الحرب الباردة تقترب

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

الحديث لا يتوقف في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية عن أن العالم يقف على بوابة حرب باردة جديدة، إن لم يكن قد دخلها بالفعل. الحرب الباردة بحكم التعريف ترتبط بعدم استخدام القوة العسكرية كأداة للصراع (الحرب الساخنة)، ولكن يتم استخدام باقى أدوات القوة من اقتصادية ودبلوماسية وغيرها. العالم شهد من قبل حرب باردة امتدت لأكثر من أربعين عاما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والحرب الباردة الجديدة هي بين الولايات المتحدة والصين. البعض يرى أنه لا يمكن أن تقوم حرب حتى ولو باردة بين البلدين، فكلاهما شريك تجارى ضخم للآخر، وهناك استثمارات صينية ضخمة بالولايات المتحدة جانب كبير منها في سندات…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

الحديث لا يتوقف في مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الدولية عن أن العالم يقف على بوابة حرب باردة جديدة، إن لم يكن قد دخلها بالفعل. الحرب الباردة بحكم التعريف ترتبط بعدم استخدام القوة العسكرية كأداة للصراع (الحرب الساخنة)، ولكن يتم استخدام باقى أدوات القوة من اقتصادية ودبلوماسية وغيرها.

العالم شهد من قبل حرب باردة امتدت لأكثر من أربعين عاما بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، والحرب الباردة الجديدة هي بين الولايات المتحدة والصين.

البعض يرى أنه لا يمكن أن تقوم حرب حتى ولو باردة بين البلدين، فكلاهما شريك تجارى ضخم للآخر، وهناك استثمارات صينية ضخمة بالولايات المتحدة جانب كبير منها في سندات الخزانه التي تمول عجز الموازنة الأمريكية، كذلك لا يوجد بعد أيديولوجي للتنافس، فبالرغم أن الصين ما زال يحكمها الحزب الشيوعي، إلا أن بكين تتحدث عن شيوعية ذات خصائص صينية، أحد ملامحها هو تبنى الآليات الاقتصادية للنظام الرأسمالي. وفوق ذلك فإن المسئوليين الصينيون يروجون دائما أنهم لا يسعون لنشر النموذج الصيني في العالم، ولا يريدون لغير الصينيين أن يكونوا صينيين، أي يتبنوا القيم الصينية. 

وبالرغم مما سبق، فإن الحرب الباردة الجديدة أساسها اقتصادي، ويتمحور حول تخوف الولايات المتحدة من امتداد الصعود الاقتصادي الصيني إلى الى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والتي تتمتع فيها الولايات المتحدة وحلفائها بمزايا نسبية. وفي حالة ظهور منتج صيني يحمل نفس الجودة التكنولوجية الغربية، وفي نفس الوقت يباع بسعر أقل، فسوف تفقد الولايات المتحدة مكانتها كمصدر للسلع ذات التكنولوجيا العالية، وأن الصين سوف تستغل مكانتها الجديدة لتحقيق أهداف استراتيجية حول العالم، وعلى حساب الولايات المتحدة.

البعض يرى أن الحرب الباردة الجديدة ستظل بعيدة عنا، وستقتصر تفاعلاتها على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين، كما نرى الآن في الحرب التجارية بينهما.

ولكن الواضح أنها بدأت تقترب منا، فوفقا لتقرير نُشر حديثا بجريدة الفاينانشيال تايمز، فقد قامت دولة الإمارات العربية بإنشاء مركز متقدم لاختبارات فيروس كورونا بالتعاون مع أحد الشركاء الصينيين في أواخر مارس، ولكن رفض الدبلوماسيون الأمريكيون المقيمين بها استخدامه، متعللين بمشاركة الشركات الصينية. ووفقا لأحد الدبلوماسيين الأمريكيين خوفا من أن تجد المعلومات حول الحالة الصحية لدبلوماسييها طريقها إلى بكين. رغم أن السلطات الصحية الإماراتية أكدت على وجود بروتوكولات صارمة لأمن المعلومات وخصوصية البيانات. وعندما منحت شركة اتصالات إماراتية عقودا لشركة هاواوي الصينية لإدخال شبكة الفايف جى وقبل ظهور كورونا، يشير التقرير إلى أن واشنطن بدأت تحذر دول الخليج من أن زيادة التعاون التكنولوجي مع القطاع الخاص الصيني قد يعرض تعاونهم الأمني ​​مع الولايات المتحدة للخطر. ووفقا لمسئول أمريكي “إنهم يخاطرون بتمزيق العلاقات الاستراتيجية الطويلة الأمد التي تربطهم بالولايات المتحدة”. 

إذن الحرب الباردة الجديدة بدأت تقترب منا، والولايات المتحدة بدأت تستخدم منطق الحرب الباردة القديمة، وهو أن تضع دول العالم في خيار التعاون معها أو مع الصين. وبالرغم من أن العالم اليوم هو أكثر تشابكا وتعقيدا، ومعظم دول العالم لها علاقات مع القطبين، ولا يستطيع أحداهما أن يكون بديلا للآخر في كل المجالات، مع ذلك سيظل علينا التعامل مع هذا التطور الجديد، وتحقيق قدر من التوازن في العلاقة مع الصين والولايات المتحدة، وتجنب الاختيار بينهما. 

نقلا عن جريدة المصري اليوم، الإثنين 6/7/2020 

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر