وحدة التسلح

بناء القدرات العسكرية المصرية.. ضرورة أمنية وتنموية أيضًا

دأبت بعض الدوائر الإعلامية خلال الأعوام الماضية على انتقاد الإنفاق المتزايد على تسليح الجيش المصري، وعقده صفقات سلاح متطورة مع عدة دول (منها: فرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين). غير أن حملة أخرى عاودت الظهور في الآونة الأخيرة بعد الإعلان عن عقد صفقة أسلحة مع إيطاليا، متسائلةً عن جدوى هذه الصفقات في ظل وجود حاجه للإنفاق على مسارات التنمية الاقتصادية في مصر. وواقع الأمر أن هذه الجدلية ليست بجديدة، حيث نوقشت على مدى عقود من الزمن، وتم حسمها بصورة نهائية من حيث النظرية والتطبيق. ولعله من المفيد استعراض بعض جوانب هذا الجدل وما آل إليه، حتى لا يتم استغلال الأوضاع الاقتصادية لإثارة…

جاسر الشاهد
باحث متخصص في دراسات الأمن القومي

دأبت بعض الدوائر الإعلامية خلال الأعوام الماضية على انتقاد الإنفاق المتزايد على تسليح الجيش المصري، وعقده صفقات سلاح متطورة مع عدة دول (منها: فرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين). غير أن حملة أخرى عاودت الظهور في الآونة الأخيرة بعد الإعلان عن عقد صفقة أسلحة مع إيطاليا، متسائلةً عن جدوى هذه الصفقات في ظل وجود حاجه للإنفاق على مسارات التنمية الاقتصادية في مصر. وواقع الأمر أن هذه الجدلية ليست بجديدة، حيث نوقشت على مدى عقود من الزمن، وتم حسمها بصورة نهائية من حيث النظرية والتطبيق. ولعله من المفيد استعراض بعض جوانب هذا الجدل وما آل إليه، حتى لا يتم استغلال الأوضاع الاقتصادية لإثارة الشكوك، والترويج لوجود تعارض بين بناء قدرات الجيش المصري والتنمية.

لطالما جادل معارضو زيادة الإنفاق العسكري بأن طبيعة التطورات السياسية على الساحة الدولية -منذ انتهاء حقبة الاستعمار، وبدء التعاون الاقتصادي الدولي، وإنشاء التجمعات الإقليمية الاقتصادية- قد أدت إلى سعي الدول لتحقيق أهداف ذات طبيعة مختلفة لا تعتمد على القوة العسكرية، مثل: فتح أسواق جديدة، وكسب تأييد الرأي العام العالمي، وزيادة الاستثمارات الخارجية، وتحقيق دولة الرفاه.. إلخ. وقد أدركت الدول الصناعية أهمية هذا التحول، فقامت بخفض نفقاتها العسكرية وتوجيه مواردها لتنمية اقتصاداتها، وتحسين مستوى معيشة أفرادها، وتطوير أبحاثها التكنولوجية؛ إلا أن هذا التوجه الذي ترسخ بالفعل في فترة معينة لا يجب التسليم به كقاعدة في العلاقات الدولية، بل هو أمر يعتمد على السياق السياسي، ويمكن أن يتغير وفقًا لتغير المعطيات. ولعل اليابان وألمانيا يعتبران النموذج الأشهر للدول التي وجهت مواردها لتنمية اقتصاداتها في مقابل خفض كبير لإنفاقها العسكري لفترة زمنية طويلة، غير أن التطورات السياسية الحالية أعادت مرة أخرى أهمية القوة العسكرية، ودفعت هذه الدول لزيادة إنفاقها العسكري بصورة كبيرة. فنجد اليابان تعيد تفسير المادة التاسعة من الدستور، وتزيد من الإنفاق العسكري بسبب تهديدات من الصين وكوريا الشمالية لتصل إلى 48 مليار دولار في عام 2019 بزيادة قدرها 7.2% عن عام 2018. كما زادت ألمانيا أيضًا من إنفاقها العسكري بواقع 9.7% بين عامي 2018 و2019 مدفوعة بالقلق من السياسات الروسية لتتجاوز حاجز نسبة 1.2% من الناتج القومي للمرة الأولى منذ أكثر من ربع قرن.

وظهرت توجهات فكرية كثيرة خلال القرن العشرين، استعرضها الأكاديمي “بول جارنيت” في إحدى مقالاته، تروج لفكرة ضرورة خفض الإنفاق على التسلح لكلفته المادية الكبيرة، والتي يمكن أن توجه بدلًا من ذلك إلى عمليات التنمية. وقد اعتبر هذا الفريق عملية التسلح بمثابة “سوء تخصيص للموارد”. بل إن الرئيس الأمريكي السابق “أيزنهاور” قد دعم هذ التوجه، وقال إنه بمنطق الفرصة البديلة، فإن سعر قاذفة قنابل واحدة يعادل سعر بناء 30 مدرسة، أو إنشاء محطتي كهرباء لخدمة 60 ألف نسمة، أو بناء مستشفيين كبيرين، أو رصف أكثر من 50 ميلًا من الطرق السريعة”. كما ظهرت أفكار تشير إلى أن زيادة القوة العسكرية الكبيرة للجيوش ستؤدي إلى ظهور مراكز قوى داخل الدول، وتركز السلطة في أيدي مجموعة من العسكريين تستطيع بواسطتها تحديد مصائر الشعوب. وقد حذر الرئيس “أيزنهاور” نفسه -في هذا الصدد- من تنامي نفوذ ما أطلق عليه “المجمع العسكري” في الولايات المتحدة. 

غير أن كل هذه الأفكار والانتقادات وقفت عاجزة أمام معضلة عدم الرغبة في زيادة الإنفاق العسكري وبناء جيوش قوية من ناحية، وبين ضرورة وجود هذه القوة العسكرية للحماية من الأخطار الخارجية والحفاظ على كيان الدولة الديمقراطية ذاتها، من ناحية أخرى. وقد آلت كل هذه المحاذير والانتقادات لعمليات التسلح وزيادة الإنفاق العسكري إلى التسليم في النهاية بعدم القدرة على التخلي عن زيادة القوة العسكرية، وأن أي آثار سلبية ناجمة عن زيادة الإنفاق وبناء القدرات العسكرية لا تُقارن بضياع الأوطان واحتلال الأراضي.

قلل كثيرون من قدرة القوة العسكرية على تحقيق الأهداف السياسية وجدواها في فرض أمر واقع في العلاقات الدولية المعاصرة. واستخدم هؤلاء أمثلة عديدة للتدليل على ذلك، منها عدم قدرة الولايات المتحدة بما تملكه من قوة عسكرية كبيرة على تحقيق أهدافها في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، والصومال. إلا أن هذا الرأي مردود عليه بأن المشكلة لا تكمن في فشل القوة العسكرية في حد ذاتها. وإذا استحضرنا حالة الولايات المتحدة نفسها، فسنجد أن استخدامها للقوة العسكرية النووية بصورة حاسمة ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية –رغم عدم الإقرار بمشروعية استخدام الأسلحة النووية- أدى إلى إخضاع اليابان واستسلامها. يُضاف إلى ذلك أن القوة العسكرية تمنح الدول بالتبعية قوة سياسية ودبلوماسية، وأن قدرة الدول على الضغط السياسي والدبلوماسي تتناسب طرديًّا مع قوتها العسكرية التي تظل حاضرة في ذهن الدول الأخرى وقت المفاوضات. وبجانب استخدامها كورقة ضغط أثناء المفاوضات، تعمل القوة العسكرية كبديل –في حال فشل العملية الدبلوماسية– لتبدأ عملية تفاوضية أخرى تحتوي على قدر أكبر من العنف، أو كما سماها المفكر تي سي شيلينج “دبلوماسية العنف”.

كما جادل آخرون بأن الحروب نادرًا ما تنشب “بين الدول” في العصر الحديث، وأن الصراعات العسكرية تقع في الوقت الحالي “داخل الدول”، وأن هذا الأمر بالتالي لا يستدعي عقد صفقات سلاح ضخمة. إلا أن الواقع يدلل على أن القوة التدميرية للأسلحة الحديثة، وتوازن الرعب في حالة القوى العظمي، هو ما أدى إلى قلة عدد الحروب بين الجيوش النظامية، بل إن هذه الحجة في ذاتها أكدت حقيقة أن السلام هو نتيجة لزيادة القوة العسكرية.

وفي السياق المصري، ادعت بعض الدوائر أنه لا يوجد أي داعٍ لعقد صفقات أسلحة حديثة للجيش المصري، باعتبار أنه توجد اتفاقية سلام مع إسرائيل، وتناست هذه الأطراف أن تسأل نفس الأسئلة للأطراف الإقليمية الأخرى التي تطور ترساناتها العسكرية بوتيرة متصاعدة، مع فشل كل الترتيبات الأمنية واتفاقات نزع أسلحة الدمار الشامل التي تمت محاولة التوصل إليها في المنطقة. يُضاف إلى ذلك، إغفال هؤلاء المنتقدين للأخطار المحدقة بالأمن القومي المصري من الغرب والجنوب والشمال والصراع على حقول الغاز. إن التطورات الإقليمية الحالية، وتبني بعض اللاعبين الإقليميين مثل إسرائيل وتركيا وإيران سياسات توسعية قائمة على التدخل العسكري في الدول المجاورة، والصراع على مصادر الطاقة، واستخدام ميليشيات مسلحة لإسقاط بعض الدول؛ يضع صانع القرار في مصر -أيًّا كانت خلفيته السياسية- أمام ضرورة تعظيم القوة العسكرية لحماية الأمن القومي المصري، والحفاظ على عجلة التنمية.

إن الدعوة للتخلي عن الإنفاق العسكري بدعوى توجيهه إلى أنشطة تنموية، تنم عن فكر سياسي ساذج أو مغرض، أو بحسب وصف الأكاديمي “هيدلي بول” “فكر فاسد لا يصلح للتعامل مع حقيقة العلاقات الدولية وآلياتها”. وعلى ذلك، فالتوقف عن بناء القدرات العسكرية المصرية لن يؤدي إلى زيادة التنمية، بل إلى دعوة آخرين للسيطرة على مقدرات الدولة الاقتصادية. إن مصر تحتاج إلى فترة من الاستقرار تكون فيه قادرة على تحييد الأخطار الإقليمية للتركيز على عملية البناء الداخلي والتنمية، ونرى أن هذا الاستقرار لن يتأتى إلا بقدرات عسكرية كبيرة تعمل كرادعٍ لأي محاوله تهدف إلى تعطيل عملية التنمية.

ولعل أهمية بناء القدرات العسكرية أمر لا يحتاج إلى التوضيح في حسابات صانع القرار في مصر، إلا أننا نجد أنه من الضروري في هذه المرحلة تحويل هذه الرؤية الواضحة إلى سياسات إعلامية تخاطب الرأي العام بصورة علمية، وألا يُترك لدوائر إعلامية تحاول إقناعه بأن القدرات العسكرية للجيش المصري تتعارض مع التنمية وتتحقق على حساب أوضاعه الاقتصادية.

جاسر الشاهد
باحث متخصص في دراسات الأمن القومي