وحدة الدراسات الاقتصادية

تأثير جائحة كورونا على تحويلات العاملين

شهدت العديد من المتغيرات الاقتصادية في اقتصادات العالم ومصر اضطرابات قوية بسبب فيروس كورونا. ومن بين هذه المتغيرات تحويلات العاملين بالخارج. وتعد تحويلات العاملين بالخارج من ضمن التحويلات الجارية بدون مقابل. كما أنها تعد مصدرًا أساسيًّا لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد. ويؤثر حجم تحويلات العاملين بالخارج على الدولة بشكل عام وعلى القطاع العائلي بشكل خاص. فعلى مستوى الدولة بشكل عام، يؤثر حجم التحويلات في حجم إيرادات الدولة مما يؤثر على ميزان مدفوعاتها، وعلى قدرتها على خدمة ديونها الخارجية، وعلى الناتج المحلي والنمو الاقتصادي. أما بالنسبة لتأثيرها على القطاع العائلي فيكون من خلال تأثيرها على دخل هذا القطاع. ويكون تأثيرها على…

كَنزي سيرِج

شهدت العديد من المتغيرات الاقتصادية في اقتصادات العالم ومصر اضطرابات قوية بسبب فيروس كورونا. ومن بين هذه المتغيرات تحويلات العاملين بالخارج. وتعد تحويلات العاملين بالخارج من ضمن التحويلات الجارية بدون مقابل. كما أنها تعد مصدرًا أساسيًّا لتدفقات النقد الأجنبي في البلاد. ويؤثر حجم تحويلات العاملين بالخارج على الدولة بشكل عام وعلى القطاع العائلي بشكل خاص. فعلى مستوى الدولة بشكل عام، يؤثر حجم التحويلات في حجم إيرادات الدولة مما يؤثر على ميزان مدفوعاتها، وعلى قدرتها على خدمة ديونها الخارجية، وعلى الناتج المحلي والنمو الاقتصادي. أما بالنسبة لتأثيرها على القطاع العائلي فيكون من خلال تأثيرها على دخل هذا القطاع. ويكون تأثيرها على مستوى معيشة الأسر من خلال التأثير في قدرتهم على توفير مستوى معيشي مرتفع. 

يناقش هذا المقال أولًا تأثير فيروس كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم، ومن ثم تأثيره في مصر.

أولًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في العالم 

تقوم تحويلات العاملين بالخارج بالتخفيف من حدة الفقر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وتحسين التغذية، كما أنها تساهم في رفع حجم الإنفاق على التعليم، والحد من عمالة الأطفال في الأسر الفقيرة. لذلك، يؤثر انخفاض التحويلات على قدرة الأسر على الإنفاق على هذه المجالات، حيث سيتم توجيه المزيد من مواردها المالية إلى تكاليف الغذاء والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية. وتعتمد حجم تحويلات العاملين بالخارج على مستوى أجور وتوظيف العمال المهاجرين الذين يميلون إلى أن يكونوا أكثر عرضة لفقدان وظائفهم وأجورهم خلال الأزمات الاقتصادية. 

على المستوى العالمي ووفقًا للبنك الدولي، من المتوقع أن تنخفض التحويلات العالمية بشكل حاد بنحو 20% في عام 2020 بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا وسياسة الإغلاق، وهو ما يُعد أكبر انخفاض لهذه التحويلات في التاريخ الحديث. ويتوقع أن تنخفض التحويلات إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بنسبة 19.7% لتصل إلى 445 مليار دولار، مما يمثل خسارة لمصدر أساسي للتمويل للعديد من الأسر في البلدان النامية. وذلك يجعل من الضروري تقصير الوقت اللازم للتعافي في الاقتصادات المتقدمة التي تمتص نسبة كبيرة من العمالة الأجنبية. كما أنه يتوقع أن تنخفض تدفقات التحويلات في جميع مناطق مجموعة البنك الدولي، حيث من المتوقع أن تنخفض في أوروبا وآسيا الوسطى بحوالي 27.5%، تليها إفريقيا جنوب الصحراء بــ23.1%، وجنوب آسيا بنسبة 22.1%، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 19.6%، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 19.3%، وأخيرًا شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 13%.

ويأتي الانخفاض الكبير في تدفقات التحويلات في عام 2020 بعد أن وصلت التحويلات للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​إلى رقم قياسي بلغ 554 مليار دولار في عام 2019. وحتى مع هذا الانخفاض، من المتوقع أن تصبح تدفقات التحويلات أكثر أهمية كمصدر للتمويل الخارجي للبلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​نتيجة انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث من المتوقع أن يكون الانخفاض في الاستثمار الأجنبي المباشر أكبر من الانخفاض في تحويلات العاملين بالخارج (من المتوقع أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أكثر من 35%). كما أنه في عام 2019، أصبحت تدفقات التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر.

ووفقًا للبنك الدولي، فإنه من المتوقع في عام 2021 أن تتعافى التحويلات إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، وأن ترتفع بنسبة 5.6% لتصل إلى 470 مليار دولار. ولكن، لا تزال التوقعات بالنسبة للتحويلات غير مؤكدة، حيث إنها تعتمد على سرعة السيطرة على انتشار المرض، واكتشاف لقاح له، وعودة فتح البلاد واستئناف الأعمال.

كانت التحويلات في الماضي معاكسة للدورات الاقتصادية، حيث كان في أوقات الأزمات في الوطن يقوم العاملون بالخارج بإرسال المزيد من الأموال إلى أسرهم في الوطن. ولكن في هذه الأزمة العالمية، وحيث إن الوباء في جميع أنحاء العالم، انخفضت التحويلات بسبب الاضطرابات في جميع الدول وتوقف الأعمال وغلق البلاد.

وفي محاولة لتسهيل الإجراءات لتسهيل إرسال التحويلات وتلقيها، وهو ما يمكن أن يوفر الدعم الذي يحتاجه المهاجرون وأسرهم، يقوم البنك الدولي بمساعدة الدول الأعضاء في مراقبة تدفق التحويلات من خلال قنوات مختلفة، وتكاليف إرسال الأموال وتسهيلها، ولوائح لحماية السلامة المالية التي تؤثر على تدفقات التحويلات، وذلك أيضًا في محاولة من البنك الدولي ودول مجموعة العشرين للحد من تكاليف التحويلات وتحسين الشمول المالي للفقراء.

ثانيًا- تأثير كورونا على تحويلات العاملين بالخارج في مصر 

تطورت تحويلات العاملين في مصر بشكل سريع خلال السنوات القليلة الماضية، حيث باتت مصر تعتمد على تحويلات العاملين بالخارج بنسبة كبيرة، حيث بلغت تحويلات العاملين بالخارج في عام 2018 نحو 10.17% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ المتوسط العالمي لهذه التحويلات في نفس هذا العام استنادًا إلى بيانات 170 دولة نحو 4.93%.

يتضح من بيانات الشكل رقم (1)، أن تحويلات العاملين بالخارج كانت في تزايد بشكل عام على مر السنين، خاصة بعد تعويم الجنيه، حيث زادت قيمة التحويلات بنسبة 27.8% في العام المالي 2016/2017. ووفقًا لبيانات ميزان المدفوعات الصادر عن البنك المركزي، بلغ حجم تحويلات العاملين بالخارج 6712.6 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 13.6% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 5908.9 مليون دولار، و6963.9 مليون دولار في الربع الثاني من العام المالي 2019/2020 بزيادة بنسبة 15.15% عن الربع نفسه في العام السابق الذي بلغ 6047.8 مليون دولار. مما يشير إلى أنه كان من المتوقع ارتفاع التحويلات هذا العام قبل أزمة جائحة كورونا.

وقد توقع تقرير للبنك الدولي أن تتراجع تحويلات العاملين المصريين في الخارج بنسبة 21.5% خلال العام الجاري مقارنة بنمو بلغت نسبته 5% في العام الماضي. وبناء على دراسة لمعهد التخطيط القومي، هناك ثلاثة سيناريوهات لحجم تأثير فيروس كورونا على قيمة تحويلات المصريين العاملين بالخارج. 

السيناريو الأول (المبني على افتراض أن تستطيع العمالة المصرية العالقة العودة إلى أعمالها) يتوقع أن تصل قيمة التحويلات خلال العام المالي 2019/2020 إلى 22.3 مليار دولار تحقق منها بالفعل 13.6 مليار دولار. 

السيناريو الثاني (المبني على افتراض عدم إمكانية رجوع العمالة العالقة، والاستغناء عن بعضها، وعدم التجديد لأي عقود قديمة، والتوقف عن قبول عقود جديدة) يتوقع التقرير أن تصل قيمة تحويلات المصريين إلى 21.5 مليار دولار عام 2020. وبافتراض تحسن ظروف التعافي في الأسواق الخليجية، فيتوقع أن ترتفع قيمة التحويلات إلى 24.9 مليار دولار في 2021. 

السيناريو الأخير (المبني على افتراض أن تتركز عمليات التسريح على العمالة المهاجرة من حاملي التأشيرات المؤقتة، واتباع سياسات انكماشية في الخليج، والالتزام بسياسات تقشفية، وذلك في ظل سيناريو تدهور النمو العالمي إلى أقل من 3%) يتوقع أن تكون التحويلات في حدود 13.4 مليار دولار في 2020، وأن تتحسن قليلًا لتصل إلى 18.7 مليار دولار في العام المقبل.

وقد قامت العديد من الدول مثل قطر والكويت بالفعل بتخفيض العمالة الأجنبية في الكثير من القطاعات وبتخفيض أجورهم، وجاء هذا خاصة بعد انخفاض أسعار البترول إلى جانب القيود الأخيرة على السفر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وذلك من أجل تخفيض التكاليف وتقليل العبء على ميزان المدفوعات. ففي قطر، أصدرت وزارة المالية تعليمات لخفض التكاليف الشهرية للموظفين غير القطريين بنسبة 30٪، بداية من الأول من يونيو والذي سيكون عن طريق خفض رواتب العاملين أو تسريحهم بإشعار مدته شهرين. وقامت الكويت أيضًا بالتخطيط لوقف تعيين العمال الأجانب في قطاع البترول، وقام بعض الممثلين التشريعيين في البرلمان الكويتي بصياغة مشروع قانون يقترح تحديد حصص للعمال الأجانب، بحيث يمكن أيضًا الحفاظ على التوازن الديموغرافي في البلاد، والذي يقترح ألا يتجاوز العمال الهنود أكثر من 15٪ من إجمالي سكان البلاد و10٪ للعمال المصريين، مما يعني أنه سيتم ترحيل أكثر من 844000 هندي وحوالي 50000 مصري. وهذا ما يشير إلى أن تحويلات العاملين بالخارج ستنخفض أكثر في الفترة القادمة مما سيؤثر سلبًا بنسبة أكبر على توقعات النمو. كما أنه يشير أيضًا إلى احتمال ارتفاع نسبة البطالة في الفترة المقبلة.

كَنزي سيرِج