وحدة الدراسات الأمريكية

الأجندة الغائبة: هل تُجدد “رايس” ميراث “أوباما” في الشرق الأوسط؟

قبل ١٧ عامًا التقيت “سوزان رايس” (الباحثة البارزة في مؤسسة بروكينجز للأبحاث في واشنطن) بينما كنت زميلًا زائرًا في المؤسسة البحثية الأكبر في الولايات المتحدة. كانت “رايس” أول سيدة سوداء تصل إلى مكانة رفيعة في مؤسسة بروكينجز العريقة التي كانت -ولا تزال- مصنعًا مهمًّا للمسئولين الكبار في الإدارات الأمريكية (أغلبيتهم من الديمقراطيين)، ولم أكن أتصور حينها أن الباحثة الهادئة، والمتجهمة نوعًا، التي تولت منصب مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية في عهد “بيل كلينتون” -الولاية الثانية- ستعود بعد سنوات قليلة مستشارًا للأمن القومي إلى جوار الرئيس “باراك أوباما” وتثير كثيرًا من الغبار في علاقة بلادها بالشرق الأوسط. اليوم، تعود دورة الزمن…

عزت إبـراهيم

قبل ١٧ عامًا التقيت “سوزان رايس” (الباحثة البارزة في مؤسسة بروكينجز للأبحاث في واشنطن) بينما كنت زميلًا زائرًا في المؤسسة البحثية الأكبر في الولايات المتحدة. كانت “رايس” أول سيدة سوداء تصل إلى مكانة رفيعة في مؤسسة بروكينجز العريقة التي كانت -ولا تزال- مصنعًا مهمًّا للمسئولين الكبار في الإدارات الأمريكية (أغلبيتهم من الديمقراطيين)، ولم أكن أتصور حينها أن الباحثة الهادئة، والمتجهمة نوعًا، التي تولت منصب مساعد وزير الخارجية للشئون الإفريقية في عهد “بيل كلينتون” -الولاية الثانية- ستعود بعد سنوات قليلة مستشارًا للأمن القومي إلى جوار الرئيس “باراك أوباما” وتثير كثيرًا من الغبار في علاقة بلادها بالشرق الأوسط.

اليوم، تعود دورة الزمن مجددًا بالأمريكية من أصل إفريقي، التي هاجر أجدادها من جامايكا، لتتصدر القائمة القصيرة للمرشحين لمنصب نائب المرشح الديمقراطي “جوزيف بايدن” في انتخابات نوفمبر المقبل في صعود درامي من مساعدة في مجلس الأمن القومي إلى سفيرة في الأمم المتحدة إلى مستشار الأمن القومي، وتقترب من التتويج نائبًا للرئيس لو نجح “بايدن” في الإطاحة بالرئيس الحالي “دونالد ترامب”.

تضمّ القائمة القصيرة -إلى جانب “رايس”- كلًّا من السيناتور “إليزابيث وارن” من ولاية ماساتشوستس، و”كامالا هاريس” من كاليفورنيا، وهما الأبرز في مواجهة “رايس” مع ثلاثة آخرين. وبات في حكم المؤكد أن يختار “بايدن” سيدة للمنصب، وهو الذي قال بالفعل إنه سيختار امرأة كمرشحة نائبة له؛ إلا أن الدعوات تزايدت لاختيار امرأة ملونة بسبب الدور الكبير الذي لعبه الناخبون السود في طريق “بايدن” نحو الترشيح، ولمواجهة تيار العنصرية وعدم المساواة الذي أزعج الأمة الأمريكية بعد وفاة “جورج فلويد” الضحية السوداء بعد أن ضغط ضابط شرطة أبيض بركبته على عنقه لعدة دقائق، وتم التقاطها بالفيديو في مدينة مينابوليس.

كما أن وجود سيدة سوداء في منصب نائب الرئيس سيكون سابقة في الحزب الديمقراطي أيضًا. ولا يمكن القول إنها تمثل شرائح السود التي تعاني من الغبن السياسي والاجتماعي، فهي ابنة أحد رؤساء بنك الاحتياطي الفيدرالي السابقين، وثروة عائلتها تبلغ 20 مليون دولار؛ إلا أن نقطة القوة أن جدها الأكبر كان من العبيد. وقد استخدم “بايدن” في مناسبة انتخابية سيرة “رايس” ليضرب بها المثل قبل أن يقول: “في أمريكا، بغضّ النظر عن المكان الذي تبدأ فيه حياتك، يجب ألا يكون هناك حد لما يمكنك تحقيقه”.

وترتبط “رايس” بعلاقة جيدة مع الرئيس السابق “أوباما” وقيادات عديدة في الحزب الديمقراطي بفضل خبراتها في السياسة الخارجية، وبعد مواجهة إدارة “ترامب” بانتقادات عنيفة بعد مغادرتها البيت الأبيض مما جعلها هدفًا للجمهوريين، وهي كانت هدفًا على مدى ثماني سنوات بعد تصريحاتها التي أعقبت هجوم بنغازي الشهير في ٢٠١٢ ثم اتهامها قبل الخروج من البيت الأبيض بالتجسس على “مايكل فلين”، أول مستشار للأمن القومي في إدارة “ترامب”، على الرغم من أن السجلات التي رُفعت عنها السرية من قبل إدارة “ترامب” لا تُظهر أي دليل على وصول “رايس” بشكل غير صحيح إلى أي معلومات.

إذا اختار “بايدن” “رايس” جزئيًّا لأنها امرأة سوداء، فستكون تلك مفارقة بحسب ما قاله موقع “نيوبوستن بوست” المحافظ. ففي كتابها Tough Love، كتبت “رايس” أن ما أثار حماستها بشأن “باراك أوباما” هو أنه “لم يكن رمزًا لعصر الحقوق المدنية، ولا “رجلًا عرقيًّا” كما اعتاد والدي على استدعاء أولئك الذين نظروا إلى العالم في المقام الأول من خلال العرق. لقد كان قائدًا أمريكيًّا جديدًا للجميع. مثل أطفالي، كان أسود وأبيض معًا”. وفي موضع آخر تقول “رايس” عن العرق: “ليس الجزء الوحيد أو حتى الجزء الأساسي من هويتي”. 

بشكل نفعي، “بايدن” يمكن أن يختار امرأة سوداء، والدفع -في الوقت نفسه- ضد سياسة الهوية التي يجدها العديد من ناخبي “ترامب” والمستقلين قمعية في تجاوزاتها. 

المفارقة الأخرى أن نجل “رايس” ينتمي إلى الحزب الجمهوري، ويُدعى “جيك رايس كاميرو”، وهو ناشط مؤيد لترامب في ستانفورد. في نوفمبر 2019، قالت “رايس” لصحيفة “الجارديان” عن “جيك”: “وصف نفسه بأنه محافظ على أفكار ريجان.. إنه ينتمي للنزعة العالمية، ويؤمن بالقيادة الأمريكية القوية، ويؤمن بتحالفاتنا. لدينا مفهوم متشابه للغاية بشأن أين تكمن التهديدات والتحديات”. في هذا الشأن، يمكن أن تساعد “رايس” في تبديد أي مخاوف عن تراجع إدارة “بايدن” عن القيادة العالمية للولايات المتحدة. اليوم، يقف “بايدن” إلى يمين “ترامب” بشأن السياسة تجاه الصين، وتؤيد “رايس” صراحة إبقاء القوات الأمريكية في مكانين محددين (سوريا وألمانيا) حيث يريد “ترامب” سحب بعض القوات منهما.

في فترة التظاهرات الشعبية في الشرق الأوسط، يكشف “أندروا ميللر”، المسئول السابق عن مصر في مجلس الأمن القومي الأمريكي، في ندوة بوقفية كارنيجي للسلام الدولي بواشنطن في فبراير الماضي، أن “الأصوات داخل الإدارة التي كانت تضغط من أجل دعم الديمقراطية (فيما سمي بالربيع العربي) قد طغى عليها أصوات أولئك الذين كانوا يحثون الإدارة لتبقى موالية للزعماء الاستبداديين الراسخين”. وقال: “كان من الصعب للغاية الحصول على أي انتصار، وكانت الانتصارات التي حققناها في كثير من الأحيان عابرة”. وأوضح “ميللر” أن كبار مسئولي مكافحة الإرهاب والدفاع، بمن فيهم مستشار الأمن القومي “توماس دونيلون”، والمساعد الخاص “دينيس روس”؛ نجحوا في تهدئة جهود مستشار السياسة الخارجية “بن رودس”، وسفيرة الأمم المتحدة “سوزان رايس”، والمساعدة الخاصة “سامانثا باور” وآخرين، لاحتضان المحتجين المؤيدين للديمقراطية. وقال إن النتيجة كانت أن البيت الأبيض “لم يكن داعمًا واضحًا وثابتًا للديمقراطية”.

هنا نعرف أين كانت تقف “سوزان رايس”!

كيف سيكون التعامل مع “رايس” وهي إلى جانب الرئيس “المحتمل” بايدن؟

الخبرات السابقة للتعامل بين “بايدن” نائب أوباما و”رايس” مستشارة الأمن القومي تشير إلى حدوث اختلافات حول بعض السياسات، حيث يمتلك “بايدن” رصيدًا هائلًا في مجلس الشيوخ يتسم بكثير من الواقعية والرؤية الأوسع للمصلحة الأمريكية أكثر بكثير من التيارات التي تدعو إلى إعلاء راية الحريات والديمقراطية كورقة ضغط في السياسة الخارجية الأمريكية. كما أنّ متغيرات النظام الدولي، وصعود قوى أخرى منافسة مثل روسيا والصين، تفرض قواعد جديدة للعبة، وأهمها التعامل على أسس تُعلي من المصلحة الأمريكية، ومن ثم يكون صعود التيار المعتدل في الحزب الديمقراطي أمرًا حتميًّا لضمان سياسة خارجية مختلفة وتغيير في السياسات العالمية يعيد ثقة الناخبين في معسكر الديمقراطيين والليبراليين.

عزت إبـراهيم