loader

التوافق والإخضاع والصراع في الشرق الأوسط

طال أمد الصراعات المسلحة المشتعلة في أكثر من بلد عربي. عشر سنوات متصلة من الصراع منذ اشتعال الشرارة الأولى في سوريا وليبيا واليمن، فيما يعاني لبنان من أزمة سياسية ممتدة تزيد عمقا يوما بعد آخر. يجتاز الصراع في ليبيا منعطفا خطيرا، فيما تراجعت حدة الصراع المسلح في سوريا واليمن، دون أن يتوقف. الصراعات تنتهي إذا توصلت الأطراف لاتفاق بينها، أو إذا فرض أحد الأطراف سيطرته وأخضع الأطراف الأخرى، وفي غياب هذا وذاك تستمر الصراعات مفتوحة بلا حل أو نهاية، ويبدو أن هذا هو السيناريو المرجح لصراعات المنطقة لفترة قادمة، وعلينا الاستعداد لذلك.  تكمن أسباب الصراعات الجارية في المنطقة في الانقسامات…

د. جمال عبدالجواد

طال أمد الصراعات المسلحة المشتعلة في أكثر من بلد عربي. عشر سنوات متصلة من الصراع منذ اشتعال الشرارة الأولى في سوريا وليبيا واليمن، فيما يعاني لبنان من أزمة سياسية ممتدة تزيد عمقا يوما بعد آخر. يجتاز الصراع في ليبيا منعطفا خطيرا، فيما تراجعت حدة الصراع المسلح في سوريا واليمن، دون أن يتوقف. الصراعات تنتهي إذا توصلت الأطراف لاتفاق بينها، أو إذا فرض أحد الأطراف سيطرته وأخضع الأطراف الأخرى، وفي غياب هذا وذاك تستمر الصراعات مفتوحة بلا حل أو نهاية، ويبدو أن هذا هو السيناريو المرجح لصراعات المنطقة لفترة قادمة، وعلينا الاستعداد لذلك. 

تكمن أسباب الصراعات الجارية في المنطقة في الانقسامات القومية والثقافية والمذهبية والطائفية والمناطقية والقبلية الضاربة في عمق مجتمعات المنطقة. الانقسام بين العرب والكرد هو محرك رئيسي للصراع في تركيا والعراق وسوريا وإيران. المناطقية والقبلية هي محرك رئيسي للصراع في اليمن وليبيا. الطائفية المتوطنة في صلب الكيان اللبناني لا تكف عن تجديد الصراعات القديمة وتوليد المزيد من الصراعات الجديدة. تجديد الصراعات التاريخية بين المذاهب الدينية يقع في صلب الصراعات في سوريا والعراق ولبنان، وأيضا في اليمن. 

تجدد صراعات القوميات والمذاهب والطوائف والقبائل والمناطق هو النتيجة الطبيعية والمنطقية لأزمة الدولة الوطنية في الشرق الأوسط عموما، وفي العالم العربي على وجه الخصوص. نجحت الدولة الوطنية الحديثة لبعض الوقت في تهدئة الصراعات الفرعية، وإنشاء هوية وطنية جامعة، تضم الجميع تحت مظلتها. دخلت الدولة الوطنية في أزمة، وتعرضت للتفكك، فعادت الهويات الفرعية لملء الفراغ من جديد.

أخطر ما ينذر بإطالة أمد الصراعات في المنطقة هو سياسات التوسع والهيمنة التي تمارسها قوى إقليمية. فالضعف الذي أصاب الدولة العربية، والفراغ السياسي المترتب على غيابها، والانقسام بين مكوناتها؛ كل هذا أغرى الطامعين في تركيا وإيران على إحياء طموحات كامنة، وأطماع طالما جاهدوا لإخفائها. فقد بدت دول العالم العربي الضعيفة والمنقسمة وكأنها لقمة سائغة، أو ثمرة حان قطافها؛ وبدا التردد أو الامتناع عن انتهاز الفرصة وكأنه ضعف أو تخاذل، فاندفع الفرس والترك لاستغلال اللحظة، فتلاعبوا بالانقسامات العربية، وعمقوها، وأطالوا أمدها. 

في الشرق الأوسط قوى إقليمية متنافسة، لكل منها هويتها المميزة، ومنها ينبثق مشروعها الخاص، الذي لا يقف عند حدود دولته، وإنما يمتد ليشمل المنطقة كلها. هناك المشروع الإيراني، الذي يريد إحياء مجد إمبراطورية فارس القديمة، رافعا رايات الإسلام الشيعي. وهناك المشروع التركي الذي يريد إحياء الدولة العثمانية، رافعا رايات الإسلام السني في طبعته الإخوانية. في مواجهة تلك الأطماع هناك القابضين على الجمر من الدول العربية، والذين يكافحون دفاعا عن نموذج ومشروع الدولة الوطنية العربية في مواجهة المشاريع الإمبراطورية المذهبية القادمة من غياهب التاريخ. 

مجتمعات منقسمة، وقوى إقليمية توظف الانقسام لصالحها؛ فإما أن يصل الفرقاء المحليين والإقليميين إلى توافقات تضع حدا للصراعات؛ وإما أن ينجح بعض الفرقاء في إخضاع البعض الآخر، وكلا المسارين بعيد الاحتمال. ففي بلاد المنطقة المنقسمة، والتي تحترق بنار الصراعات، لا يلاحظ وجود جهد فكري يعتد به، أو أي تيار ثقافي وسياسي عابر لخطوط الانقسام المختلفة، وقادر على بلورة أفكار ومشروعات ورؤى ملهمة لعموم الناس، تؤكد قيمة الوطن والعيش المشترك والهوية الجامعة، التي تعترف بالتعدد، وتحتفي به، ولا تطمح لقمعه، لكنها تنظم قواعد التعايش واقتسام السلطة والثروة بين كل المكونات. هناك محاولات من جانب مثقفين، يحملون على أكتفاهم الميراث النضالي للقرن العشرين في مجالات التحرر وبناء الدولة الوطنية، لكنها محاولات محدودة، محبوسة في قاعات مغلقة، ومنصات إعلامية محدودة الانتشار، وعاجزة عن الوصول إلى عوالم الأجيال الجديدة. 

في نفس الوقت فإن القوى الإقليمية المتنافسة أبعد ما تكون عن التوصل إلى رؤية وترتيب يضع حدا للصراعات، ويمنح للمنطقة فرصة بداية جديدة. الشرق الأوسط اليوم ليس مثل أوربا في عام 1648، عندما توصلت القوى الأوربية لاتفاقات ومعاهدات وستفاليا، التي أنهت ثلاثين عاما من الحروب المذهبية التي اجتاحت القارة، فقامت على أساس هذه المعاهدات الدولة الأوربية الحديثة، ونشأ في القارة نظام إقليمي مستقر، فتح لها أبواب الازدهار، فتحولت أوربا إلى مركز العالم، المتقدم علميا وفكريا، والمزدهر اقتصاديا. دعك من التجربة الأوربية، فهذا حلم خيالي بعيد المنال على الشرق الأوسط المنهك. ماذا عن إمكانية توصل الفرقاء في المنطقة لاتفاقات وتوافقات، تشبه الاتفاقات التي أنهت الصراعات في أمريكا اللاتينية، بعد نهاية الاستعمارين الإسباني والبرتغالي في القرن التاسع عشر؟ للأسف لا أظن أن دول المنطقة قريبة حتى من هذا الاحتمال الذي لم يخلق ازدهارا، وإن سمح بقدر كاف من الاستقرار.  

قوى الإقليم عاجزة عن التوصل لاتفاق ينهي الصراعات. في نفس الوقت فإن بين هذه القوى توازن دقيق، يمنع أي منها من إخضاع الآخرين وفرض سيطرته عليهم. فلا يوجد في الشرق الأوسط قوة بحجم الصين، قادرة على فرض هيمنتها على شرق آسيا؛ ولا قوة بحجم الهند، قادرة على فرض هيمنتها على جنوب آسيا؛ وعندما يمتنع الاتفاق، ويتعذر الإخضاع، لا يبقى إلا الصراع الممتد، والنهايات المفتوحة؛ وهذه هي الحالة التي يبدو الشرق الأوسط مقدما عليها لعدة سنوات.

تمر الصراعات الممتدة من هذا النوع بموجات متتابعة من التصعيد والتهدئة؛ وبالانتقال من تكتيكات حرب الحركة إلى تكتيكات حرب المواقع، والعكس. فبينما دخلت الصراعات في سوريا واليمن في مرحلة حرب المواقع، والمناورات التكتيكية، والصراع المسلح منخفض الحدة؛ فمن غير الواضح ما إذا كان الصراع في ليبيا قد استكمل مرحلة حرب الحركة التي جرت في الغرب الليبي خلال الشهرين الأخيرين، وما إذا كانت المبادرة السياسية والعسكرية المصرية الأخيرة قد وضعت حدا للتصعيد هناك، أم أنه مازال في ليبيا، وخاصة في تركيا، المزيد من طاقة التصعيد.

في كل الأحوال، فإنه لا يوجد في الأفق حل نهائي لصراعات المنطقة، وسيكون على أهل البلاد المنكوبة بالصراعات وجيرانهم التعايش مع هذه الأزمات الممتدة، وإدارتها بأقل قدر من الخسائر لفترة طويلة قادمة. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 25 يونيو 2020

د. جمال عبدالجواد

مقالات أخرى للكاتب