في الأزمة الليبية. 

اصطفافات كاشفة

كشفت الاصطفافات الحالية ملامح أكثر وضوحًا في المرحلة الحالية لخريطة القوى المنخرطة في الأزمة الليبية، بما يضع حدًّا لحالة الغموض والالتباس في مواقف بعض القوى وانحيازاتها؛ فإجراء الولايات المتحدة مناورات عسكرية مع قبرص في سابقة هي الأولى من نوعها تعكس انحيازًا أمريكيًّا واضحًا لقبرص، ومن ثم اليونان، اللتين تعارضان التحركات التركية في ليبيا، بدءًا من خطوة ترسيم الحدود البحرية “غير الشرعية” التي أقدمت عليها أنقرة مع حكومة الوفاق في الغرب الليبي وما صاحبها من تطورات تعكس الطابع العدائي التركي تجاههما. وبالتالي، تخشى واشنطن من ارتدادات التصعيد التركي في ليبيا على هذه الساحة بالنظر إلى الارتباط الجيوسياسي. وفي واقع الأمر، لا تعد هذه الخطوة مفاجئة بالنظر إلى تراكمات عديدة تتعلق بالموقف الأمريكي من تركيا منذ حصول الأخيرة على منظومة إس 400 الروسية، اذ وافقت واشنطن على إبرام صفقات تسلح لقبرص وهو ما عارضته أنقرة. كذلك أكدت الولايات المتحدة عشية إعلان المناورات على وقف المبيعات التركية الخاصة بالإسهام التركي في طائرات “إف 35” بشكل نهائي. 

انضمام فرنسا للمناورات كاشف أيضًا عن اصطفاف فرنسي مع أي طرف معارض لتركيا، بما يعني أنها يمكن أن تكون القاسم المشترك مع مصر، وهو ما ظهر في مواقفها العديدة لتأييد المبادرة المصرية لتسوية الأزمة الليبية، وتأكيدها في مجلس الأمن على الخط الأحمر المصري كخط معتمد لوقف إطلاق النار، وكذلك أيضًا على الضفة الأخرى من المتوسط المعارضة لتركيا. كذلك فإن انضمام إيطاليا يعكس حدود موقعها من الأطراف، حيث يبدو أنها تعارض الدور التركي في ليبيا، وتتلاقى مع جيرانها الأوروبيين بمبادرة تاريخية لترسيم الحدود البحرية (9 يونيو) شكلت أول تحرك رسمي لقطع الطريق على الاعتراف بترسيم الحدود بين أنقرة والوفاق. لكنها على الجانب الآخر تتعامل بشكل منفصل مع حكومة الوفاق، وفق مؤشر الزيارة الأخيرة لـ”فايز السراج” رئيس حكومة الوفاق إلى روما الأسبوع الماضي. معادلة الاصطفاف -إذن- تطرح من جانب آخر تقاربًا متعدد الأطراف، القاسم المشترك لديه هو معارضة التوجهات التركية تجاه ليبيا من منظور شامل.

رسائل متبادلة

فيما يتعلق بطبيعة المناورات، من الواضح أن تركيا تهدف إلى تأكيد أنها بصدد اعتماد الخيار العسكري، وعدم المبالاة بالدعوات الدولية لوقف إطلاق النار. فقد نشرت أكبر حشد ممكن من القطع البحرية بطول الساحل الليبي، في رسالة واضحة على أنها لن تقتصر على القطاع الغربي منه. وبالتزامن أرسلت شحنة تسلح جديدة عشية المناورات إلى قاعدة “الوطية”، دون الكشف عن ماهية الأسلحة التي تضمنتها تلك الشحنة، لكنها على الأرجح بحاجة إلى وقت لتعويض تداعيات الضربة على قاعدة الوطية. إذ إن تلك الشحنة وصلت أولًا إلى قاعدة “معيتيقة” بما يعني أن قاعدة الوطية ليست جاهزة لاستقبال تلك الشحنة، إما لأسباب تتعلق بغياب المظلة الدفاعية، أو غياب اللوجستيات التي تسمح باستقبال طائرة شحن في القاعدة.

بالنسبة للمناورات المصرية، يكشف بيان القوات المسلحة عن تفاصيل دقيقة تعكس الأهداف المصرية من المناورة، وهي جاهزية التعامل مع الاحتمالات التي قد يكون من بينها إقدام قوة خارجية كتركيا على التصعيد، سواء بشكل مباشر أو عبر دفع ميليشيات محلية ومرتزقة أو كليهما، فميدان المناورات في المنطقة الغربية كاشف عن تأكيد مصر أن المحدد الرئيسي المتعلق بأمنها القومي في مجالها الحيوي، الذي رسمت خطه الأحمر بوضوح. كما أن نمط المرحلة الرئيسية في المناورة كاشف عن التعامل مع مسرح عمليات “خارجي” بهدف تأمين خط حيوي في العمق. كذلك، فإن مشاركة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية يعكس بالتبعية جاهزية التشكيلات النوعية للتعامل مع خطة العمليات وفق بنك الأهداف، وبالتالي لن يقتصر فقط على تشكيل جوي متعدد المهام، وإنما تشكيلات نوعية مختلفة المهام والأدوار الميدانية. 

فيما يتعلق بالمناورات متعددة الأطراف في شمال شرق المتوسط، فإنها تشتمل على ثلاث قوى رئيسية من الناتو، هي: الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، لإسناد اليونان التي انسحبت من عضوية الناتو بسبب الاحتلال التركي لقبرص، وبالتالي هناك إشكالية هيكلية من هذا المنظور، لكن من منظور عملياتي هناك محور يتشكل على قاعدة تقارب المصالح والأهداف. ويُعتقد أن هذا المحور سيتفادى اندلاع مواجهة عسكرية مع تركيا بالنظر إلى كلفتها السياسية، لكنه سيعمل -في الوقت ذاته- على تقويض التحركات التركية والتعامل مع احتمالات خروجها عن السيطرة في شرق المتوسط ذي الأهمية الاسترايتجية. كذلك ربما من جانب آخر يحمل إشارة تتعلق بالموقف الأمريكي من روسيا في ظل التحركات البحرية الروسية في البحر الأسود ومنها عبر البسفور إلى المتوسط. 

الضربة التالية

من الواضح أن تركيا التي تقرع طبول الحرب في ليبيا هي التي ستحدد على الأرجح الضربة التالية بعد مرحلة المناورات، والتي ستحدد بالتبعية ملامح المرحلة المقبلة، من حيث طبيعة واحتمالات التصعيد؛ فأحد السيناريوهات المحتملة أنها قد تبادر بضربة “محدودة” كرد فعل على استهداف قاعدة “الوطية” لحفظ ماء الوجه، لأن السيناريوهات الأخرى قد تفرض عليها تحديات مستقبلية عالية الكلفة عسكريًّا وسياسيًّا، لا سيما من منظور الخبرات التركية في مناطق الصراعات الأخرى، حيث إن حسابات التمدد لا تسمح لها بمساحة تأمين عن 30–35% في أقصى التقديرات، وفي مناطق متاخمة لها تسمح لها بسهولة نقل تعزيزات عسكرية، وهو غير متوفر في الحالة الليبية، وكذلك كلفة الاشتباك في مناطق يحتمل فيها تواجد روسي، بالنظر لحسابات العلاقات الثنائية ليس فقط في سوريا وإنما بشكل أشمل، خاصة في ظل توجهات موسكو لاحتواء الأزمة وتقريب وجهات النظر لنزع فتيل التوتر. وبالتالي، فإن الضربة المحتملة يجب أن تخضع لحسابات دقيقة في تقديرها، وإمكانية احتوائها. لكن السيناريو الأسوأ في حال مغامرة أنقرة بتصعيد واسع لا شك أنه لن يكون في صالحها في ضوء المنظور الشامل لحسابات المعركة واحتمالات تكتل خصوم أنقرة في حال سلكت هذا المسار.في الأخير؛ يمكن القول إن الأطراف الثلاثة التي رفعت مستوى الاستعداد للعمل العسكري تقف عند الخط الأخير للتلويح باستخدام القوة التي تم استعراضها كمحاكاة لسيناريو اشتباك عسكري محتمل في ليبيا، لكنه -في الوقت ذاته- يشكل خطًّا زمنيًّا لفرص الوقت الضائع التي قد تحول المشهد إلى مسار معاكس. ستتوقف طبيعة هذه الفرص من جهة على مدى استجابة تركيا للتراجع عن مسار التصعيد العسكري الواسع، والاتجاه نحو المسار السياسي، حتى وإن كانت تسعى إلى إرباكه هو الآخر. ومن جهة أخرى، ستتوقف على القوى التي يمكنها أن تبعد الأطراف عن المسافة صفر في الأيام القليلة المقبلة، وبالتعبية أيضًا الضمانات التي يمكن القبول بها لتحقيق هذا الهدف. مع الوضع في الاعتبار أن الخبرة التركية في الصراعات الإقليمية تشير إلى أن تركيا تفضل تكتيك المناورة الذي يوحي بأنها تتعامل مع المسارات المتعددة.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح