لبنان و”الانتحار جوعا”

عضو الهيئة الاستشارية

“لست كافرا ولكن الجوع كافر”، عبارة كتبها لبناني على صدره حين أقدم على الانتحار في وسط بيروت. المشهد أذهل الناس في الداخل وفى الخارج. لم يتصور أحد أن لبنانيا نشأ على حب الحياة، والسعي الدائم وراء الرزق في الداخل أو وراء البحار وعلى بعد آلاف الكيلومترات، قد يُقدم على فعلة الانتحار بسبب الجوع. الواقعة ليست الوحيدة التي تكشف إلى أي مدى يفعل الجوع والضائقة الاقتصادية في نفوس الناس. والمدى الذي وصل إليه حال لبنان الدولة والمجتمع من اهتراء وضعف. هناك من وُجد في منزله ميتا للسبب ذاته، وهناك من لجأ إلى السرقة من المنازل، وهناك من أستخدم السلاح في الصيدليات…

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

“لست كافرا ولكن الجوع كافر”، عبارة كتبها لبناني على صدره حين أقدم على الانتحار في وسط بيروت. المشهد أذهل الناس في الداخل وفى الخارج. لم يتصور أحد أن لبنانيا نشأ على حب الحياة، والسعي الدائم وراء الرزق في الداخل أو وراء البحار وعلى بعد آلاف الكيلومترات، قد يُقدم على فعلة الانتحار بسبب الجوع. الواقعة ليست الوحيدة التي تكشف إلى أي مدى يفعل الجوع والضائقة الاقتصادية في نفوس الناس. والمدى الذي وصل إليه حال لبنان الدولة والمجتمع من اهتراء وضعف. هناك من وُجد في منزله ميتا للسبب ذاته، وهناك من لجأ إلى السرقة من المنازل، وهناك من أستخدم السلاح في الصيدليات ومخازن السلع للحصول على ما يتوافر من ألبان الأطفال، أو كميات هائلة من الخبز تحسبا لوقت قد لا يتوافر فيه الطحين. وفى الخلفية أزمات في الوقود وفى الطحين وفى الغذاء وفى الكهرباء. وأيضا مظاهرات احتجاج عن تردى المعيشة وضعف أداء الحكومة. 

مشاهد صادمة بكل المقاييس. تكشف عن وجه جديد وبائس للبنان الذي كان يُضرب به المثل على المجتمع الحي والمنفتح والمتعدد سياسيا وطائفيا. لبنان اليوم ليس لبنان قبل عقد واحد، والمؤكد أنه ليس لبنان قبل خمسة عقود، كل شيء فيه أصبح مختلفا، وما يُحزن أنه انحدار إلى الأسوأ. لسنوات طويلة كانت تجربة لبنان فريدة كبلد يتعايش فيه الجميع رغم تباين وتعدد العقائد والطوائف والملل، وفق صيغة من الديمقراطية التوافقية المصحوبة بنظام اقتصاد حر، تميز به عن غالبية الدول العربية، وكان سببا في تماسك البلد رغم المحن والحروب والاعتداءات الإسرائيلية. حتى الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاما وإن أثرت على علاقات الطوائف وجرحت الكثير من المسلمات التاريخية، لكنها كانت أقل تأثيرا على وجود مؤسسات حيوية لا تستقيم أي دولة الا بتلك المؤسسات، كالمصرف المركزي اللبناني كمؤسسة تدير النقد وتحافظ على حرية الاقتصاد اللبناني، واستطاع رغم كل الضغوط المحافظة على استقرار الليرة اللبنانية في مواجهة العملات الأخرى، وبالتالي بقاء الليرة رمزا لوحدة لبنان، واستمرار المصرف المركزي أيقونة كبرى. والآن تغير الأمر كليا.

فمنذ ما قبل جائحة كورونا المستجد، اختلطت الكثير من الاوراق الاقتصادية والسياسية والمجتمعية، وجاءت الجائحة لتزيد معاناة اللبنانيين كافة ما عدا قلة من النخبة السياسية من كل الطوائف، استمرت في واجهة الأحداث رغم مطالب الحراك الشعبي برحيلها، ورغم دورها المعروف والمشهود فيما وصل اليه لبنان من تراجع وتدهور، تعبر عنه قيمة الليرة اللبنانية مقابل الدولار الذي لم يعد موجودا لا في المصارف الخاصة، وبات نادر الوجود في المصرف المركزي، ما أثر على ارتفاع هائل للأسعار وتكاليف المعيشة بوجه عام. احصاءات الفقراء رسميا زادت عن 25 في المائة من جملة الشعب، ومن انخفضت رواتبهم أكثر من الثلثين يقتربون من 30% من السكان. وصار المواطن اللبناني البسيط بين اختيارين كاريثيين؛ إما الموت جوعا ببطء، أو الموت سريعا بالانتحار. 

في الأسابيع القليلة الماضية وصل اختلاط الأوراق وإلهاء اللبنانيين مستوى جديدا من البؤس واللامسئولية من قبل أصحاب القرار سواء في الحكومة أو في القوى السياسية والحزبية ذات النفوذ الفائق. وجسد الجدل حول مسئولية محافظ البنك المركزي عن أزمة لبنان الاقتصادية وتحميله المسئولية عن انهيار قيمة الليرة بأكثر من 80%، ارتباكا سياسيا واحتقانا مجتمعيا غير مسبوق، في وقت يعلم الجميع بمن فيهم رئيس البلاد ورئيس الحكومة وكل المشاركين فيها أن الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد أكبر كثيرا من قدرة البنك المركزي اللبناني وحده، وأنها تعود إلى تراكمات سنوات طويلة وممتدة جلبت الفساد وإهدار المال العام والتهريب عبر المنافذ غير الشرعية والاستدانة من الخارج بما يفوق قدرات الاقتصاد اللبناني، وإلى غياب الإصلاحات الهيكلية وتدخلات القوى السياسية في إدارة وزارات مهمة كوزارة المالية والصحة والصناعة وغيرهم، وأيضا في عمل مؤسسات كبرى كالكهرباء والاتصالات والطيران، دون ان يكون للبنك المركزي أي مسئولية مباشرة في هذا الهدر المنهجي والإفساد المنظم، مع أنه يتحمل شقا لا بأس به من تلك  المسئولية لأنه لم يتخذ القرارات النقدية المناسبة في الوقت المناسب، واستجاب لضغوط القوى السياسية النافذة.

البنوك الخاصة هّربت مليارات الدولارات بصورة غير مسئولة وغير شرعية في فترة وجيزة ومستغلة أجواء أزمة فيروس كورونا، والمضاربات التي تحدث بين مجموعات الصرافين غير الشرعيين بهدف رفع سعر بيع الدولار من أجل جمعه من الداخل وتهريبه الى الخارج، خاصة سوريا وإيران، يُسأل عنها مؤسسات أخرى كالمالية والداخلية والقوى الحزبية التي تضفي حماية خاصة على هؤلاء الصرافين غير الشرعيين، لأن بعضهم يجمع تلك الملايين من الدولارات خدمة لهذا لحزب أو ذاك، دون مراعاة لمصالح البلاد. والمؤسف أن تكون تلك القوى الحزبية شريكا رئيسيا في حكومة حسان دياب التي يُفترض أنها جاءت لتحقيق إصلاحات كبرى ولوقف كل المآسي الاقتصادية التي ضربت لبنان واللبنانيين.   

متغيرات كثيرة تحيط بلبنان، بعضها في الداخل وبعضها في الإقليم، تجعل أزمته الاقتصادية والمالية غير قابلة للحل ما لم تلتزم كل القوى السياسية، ولاسيما الشريكة في الحكم، بروح المسئولية تجاه البلد ككل، وأن تفصل بين مصالح قوى وبلدان قريبة من أفكارها وأيديولوجيتها، وبين مصالح لبنان الأساسية، وبدون هذه الخطوط الفاصلة ستظل الأزمة في طور الاشتعال حتى الانفجار الذي سيضر بالجميع.

الحكايات المتناثرة بين اللبنانيين حول مسئولية حزب الله في تهريب ملايين الدولارات التي جمعها صرافون غير شرعيين، إلى سوريا ومنها الى إيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية والدولية بحق إيران وسوريا وحزب الله نفسه، تضع مسئولية كبرى على الحزب لكي يثبت العكس. فك الاشتباك بين مصالح لبنان ومصالح القوى الحليفة لهذا الحزب أو ذلك الزعيم مطلوب في تلك اللحظات المليئة بعدم اليقين والسحب السوداء في الأفق. 

على الجميع أن يتحلى بمسئوليته الوطنية تجاه البلد وتجاه كل فرد يعيش فيه. التملص من تلك المسئولية والانغماس في المناورات السياسية الصغيرة المعتادة وإلقاء اللوم على الآخرين وتصور أن هذا هو طريق الخلاص الفردي، لن يمنع الكارثة. تجويع لبنان ليس حلا.  

نقلا عن جريدة الأهرام، الإثنين 6 يوليو 2020. 

د. حسن أبو طالب
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب