loader

من يتولى توفير السلع العامة داخل النظام العالمي؟

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

النظام العالمي شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسي لبقاء النظام وعمله بفعالية. الأنظمة الاقتصادية الوطنية لا يمكنها العمل بكفاءة دون توافر “سلع عامة” محددة مثل الأمن، والتشريع، والعدالة، وسيادة القانون.. إلخ. انهيار هذه “السلع” أو عدم توفيرها بالفعالية المطلوبة يفتح المجال أمام بدء حالة من الفوضى وربما انهيار النظام. الأمر ذاته بالنسبة للنظام العالمي؛ هناك قائمة من السلع العامة لابد من توفرها حتى يعمل النظام الاقتصادي العالمي -والاقتصادات الوطنية نفسها- بكفاءة. هذه السلع العالمية العامة تشمل قائمة ليست قليلة، أبرزها الأمن العالمي، وحرية الملاحة، وحرية التجارة، واحترام القانون الدولي والمعاهدات…

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

النظام العالمي شأنه شأن الأنظمة الاقتصادية الوطنية؛ هناك سلع عامة لابد من اضطلاع طرف بإنتاجها وتوفيرها كشرط رئيسي لبقاء النظام وعمله بفعالية. الأنظمة الاقتصادية الوطنية لا يمكنها العمل بكفاءة دون توافر “سلع عامة” محددة مثل الأمن، والتشريع، والعدالة، وسيادة القانون.. إلخ. انهيار هذه “السلع” أو عدم توفيرها بالفعالية المطلوبة يفتح المجال أمام بدء حالة من الفوضى وربما انهيار النظام. الأمر ذاته بالنسبة للنظام العالمي؛ هناك قائمة من السلع العامة لابد من توفرها حتى يعمل النظام الاقتصادي العالمي -والاقتصادات الوطنية نفسها- بكفاءة. هذه السلع العالمية العامة تشمل قائمة ليست قليلة، أبرزها الأمن العالمي، وحرية الملاحة، وحرية التجارة، واحترام القانون الدولي والمعاهدات الدولية، وتوفير السيولة العالمية للدول المأزومة… إلخ. لكن يظل السؤال المهم: من الذي يجب أن يضطلع بتوفير هذه السلع، ووفق أي شروط، وما هو المقابل؟ 

لقد وصل التنظيم العالمي إلى مستوى متقدم، حيث بات هناك العديد من المؤسسات الدولية التي تقوم على توفير بعض هذه السلع وتطويرها. من ذلك صندوق النقد والبنك الدوليين اللذان يضطلعان بالعمل على توفير السيولة المالية اللازمة للدول المأزومة اقتصاديا، ومنظمة التجارة العالمية التي تضطلع بتحرير التجارة وحمايتها، ومجلس الأمن الذي يضطلع بحماية السلم والأمن الدوليين، بالإضافة إلى قائمة مهمة من المؤسسات والوكالات الأممية التي تضطلع بوظائف فنية محددة في مجالات عدة. لكن فعالية هذه المؤسسات تشهد في بعض المراحل تراجعا ضخما لأسباب عديدة، أبرزها أنها تظل رهنا بإرادات الدول الأعضاء، وقدراتها المالية والفنية، الأمر الذي يعني الحاجة إلى اطلاع طرف دولي -كشرط إضافي- للوقوف على مدى توفر وفعالية هذه “السلع العامة”. 

إحدى نظريات العلاقات الدولية المهمة اعتمدت على هذا المدخل لتفسير عمليات الانتقال والتحول داخل النظام العالمي، والتي عُرفت باسم نظرية “استقرار الهيمنة”. أحد الاتجاهات الأساسية داخل النظرية ذهبت إلى أنه لاستقرار النظام العالمي وعمله بكفاءة لابد من وجود “دولة مهيمنة” على هذا النظام، تضطلع بتوفير وحماية “السلع العامة” داخله. والافتراض المطروح هنا أن بناء هذا النظام والحفاظ عليه يحتاج إلى موارد مالية ليست بإمكان أي دولة توفيرها أو تحملها. “الدولة المهيمنة” فقط هي التي لديها الاستعداد والقدرة على القيام بذلك. ومن ثم، فإن غياب/ أو فشل هذه “الدولة المهيمنة” في توفير هذه الموارد وتحمل “التضحيات” الضرورية لحماية هذا النظام يؤدي إلى انهياره. وتزداد الأهمية النسبية لهذا الدور في أوقات الأزمات الاقتصادية المالية الكبيرة، حيث يصبح على الدولة المهيمنة هنا -وفق بعض المنظرين- توفير خمس وظائف أساسية، هي ضمان حرية السوق، وتوفير القروض طويلة المدى، وتوفير نظام مستقر لأسعار الصرف، وتنسيق السياسات الاقتصادية الكلية، وأخيرا القيام بدور “الملاذ الأخير” للحصول على القروض وتوفير السيولة. 

الدولة المهيمنة في هذه الحالة تحقق مكاسب اقتصادية وأمنية ضخمة مقابل هذا الوضع المتميز داخل النظام الاقتصادي العالمي. كذلك، فإن هذا الوضع يحقق مكاسب لجميع الدول الأخرى، بغض النظر عن حجمها، بل ذهب بعض أتباع النظرية إلى أن استفادة الدول الصغيرة يكون أكبر من الدول الكبيرة، وذلك بالنظر إلى ضعف مساهمة الأولى في تكاليف وأعباء الحفاظ على هذا النظام من ناحية (التحرر من تكاليف الهيمنة)، وعدم خضوعها لضغوط الإنفاق العسكري الضخم للحفاظ على أمنها القومي داخل النظام، من ناحية أخرى. بمعنى آخر، فإن وضع الدول الصغيرة يضمن لها الاستفادة من وضع “الراكب المجاني” داخل النظام العالمي. وفي المقابل، يتراجع حجم استفادة الدول الأكبر نسبيا بالنظر إلى تحملها جزء من تكاليف الدفاع عن حرية التجارة، بجانب الإنفاق الدفاعي الأكبر على أمنها القومي. 

ووفقا للنظرية أيضا فإن الانتقال من نظام عالمي إلى آخر يحدث عبر دورات متتالية من الهيمنة، حيث لا توجد هيمنة دائمة. وتنهار الهيمنة القائمة -بحسب أحد المنظرين- نتيجة عوامل عدة، منها رفض وحدات النظام العالمي الالتزام بحالة الهيمنة تلك بسبب سوء استغلال الدولة المهيمنة لوضع الهيمنة الذي تتمتع به، أو عدم العدالة في توزيع عوائد وتكاليف النظام الاقتصادي الحر وحرية التجارة، أو نتيجة لعدم قدرة الدولة المهيمنة على تحمل تكاليف بقاء هذا النظام بسبب ارتفاع هذه التكاليف أو ما يمكن وصفه بتراجع “المنفعة الحدية” للهيمنة، أو بسبب الزيادة في التكلفة الناتجة عن حالات “الراكب المجاني” داخل النظام. 

النظرية بمقولاتها الرئيسية السابقة تعيننا على فهم وتفسير المرحلة الراهنة في النظام العالمي إلى حد كبير. مظاهر عدة تشير إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على تحمل “أعباء الهيمنة”، وتراجع القدرة على توفير وحماية السلع العامة، بدءا من الأمن العالمي (طلب تحمل الشركاء والحلفاء المزيد من الأعباء الأمنية والالتزامات المالية)، وحرية التجارة (التوسع في الرسوم الجمركية وبدء حرب تجارية مع قوى دولية عدة)، وحرية الملاحة الدولية (طلب مشاركة الحلفاء مسئولية حماية حرية الملاحة في مضايق دولية مهمة). أضف إلى ذلك ما كشفت عنه جائحة كورونا من محدودية الدور الأمريكي العالمي في مواجهة هذا النوع من الأزمات الدولية. 

السياسة الأمريكية إزاء هذه السلع العامة المهمة داخل النظام العالمي قد تكون جزءا من توجهات خاصة بالإدارة الأمريكية الراهنة، لكن هذا لا ينفي وجود تحولات دولية عميقة تنال من وضع “الهيمنة” الأمريكية وقدرتها على الاضطلاع بهذا الدور العالمي، الأمر الذي يطرح سؤالا كبيرا حول من يتولى توفير هذه “السلع العامة” داخل النظام العالمي خلال المرحلة القادمة؟ سواء بشكل منفرد أو جماعي. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 21 يونيو 2020

محمد فايز فرحات
رئيس تحرير الموقع الإلكتروني، ورئيس وحدة الدراسات الآسيوية

مقالات أخرى للكاتب