وحدة الدراسات العربية والإقليمية

هل تشهد الجزائر إقرار مسودة الدستور الجديد؟

تشهد الجزائر حالة من التفاعل السياسي النشط خلال الفترة الراهنة عقب طرح مسودة الدستور المُعدة من قِبل اللجنة المُشكّلة بموجب توجيهات الرئيس “عبدالمجيد تبون” للنقاش المجتمعي منذ مطلع مايو الماضي. وتأتي تلك الخطوة في ضوء التعهدات التي أطلقها “تبون” منذ تسلمه السلطة في ديسمبر 2019 الرامية إلى إجراء إصلاحات تشريعية متعددة يأتي على رأسها إعادة النظر في دستور عام 1996، وهو الأمر الذي يُعد الركيزة الأولى والأساسية في برنامج الإصلاح السياسي الشامل لمرحلة ما بعد “بوتفليقه”، وخطوة نحو مدّ جسور الثقة بين القيادة السياسية الجديدة والحراك الشعبي.  أولًا: سياق ضاغط وضرورات مُلحة لا شك أن إعداد مسودة الدستور يأتي كخطوة…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

تشهد الجزائر حالة من التفاعل السياسي النشط خلال الفترة الراهنة عقب طرح مسودة الدستور المُعدة من قِبل اللجنة المُشكّلة بموجب توجيهات الرئيس “عبدالمجيد تبون” للنقاش المجتمعي منذ مطلع مايو الماضي. وتأتي تلك الخطوة في ضوء التعهدات التي أطلقها “تبون” منذ تسلمه السلطة في ديسمبر 2019 الرامية إلى إجراء إصلاحات تشريعية متعددة يأتي على رأسها إعادة النظر في دستور عام 1996، وهو الأمر الذي يُعد الركيزة الأولى والأساسية في برنامج الإصلاح السياسي الشامل لمرحلة ما بعد “بوتفليقه”، وخطوة نحو مدّ جسور الثقة بين القيادة السياسية الجديدة والحراك الشعبي. 

أولًا: سياق ضاغط وضرورات مُلحة

لا شك أن إعداد مسودة الدستور يأتي كخطوة وقرار هام يُجسد على أرض الواقع أحد أهم الوعود الانتخابية التي أطلقها “تبون”، علاوة على أنه يأتي استجابة لمطالب الحراك الشعبي الذي شهدته الجزائر منذ فبراير 2019 ودام قرابة العام. وتحقيقًا لذلك المطلب، نصّب الرئيس “عبدالمجيد تبون” في يناير الماضي لجنة خبراء برئاسة “أحمد لعرابة” عضو لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة، وخبراء في القانون، للقيام بمهمة إعداد مشروع دستور جديد للبلاد، إضافة إلى تحليل وتقييم كل جوانب تنظيم وعمل مؤسسات الدولة، وتقديم المقترحات والتوصيات بشأنها، لعرضها للمشاورات العامة قبل الدخول في المحطة الأخيرة وهي الاستفتاء الشعبي على الدستور. 

وعقب انتهاء اللجنة من بلورة المسودة الأولية حول المحاور الستة التي كان قد أعلن عنها الرئيس “تبون”، تم طرح ذلك المشروع التمهيدي على الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات الأهلية المختلفة، علاوة على جمعيات الطلبة وعدد من الشخصيات الوطنية مطلع مايو الماضي، بهدف إجراء نقاش وحوار حول تلك المسودة وطرح الأفكار المختلفة بهدف إثراء التعديلات الدستورية، وتضمين كافة المقترحات والأفكار، وإذكاء التفاعل المجتمعي معها تحقيقًا لكسب التأييد وتمرير تلك التعديلات في مرحلة الاستفتاء الشعبي.

وقد دفعت التجربة الجزائرية إبان حكم الرئيس السابق “بوتفليقة” إلى حتمية الإسراع بوضع دستور يتفادى كافة الفجوات والإخفاقات المتعددة التي دفعت لقيام الحراك الشعبي، علاوة على سد ما في الدستور من تداخلات بين السلطات وتقييد للحريات والحقوق العامة. 

ثانيًا: قراءة في مضمون المسودة الدستورية المقترحة

حملت مسودة الدستور المُقترح من جانب لجنة الخبراء المُشكلة في ضوء قرار الرئيس “تبون”، عدة مضامين متعددة تختلف عن دستور 1996 المُعدل عدة مرات كان آخرها عام 2016، حيث عكفت اللجنة على مدار قرابة أربعة أشهر على بلورة مسودة الدستور والتي تضمنت عدة محاور رئيسية، تُسلط الضوء على الحقوق الأساسية والحريات العامة، فضلًا عن تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، وخلق حالة من التوازن بينها، بجانب تناول السلطة القضائية والمحكمة الدستورية، وترسيخ قيم الشفافية ومكافحة الفساد، و”دسترة” السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. وفي المجمل، أبرزت المسودة جملة من المستحدثات يمكن توضيحها فيما يلي:

1- “دسترة” الحراك الشعبي: لعل أول المتغيرات النوعية في مسودة التعديل الدستوري هو الاعتراف بالحراك الشعبي، وذلك تتويجًا وانتصارًا لموجة الاحتجاجات التي دامت قرابة العام، إضافة إلى تحديد اللغة الأمازيغية لغة رسمية للجزائر، وعدم جواز تعديلها دستوريًّا، وحظر خطاب الكراهية والتمييز.

2- التحول إلى النظام شبه الرئاسي: وقد تجلى ذلك في استبدال منصب الوزير الأول بمنصب رئيس الحكومة وتوسيع الصلاحيات المخصصة لرئيس الحكومة، واستحداث برنامج عمل للحكومة، وهو الأمر الذي سيسمح لرئيس الوزراء بإعداد برنامج خاص باستقلالية نسبية تتماشى مع برنامج الأغلبية البرلمانية.

3- تكريس مبدأ الفصل بين السلطات: وقد برز ذلك بشكل كبير فيما تضمنته عدة نصوص مُقترحة تساهم في تكريس ذلك المبدأ، مثل تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، خاصة المتعلقة بالطابع التشريعي وتعزيز السلطة التشريعية بصلاحيات رقابية، حيث تضمنت المسودة إلغاء حق الرئيس في التشريع خلال العطلات البرلمانية والتي كانت قد استُحدثت في دستور 1996، خاصة أن الممارسات السابقة سمحت بالتدخل في صلاحيات السلطة التشريعية، وتمرير قوانين متعددة خلال العطلة البرلمانية، فضلًا عن ذلك فالمسودة تضمن تعزيز سلطة مراقبة البرلمان لعمل الحكومة.

4- تحديد الفترة الرئاسية والبرلمانية: حددت المسودة المقترحة ولاية الرئيس بولايتين فقط متتاليتين أو منفصلتين، وطرحت فكرة تعيين نائب للرئيس، وكذلك تحديد الدورة البرلمانية بمدتين فقط، مع إعطاء سند دستوري للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.

5- مهام جديدة للقوات المسلحة: المواد المُقترحة للقوات المسلحة الجزائرية تُشكل -في حد ذاتها- سابقة في التاريخ العسكري الجزائري التي لطالما حددت الدساتير السابقة مهمتها في الداخل فقط دون الانخراط في عمليات قتالية خارج الحدود ورسخت بذلك العقيدة الدفاعية. غير أن المسودة المُقترحة تضمنت مواد مستحدثه تتعلق بطبيعة المهام المخولة للقوات المسلحة خارج البلاد، وذلك من خلال العمل على دسترة مشاركة الجزائر في عمليات حفظ السلام تحت رعاية الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، وفي إطار الاتفاقيات الثنائية مع الدول المعنية، على أن يتم إرسال تلك القوات للخارج بعد مصادقة البرلمان بأغلبية الثلثين.

6- تعزيز صلاحيات السلطة القضائية: حملت المسودة المطروحة للنقاش عدة نقاط فيما يتعلق بالسلطة القضائية تتجلى في الاقتراح الخاص بتشكيل المجلس الأعلى للقضاء دون وزير العدل والنائب العام، وإنشاء محكمة دستورية بدلًا من المجلس الدستوري لتتولى مراقبة التزام السلطات الثلاث بنصوص الدستور.

7- توسيع نطاق الحريات العامة: تضمنت المسودة إقرار مبدأ التصريح بممارسة حرية الاجتماع والتظاهر، وكذا عدم تقييد إنشاء الجمعيات والأحزاب السياسية وعدم حلها إلا بقرار قضائي، وهو الأمر الذي من شأنه أن يضمن استقلالية جمعيات المجتمع المدني، علاوة على دسترة الصحافة بكافة أشكالها وكذلك الحرب على الفساد، وحماية المرأة من أشكال العنف المختلفة، وتجريم التعذيب، وإقرار الحق في التعويض عن التوقيف والحبس المؤقت.

ثالثًا: المواقف المتباينة للفاعلين الرئيسيين

على الرغم من تعدد اللقاءات التي عقدت لمناقشة مسودة الدستور المطروحة على المجتمع الجزائري، إلا أنه ومنذ الشروع في إطلاق لجنة إعداد مسودة الدستور الجزائري في فبراير 2020، تباينت وجهات النظر المتعلقة بتلك المسودة بين فريقين:

الفريق الأول: يرى أن المسودة الدستورية تُعد استجابة حقيقية ونقلة نوعية في المجتمع الجزائري بما تضمنته من تغييرات عميقة في المنظومة السياسية والاقتصادية، فقد تم تضمين عدة حقوق وحريات لم تكن مدرجة من قبل، كالحق في الحياة، والتعويض عن التوقيف والحبس المؤقت، ودسترة حرية الصحافة، ومنع الرقابة عليها، علاوة على إقرار مبدأ ممارسة حرية الاجتماع والتظاهر والتصريح فقط لإنشاء الجمعيات وعدم حلها إلا بقرار قضائي، وتنظيم السلطات الثلاث والفصل بينها وتعزيز صلاحياتها، وتحديد عدد الفترات الرئاسية والبرلمانية بفترتين، وتعزيز مبدأ العدالة وعدم ممارسة أي ضغوط على القضاة.

الفريق الثاني: يرى أن هذه التعديلات سطحية ولا تلبي مطالب الحراك الشعبي، وتتضمن العديد من “المواد المفخخة” والمتمثلة في حذف المادة التي تستوجب التمتع بالجنسية الجزائرية لتولي المناصب العليا في الدولة، إلى جانب ما يتعلق بإدراج اللغة الأمازيغية ضمن الأحكام التي لا تخضع للتعديل الدستوري، واعتبر هذا الفريق أن ذلك التعديل يعد فرض لغة ثانية دون إعادة الاعتبار للغة العربية الرسمية، بجانب عدم تقليص صلاحيات الرئيس بصورة كافية، حيث لم تحقق المسودة ذلك الهدف إلا في جزئية عدم إعطائه حق التشريع بأوامر في العطل البرلمانية. كما أن هناك من ينظر إلى تعيين نائب للرئيس باعتباره تدعيمًا لأركان النظام الرئاسي لا المختلط ولا البرلماني. ولعل أبرز الجبهات الرافضة لمسودة الدستور تمثلت في الفصيل الإسلامي، إضافة إلى تكتل قوى البديل الديمقراطي الذي وصف التعديلات الدستورية بأنها خطوة تستهدف استبعاد الشعب الجزائري من اختيار مستقبله.

رابعًا: الفرص والتحديات أمام إقرار المسودة الدستورية

تعد الخطوات الإجرائية التي أعلنت عنها الرئاسة نحو إقرار المسودة الدستورية، بما فيها الاستفتاء الشعبي، هي أمر يحدث للمرة الأولى في الجزائر، ويدلل -في الوقت ذاته- على الرغبة الحقيقية للرئيس “تبون” في خلق حالة من التعبئة السياسية العامة، وترسيخ حقوق الشعب في التعبير عن رأيه، وممارسة هذا الحق في عملية الاستفتاء.

فضلًا عن ذلك، فإن حرص العديد من الجهات الوطنية المختلفة للتفاعل مع تلك المسودة، والمشاركة الواسعة للعديد من المؤسسات والجمعيات المدنية، وعلى رأسها كل من الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان والمنتدى المدني للتغيير والمجلس الشعبي الولائي والعديد من الجامعات والمراكز الثقافية المختلفة، قد ساهم في خلق حراك كبير حول المشاركة في الاستفتاء على مسودة الدستور، علاوة على إضفاء ديناميكية كبيرة على تلك المسودة، ويعزز من فرص تمريرها، خاصة في ظل ما تضمنته من بنود مستحدثة تُلبي رغبات وتطلعات مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، كما هو الحال بالنسبة لحرية تكوين الجمعيات والأحزاب وعدم حلها إلا بقرار قضائي دفع البعض إلى النظر بصورة إيجابية إلى تلك المسودة، وكان عاملًا وراء انخراط بعض القوى السياسية في الحوار المجتمعي والوطني حول تلك المسودة.

واستكمالًا للسابق، فإن عملية التغيير التي تشهدها العديد من الأحزاب السياسية على مستوى قيادتها العليا كما هو الحال بالنسبة لحزب التجمع الوطني الديمقراطي ثاني أكبر الأحزاب السياسية في المجتمع الجزائري، واكبت عملية مناقشة الدستور وتفاعلت معها إيجابًا، حيث قام الحزب بوضع رؤيته ومقترحاته الخاصة بالمسودة المطروحة للنقاش ورفعها للجنة المُكلفة بموجب القرار الرئاسي وربطها بجدول زمني وفقًا لما أعلنه الأمين العام الجديد للحزب “الطيب زيتوني”. وقد تأكدت رغبة العديد من الأحزاب في المشاركة الفعالة في المناقشات حول مسودة الدستور بعدما أبدته جبهة التحرير الوطني، وجبهة الجزائر الجديدة، وجبهة المستقبل، من اهتمام كبير بمناقشة مسودة الدستور، ورفع تقرير بالتوصيات إلى رئاسة الجمهورية وذلك وفقًا لما أعلنه “جمال بن عبدالسلام” رئيس تلك الجبهة.

إضافة لما تم ذكره، تأتي استجابة القوات المسلحة الجزائرية كإحدى المؤسسات الهامة في الواقع الجزائري لتُعزز المسار الدستوري المُقدم من جانب اللجنة المعنية، وقد تجلى ذلك في مضامين افتتاحية أحد أعداد “مجلة الجيش” الصادرة عن المؤسسة العسكرية والتي أوضحت أن مقترح مشاركة الجيش في عمليات حفظ السلام يتماشى مع السياسة الخارجية للجزائر، وتوضيح أن الأمن القومي الجزائري يتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية ويقتضي المشاركة في عمليات فرض حفظ الأمن.

وعلى الرغم من ذلك، هناك مجموعة من التحديات التي ربما تواجه مسار عملية طرح مسودة مشروع الدستور، ولعل أهمها وأبرزها هو توقيت الطرح الذي يتزامن مع تفشي جائحة كورونا، ودخول كافة مناطق الجزائر للحجر الصحي، ومنع التجمعات وغيرها، وهو الأمر الذي دفع البعض للتشكيك في نوايا السلطة الحاكمة. غير أن المتحدث باسم المؤسسة الرئاسية أوضح أن توقيت الطرح جاء استجابة لإلحاح الفاعلين السياسيين.

ويتعلق التحدي الثاني والأهم بالرفض المسبق لعدد من القوى السياسية لطريقة اختيار اللجنة المعنية بإعداد مسودة الدستور، وعلى رأسها القوى والأحزاب الإسلامية مثل جبهة العدالة والتنمية، ويستهدفون استقطاب قوى الحراك الشعبي للعودة مرة أخرى للمربع صفر، وذلك عبر الدعوة لاستبعاد اللجنة التي أعدت الدستور والعمل على إيجاد مسار توافقي آخر، وهو ما يتماشى مع نهج حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية إلى جانب كل من حركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم.

ويتعلق التحدي الثالث بانسحاب بعض الأعضاء داخل اللجنة المُشكلة لإعداد مسودة الدستور، كما هو الحال بالنسبة للقاضي فتساح أوقرقوز، الذي أعلن استقالته من اللجنة في السابع من أبريل الماضي، وذلك في ضوء تحفظاته على التعديلات المقترحة من قبل السلطة.

خامسًا: مسارات مستقبلية

استنادًا إلى التحليل السابق، يمكن القول إنه من المحتمل أن تمر عملية الاستفتاء على الدستور بأحد مسارين:

1- استكمال مسار مشروع التعديل الدستوري مع الأخذ في الاعتبار التوصيات المُقدمة: خاصة أن هناك توجهًا عامًّا لإجراء مزيد من المشاورات من جانب الفاعلين السياسيين والمؤسسات والهيئات المختلفة والمجتمع المدني، وهو ما أكدت عليه المؤسسة الرئاسية، وعلى توسيع دائرة التشاور ورفع التوصيات والمقترحات للجنة، ومن ثم استكمال الإجراءات الدستورية الخاصة به من حيث إحالته للبرلمان للتصديق عليه، ومن ثم عرضه على الاستفتاء الشعبي. ويُعزز ذلك الطرح تشبث مؤسسة الرئاسة بطرح ذلك المشروع للنقاش في ضوء تفشي فيروس كورونا وتحت مظلة الإجراءات الوقائية والاحترازية التي اتخذتها الدولة لمواجهة ذلك الفيروس وما تحظى به التعديلات من دعم المؤسسات الهامة (المؤسسة العسكرية) إضافة إلى ما تتمتع به من نقاشات واسعة من جانب الأحزاب ذات الثقل السياسي. ومن المتوقع الوصول إلى خطوة الاستفتاء الشعبي في غضون الأشهر القليلة القادمة، على أن يتم تمرير المسودة المُقترحة بعد تنقيح بعض المواد الخاصة بها قبيل نهاية العام الجاري. 

2- العودة لنقطة البداية: وهو المسار الذي ربما يُربك المشهد السياسي، وذلك انطلاقًا من سعي التيار الإسلامي إلى خلق حالة من الدعم لتوجهاته وعرقلة مسار الإصلاح. إلا أن احتمالات هذا المسار ضعيفة، خاصة بعد جنوح بعض القوى الإسلامية من الرفض التام -كما هو الحال بالنسبة لحركة الإصلاح الوطني- إلى إبداء الاهتمام بمضمون التعديلات الدستورية، حيث أبدت تجاوبها مع تلك التعديلات. علاوة على التعبئة السياسية العامة من جانب الأحزاب الوطنية المؤيدة للسلطة الحالية وبعض مؤسسات المجتمع المدني، وافتقار تلك القوى الإسلامية للقوة الفعلية في الشارع الجزائري، وهو ما كشف عنه فشل هذه القوى في دعم مرشح التيار الإسلامي “عبدالقادر بن قرينة” في الانتخابات الرئاسية ديسمبر 2019، وكل ذلك يحول دون الانخراط في هذا المسار.

ختامًا، يمكن القول إن مسودة تعديل الدستور التي تم طرحها من جانب اللجنة المُشكلة في يناير الماضي، تستهدف بشكل كبير إحداث تقويم لدستور 1996 وتنظيم السلطات الثلاث وطبيعة عملها مع إضافات لبعض الهيئات والجهات وتكرس مبدأ الفصل بين السلطات. وتُعد تلك الخطوة تجربة ديمقراطية جديدة ونقطة حيوية في مسار التحول الديمقراطي داخل الجزائر. وعلى الرغم من تباين الآراء حول مسألة ما تضمنته المسودة الدستورية، إلا أنه بات أمرًا واقعيًّا ومجالًا للنقاش العام داخل المجتمع الجزائري، رغم التحديات التي تمر بها الدولة، ويبرهن في الوقت ذاته على وجود إرادة سياسية في إحداث تغيير وتعزيز مكانة المؤسسات وبناء دولة جديدة. 

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at