تقارير

التجارة الإلكترونية بعد جائحة “كوفيد-19”

أدت جائحة فيروس “كوفيد-19” إلى خسائر فادحة للعديد من الشركات أجبرت الكثير منها على الخروج من السوق. ولكن في محاولة من جزء كبير من الشركات الأخرى لتكون مرنة وتتكيف مع الأزمة الحالية غير المسبوقة، اتجهت هذه الشركات إلى التجارة الإلكترونية. والتجارة الإلكترونية هي عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات، أو إرسال الأموال أو البيانات، عبر شبكة إلكترونية، وبشكل أساسي الإنترنت. تحدث هذه المعاملات إما من شركة إلى شركة، أو من شركة إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى شركة. هذا المقال يناقش أولًا تأثير فيروس “كوفيد-19” على التجارة الإلكترونية، وبشكل خاص تلك العمليات من الشركة إلى المستهلك،…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أدت جائحة فيروس “كوفيد-19” إلى خسائر فادحة للعديد من الشركات أجبرت الكثير منها على الخروج من السوق. ولكن في محاولة من جزء كبير من الشركات الأخرى لتكون مرنة وتتكيف مع الأزمة الحالية غير المسبوقة، اتجهت هذه الشركات إلى التجارة الإلكترونية. والتجارة الإلكترونية هي عمليات البيع والشراء للسلع والخدمات، أو إرسال الأموال أو البيانات، عبر شبكة إلكترونية، وبشكل أساسي الإنترنت. تحدث هذه المعاملات إما من شركة إلى شركة، أو من شركة إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى المستهلك، أو من المستهلك إلى شركة.

هذا المقال يناقش أولًا تأثير فيروس “كوفيد-19” على التجارة الإلكترونية، وبشكل خاص تلك العمليات من الشركة إلى المستهلك، ومن ثم تأثير التجارة الإلكترونية على الخدمات اللوجستية. 

لقد غيرت جائحة “كوفيد-19” العالم كما نعرفه. فقد تغير سلوك الأشخاص بعد أن تعرضوا إلى الصدمة الحالية الناجمة عن الجائحة. وبعض هذا التغيير في سلوك الأشخاص (المستهلكين وبالتالي المنتجين) سوف يظل حتى بعد انتهاء الجائحة. ولكن على الرغم من أن الاتجاه نحو التجارة الإلكترونية كان في تزايد بالفعل قبل تفشي الجائحة؛ إلا أن الجائحة أثرت في سرعة انتشار هذا النمط من التجارة. 

بناء على موقع “ستاتيستا” Statista، وموقع أوبرلو Oberlo؛ من المتوقّع أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية عالميًّا من 1.3 تريليون في عام 2014 إلى 4.5 تريليونات في عام 2021، وهذا يعني نموًّا بنسبة 346% على مدى 7 سنوات. وبناء على ماركت واتش MarketWatch، من المتوقع أن ترتفع معدلات انتشار التجارة الإلكترونية من 15% في 2020 إلى 25% في 2025.

سوق التجارة الإلكترونية في مصر

يشهد سوق التجارة الإلكترونية المصري ازدهارًا ملحوظًا، ومن المقرر أن يكون الأكبر في إفريقيا بفضل العدد الكبير من السكان مقارنة بباقي الدول، وزيادة معدلات انتشار الإنترنت بسرعة. وكدولة مرتبطة بالعالم العربي وإفريقيا، فإن مواقع التجارة الإلكترونية العربية مثل موقع “سوق”، والإفريقية مثل موقع “جوميا”، تحظى بشعبية في مصر، إلى جانب مواقع أخرى وسيطة مثل موقع “اشتريلي” الذي يتعامل مع تسليم المنتجات التي يتم طلبها من الأسواق العالمية، بما في ذلك “أمازون” و”إي باي”.

في عام 2017، نمت مبيعات التجارة الإلكترونية المصرية بنسبة 22% لتصل إلى 5 مليارات دولار أمريكي. ومع ذلك، فإنها لم تمثل سوى 0.4% من مبيعات التجزئة في البلاد في ذلك العام، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في عام 2018. وفيما يتعلق بمدى جاهزية التجارة الإلكترونية، جاءت مصر في ذلك العام أيضًا في الترتيب رقم 116 وفقًا لمؤشر التجارة الإلكترونية للأونكتاد. 

وفي العام نفسه أيضًا، دخلت الحكومة المصرية في شراكة مع الأونكتاد لتطوير استراتيجية جديدة تهدف إلى زيادة حصة التجارة الإلكترونية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 2.32%، ومضاعفة عدد الشركات التي تبيع عبر الإنترنت (بلغت في عام 2017 حوالي 14725) بحلول عام 2020. ووفقًا لستاتيستا، فإن حوالي 17% من الشركات الكبيرة و3% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في عام 2017 تبيع عبر الإنترنت.

مبيعات التجارة الإلكترونية والعملاء

وفقًا لسوسايتي جينيرال، فإن عدد المتسوقين عبر الإنترنت يزداد بشكل مطرد في مصر، إذ ارتفع من 15.2 مليون في عام 2015 إلى 17.7 مليون في عام 2016، لكنه عدد قليل بالنسبة إلى عدد السكان. أيضًا هناك فرق كبير بين وصول سكان الحضر والريف إلى الأسواق عبر الإنترنت (70% من المتسوقين عبر الإنترنت في المناطق الحضرية). كما أن مستخدمي الإنترنت الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا هم أكثر المتسوقين نشاطًا عبر الإنترنت، ويمثلون نصف المستهلكين. ووفقًا للموقع ذاته، كانت الهواتف المحمولة هي المنتج الأكثر مبيعًا بين المتسوقين عبر الإنترنت في عام 2017 (61%)، تليها أجهزة الكمبيوتر المحمولة (37%) والملابس (34%). ولا يزال الدفع عند التسليم هو أكثر طرق الدفع شيوعًا، كما هو الحال في معظم الدول العربية الأخرى، حيث يمثل 70% من جميع المشتريات، تليها بطاقات الائتمان (16% من المشتريات). ولكن أحد التحديات التي تواجه التجارة الإلكترونية في السوق المصرية هو قلة عدد حاملي بطاقات الائتمان (حوالي 10 ملايين شخص). أيضًا من بين التحديات الأخرى قلة ثقة المستهلكين المصريين في التسوق عبر الإنترنت.

وقد تفوقت مصر على بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نمو مبيعات التجزئة عبر الإنترنت. وتوقعت شركة “البحث والأسواق” أن ترتفع مبيعات التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بحلول عام 2022 بمقدار الضعف مقارنة بعام 2019. وبسبب جائحة “كوفيد-19″، وبسبب إغلاق تجار التجزئة الأبواب، ينتقل العديد من المستهلكين من الطريقة التقليدية للشراء إلى الطرق الحديثة مثل التجارة الإلكترونية. وحسب “سعيد أحمد ناجي”، المدير الإداري لوكالة Marketing Egypt للاستشارات الرقمية الرائدة في الشرق الأوسط، تضاعفت مبيعات التجارة الإلكترونية للتجار المصريين منذ 11 مارس؛ وهو اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن (كوفيد-19) جائحة عالمية. 

وبسبب الكساد في الشركات الناشئة -حيث لا تدخل الشركات الجديدة سوق العمل نتيجة للوباء- فإن الحل لهذه الأزمة هو التحول الرقمي والذهاب إلى التجارة الإلكترونية لبيع المنتجات والخدمات، وهو نوع التجارة الذي كان من المتوقع أن يشهد نموًّا بنسبة تزيد على 30% قبل حدوث الجائحة، وفقًا لتقرير سوق التجارة الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2019. أما بعد حدوث الجائحة فقد أصبحت صناعة التجارة الإلكترونية واحدة من أعلى القطاعات نموًّا وسط الجائحة، وتشهد نموًّا يتراوح بين 300% – 500%. وذكر منظمو قمة التجارة الإلكترونية في مصر أنه من المتوقع أن تبلغ قيمة المعاملات المالية الإلكترونية في مصر ملياري دولار، بما في ذلك عمليات الشراء عبر الإنترنت وحجوزات الفنادق وشركات الطيران.

وعلى الرغم من أن شركات الخدمات اللوجيستية عانت من خسائر بسبب إغلاق الأعمال؛ إلا أن النمو المطرد في التجارة الإلكترونية أثّر بلا شك على صناعة النقل والإمداد وساعد في الحد من الخسائر. ومع استمرار ارتفاع التجارة الإلكترونية، من المحتمل أن تحتاج الشركات إلى الاستمرار في تعديل نماذج الأعمال لاستيعاب خدمة التوصيل السريعة والمجانية التي يطلبها المستهلكون.

أيضًا، تتطور مصر كواحدة من الدول التجارية الرئيسية، وتخلق مجموعة واسعة من الفرص لمقدمي الخدمات اللوجستية. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق اللوجستي المصري 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2024. علاوة على ذلك، تهدف الحكومة إلى جعل البلاد مركزًا للإنتاج والتوزيع لخدمة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة