تقدير موقف

سيناريوهات التصعيد الفرنسي التركي في ليبيا

صعّدت باريس موقفها، الأحد الموافق 14 يونيو الماضي، تجاه التدخلات التركية في ليبيا، واصفة إياها بـ”غير المقبولة”، ومؤكدة أنّ “فرنسا لا يمكنها السماح بذلك”، وفق ما صدر عن الإليزيه. وقالت فرنسا التي تكثف منذ أشهر انتقاداتها للطموحات الإقليمية التركية، إنّها “سياسة أكثر عدوانية وتصلبًا من قبل تركيا مع نشر سبع سفن قبالة ليبيا، وانتهاك الحظر المفروض على التسليح”. وأضافت الرئاسة الفرنسية أنّ “الأتراك يتصرفون بطريقة غير مقبولة عبر استغلال حلف شمال الأطلسي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك”. وأوضح البيان أنّ الرئيس “إيمانويل ماكرون” تباحث بهذا الشأن خلال الأسبوع الجاري مع نظيره الأمريكي “دونالد ترامب”، وأنه ستُجرى مباحثات خلال الأسابيع المقبلة…

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية

صعّدت باريس موقفها، الأحد الموافق 14 يونيو الماضي، تجاه التدخلات التركية في ليبيا، واصفة إياها بـ”غير المقبولة”، ومؤكدة أنّ “فرنسا لا يمكنها السماح بذلك”، وفق ما صدر عن الإليزيه. وقالت فرنسا التي تكثف منذ أشهر انتقاداتها للطموحات الإقليمية التركية، إنّها “سياسة أكثر عدوانية وتصلبًا من قبل تركيا مع نشر سبع سفن قبالة ليبيا، وانتهاك الحظر المفروض على التسليح”.

وأضافت الرئاسة الفرنسية أنّ “الأتراك يتصرفون بطريقة غير مقبولة عبر استغلال حلف شمال الأطلسي، ولا يمكن لفرنسا السماح بذلك”. وأوضح البيان أنّ الرئيس “إيمانويل ماكرون” تباحث بهذا الشأن خلال الأسبوع الجاري مع نظيره الأمريكي “دونالد ترامب”، وأنه ستُجرى مباحثات خلال الأسابيع المقبلة مع شركاء حلف شمال الأطلسي المنخرطين ميدانيًّا.

وتوالت التصريحات الفرنسية، إذ قال مسئول بوزارة الدفاع الفرنسية، يوم الأربعاء الموافق 17 يونيو، الذي يتوافق وبدء اجتماعات وزراء دفاع دول حلف الأطلسي (الناتو)، بأنه ينبغي للحلف الأطلسي ألا يدفن رأسه في الرمال فيما يتعلق بتصرفات تركيا الأخيرة تجاه أعضائه، واتهم البحرية التركية بالتحرش بسفينة حربية فرنسية تنفذ مهمة للحلف.

وسبق لـ”ماكرون” أن أعرب عن أسفه لصمت الحلف الذي يضم تركيا، بخصوص الهجمات العسكرية التركية على الجماعات الكردية المسلحة في سوريا، حليفة القوى الغربية في مكافحة الجماعات الإرهابية في سوريا. وكان “ماكرون” قد قال في نوفمبر الماضي إنّ حلف شمال الأطلسي صار يعاني من “موت سريري”، أرجعه للسكوت على تلك الهجمات. وبصفة عامة، فإن فرنسا ترى أن أزمة الحلف تعود إلى الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة ببنوده، وميل بعض الدول الأعضاء (تركيا تحديدًا) إلى اتخاذ قرارات ذات طابع استراتيجي دون التشاور مع باقي الأعضاء، ودون أي اعتبار لمصالحهم، وأخيرًا إلى التركيز المبالغ فيه على التهديد الروسي على حساب التهديد الإرهابي الذي تراه فرنسا أشد خطرًا بصفة عامة. 

مصالح متعارضة

أحد محركات السياسة الخارجية التركية هي مصالحها الاقتصادية، وبعضها موجود منذ فترات طويلة. فقد أبرمت تركيا -من خلال شركات تركية- تعاقدات مع ليبيا في عهد “القذافي” بنحو 16 مليار دولار. المخاوف الاقتصادية التركية تبلورت في ثلاثة محاور رئيسية؛ هي: النفط، وعقود الإعمار، وغاز شرق المتوسط، يُضاف إليها بُعد شخصي رئيسي هو مصلحة صهر “أردوغان” رئيس الشركة المتعاقدة على إمداد الجيش التركي بالطائرات بدون طيار.

انعكست تلك المصالح في التحركات والتصريحات التركية، حيث أعلنت تركيا أنها في طريقها الآن للفوز بعقود إعادة الإعمار، والوصول إلى حقول الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وحتى الحصول على شريحة من احتياطيات النفط الليبية. حيث صرّحت شركة النفط الوطنية الليبية مؤخرًا بأن الإنتاج استؤنف في حقل شرارة النفطي (أكبر حقل في البلاد) الذي أغلقته قوات الجيش الوطني الليبي منذ شهور. ويُنتج شرارة الواقع على بعد 900 كم (560 ميلًا) جنوبي طرابلس 315 ألف برميل يوميًّا، أي ما يقرب من ثلث إنتاج ليبيا الخام.

وتحمل التحركات التركية أبعادًا استراتيجية وسياسية، فإلى جانب الأطماع في ثروات ليبيا وشرق المتوسط؛ فإن ليبيا قد تكون نقطة انطلاق تجاه منطقة الساحل والصحراء وتجاه بعض الدول الإفريقية. كذلك فإن الملف الليبي يزيد من ضغوط تركيا على الاتحاد الأوروبي، مما يجعل قدرته على مقاومة المطالب التركية أضعف بسبب تشتيت قواه بين العديد من الجبهات (الحرب في سوريا، والهجرة غير الشرعية، وغاز شرق المتوسط، واللاجئون السوريون، ومحاربة داعش، وتأمين منطقة الساحل والصحراء). وقالت خبيرة فرنسية نافذة، إن “تحكم أردوغان في ملف الهجرة من ليبيا سيكون كارثة”.

في المقابل، تتعدد المصالح الفرنسية، التي تتعارض بشكل واضح مع المصالح التركية، وعلى رأسها ملف الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي منطقة النفوذ الرئيسية لفرنسا، فقد خرج “ماكرون” محذرًا من خطورة التدخل التركي وارتباطه بمنطقة الساحل الافريقي، لا سيما بعد هروب عدد من المقاتلين الذين نقلتهم أنقرة إلى ليبيا، ووصولهم إلى أوروبا، مما أكد شكوك بعض المسئولين الفرنسيين في قدرة الأتراك على التحكم الكامل في العناصر الجهادية وعلى ضبط تحركاتهم. وكشفت تقارير استخباراتية حينها عن تواصل مقاتلي “بوكو حرام” مع جماعات مسلحة في مناطق نفوذ حكومة الوفاق وتركيا.

يُضاف لذلك حساسية الموقف الفرنسي من الابتزازات التركية للاتحاد، سواء بتهديدها بتسهيل نقل الدواعش الأوروبيين، أو بفتح الحدود لانتقال ما يزيد على 3.5 ملايين مهاجر إلى الاتحاد، وأخيرًا قيامها بعمليات التنقيب غير المشروع في المياه الإقليمية للاتحاد، سواء من ناحية اليونان أو قبرص. وكذلك معارضتها للهجوم التركي على الأكراد، والذي سبق أن هاجمت الناتو بسببه، باعتبار أن الأكراد من العناصر المهمة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ولا تغيب الأبعاد الاقتصادية التي ترسخ تعارض مصالح البلدين، حيث يتنافس البلدان على عقود استخراج النفط. فشركة توتال الفرنسية لها استثمارات في منطقة الهلال النفطي، وكانت تجري مفاوضات مؤخرًا حول عقود جديدة مع السلطات في بنغازي. وكذلك الرغبة في الاستحواذ على أكبر قدرٍ من عقود الإعمار التي تقدر مبدئيًّا بحوالي ٦٠٠ مليار دولار.

سيناريوهات التصعيد التركي الفرنسي في ليبيا

1- التصعيد الفرنسي ضد تركيا 

تتزامن المعطيات الجديدة في ليبيا مع انطلاق عملية “تاكوبا” الأوروبية التي تضم قوات خاصة للتدخل السريع. وهذه العملية تسعى لسد الفراغات التي لم تسيطر عليها عملية “برخان” في منطقة الساحل. وفي هذا الإطار، لن يُناسب أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص أن يخسر الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير “خليفة حفتر” سيطرته على مناطق الجنوب، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، فرنسا تريد إحداث تغيير في عقيدة عمل حلف الناتو وفي استراتيجية العمل الأوروبي تجاه القضايا العالمية لتكون هناك إيجابية أكثر، وليبلور مواقف أكثر تماسكًا في ظل الموقف الأمريكي من الحلف. وقد ظهر ذلك في إطلاق الاتحاد عملية “إيريني” بعد مؤتمر برلين كسبيل لتعزيز التواجد الأوروبي في الملف الليبي.

وقد تقدّم الاتحاد الأوروبي بمبادرة للناتو من أجل إيجاد سبيل للتنسيق مع عملية “سي غارديان” التابعة للناتو والجارية الآن في شرق المتوسط، بعد أن منع الجيش التركي سفينة يونانية تعمل ضمن المهمة “إيريني” من تفتيش سفينة شحن يشتبه في انتهاكها الحظر الدولي على التسلح في ليبيا. ويلاحظ أن بعض المراقبين يعتبرون هذا العرض الأوروبي اعترافًا ضمنيًّا بفشل في مواجهة الأتراك.

وتُعَدُّ فرنسا أحد حلفاء الناتو القليلين الذين يمتلكون أداة عسكرية خضعت للاختبار العمليّ في ميدان القتال؛ بدءًا من عملياتها في الساحل وبلاد الشام، ووصولًا إلى إسهاماتها في تحقيق الأمن الشامل للاتحاد الأوروبي (هي على سبيل المثال شاركت في مناورات عسكرية في النرويج). وتعهَّدت فرنسا كذلك بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 2٪ من ثروتها الوطنية بحلول عام 2025. ولدعم هذا الالتزام، أدرجت وزارة الجيوش الفرنسية في مشروع قانون البرمجة العسكرية (2019-2025) مجهودًا غير مسبوق للقوات المسلحة بقيمة 198 مليار يورو خلال السنوات الخمس الأولى، بما يعظم من دورها وقدرتها في الميدان الليبي.

2- صعوبة مواجهة تركيا عسكريًّا 

حاليًّا للجيش الفرنسي مهارات وثقافة استراتيجية ومعارف لا تنكر، إلا أنه ما زال يعاني من نقاط ضعف أهمها استخدام الطيارات بلا طيار “الدرونز”، والقدرة على النقل الجوي التكتيكي والاستراتيجي للقوات، والقدرة على القضاء على الدفاع الجوي للعدو في أحوال القتال الكثيف. وبالتالي، لن تستطيع فرنسا التدخل دون دعم أمريكي، وهذا مستبعد لا سيما في الغياب الحالي لتأييد ألماني واضح للموقف الفرنسي.

إضافة إلى ذلك، هناك توجس أوروبي وألماني من التدخل، فالرئيس “أردوغان” لاعب أساسي في السياستين الخارجية والداخلية الألمانية، ويمتلك أوراقًا عديدة، منها: التهديد بإشعال ملف الهجرة واللاجئين مرة أخرى، وورقة الـ5 ملايين تركي الذين يعيشون في ألمانيا. وللرئيس التركي تأثير قوي على عدد كبير منهم، مما يسمح له بالتهديد باختلاق مشكلات كبيرة. 

ولا يعني هذا أن العلاقات بين المستشارة “ميركل” والرئيس “أردوغان” جيدة، بل هي متوترة ولكن برلين تلتزم الحرص نظرًا لعمق العلاقات بين البلدين. وفي المقابل، فإن ألمانيا قد تقتنع بضرورة منع أنقرة من التحكم في الهجرة من ليبيا، وقد ترغب في التقارب مع الفرنسيين، أو في التعبير عن استقلالها عن واشنطن؛ إلا أننا لا نرجّح اتخاذها مثلَ هذا الموقف نظرًا لعدم تعاطف المستشارة “ميركل” مع الفرنسيين بصفة عامة ومع آخر ثلاثة رؤساء بصفة خاصة. وبالإضافة إلى ذلك فإن ألمانيا ملتزمة بتقوية الناتو، وتتشكك دائمًا في النوايا الفرنسية تجاهه، وأكدت برلين دائمًا أهمية دور الولايات المتحدة فيه، هذا الدور الذي هاجمه “ماكرون” بسبب تخاذله عن حماية الأكراد في سوريا.

وأخيرًا، محدودية القدرات الفرنسية في تغيير دفة تحركات الناتو رغم أهمية وقدرات جيشها؛ فمساهماتها المالية في ميزانيته أقل من مساهمات غيرها. فقد بلغت ميزانية النفقات العسكرية والمدنية للحلف في عام 2019 نحو 1.67 مليار يورو (1.84 مليار دولار) بحسب إحصاءات الناتو. وتدفع الولايات المتحدة حاليًّا أكثر من 22% من هذه الميزانية، بينما تُساهم ألمانيا بـ14.76%، وكل من فرنسا وبريطانيا بأقل من 10.5% لكل واحدة منهما. أما فيما يخص الإنفاق على الدفاع بشكل عام فإن الولايات المتحدة تدفع 70% من مجمل ما تدفعه الدول الأعضاء بالحلف على دفاعها. بالإضافة إلى مساهمتها بالعدد الأكبر من القوات.

لذا تظلّ مباركة الولايات المتحدة للتحرك هي الأهم، وهو ما يُعدّ مستبعدًا، لأنه -من وجهة النظر الأمريكية- سيُرسخ التواجد والمصالح الروسية بليبيا. بالإضافة إلى أن الدعم الذي طلبه الاتحاد من الحلف بخصوص العملية “إيريني” يرتبط بموافقة جميع دول الحلف والتي تعد تركيا منهم، مما قد يعرقل هذا التنسيق بشكل أساسي. وبصفة عامة، يخشى الأمريكيون وبعض الدول الأخرى من قيام تركيا بالانسحاب من الناتو.

3- الاتجاه نحو تقسيم مناطق النفوذ الليبية بين تركيا وروسيا 

أبرزت الرئاسة الفرنسية قلقها البالغ من اتفاق بين تركيا وروسيا “يخدم مصالحهما” على حساب مصلحة ليبيا، محذرة من “خطر تفلّت الأزمة من أيدي الجميع”. ويرجع هذا القلق إلى النجاحات السابقة لموسكو وأنقرة في التوصل إلى تفاهمات في سوريا وليبيا ذاتها، حيث أتاحت أنقرة الوقت للقوات الروسية لترك قاعدة الوطية.

إلا أن التوصل إلى تفاهمات يعني عدم الاكتراث بأي من الفاعلين الدوليين أو الإقليميين من أصحاب التأثير في الملف وعلى رأسهم فرنسا ومصر وإيطاليا والإمارات، وعدم الاكتراث باختيار الشعب الليبي وتحويل ليبيا إلى سوريا جديدة، مما قد يُفرز مقاومة واستنزافًا جديدًا لتركيا لا يبدو أنها قادرة على تحمله على المدى الطويل حتى مع وجود الدعم القطري.

4- بقاء الوضع على ما هو عليه 

في ظل هذا السيناريو، ستحاول تركيا تحقيق عدد من الانتصارات المحدودة دون تهديد للمناطق الرئيسية لتمركزات الجيش الوطني الليبي وميليشيات فاجنر المحسوبة على روسيا، وخاصة مناطق استخراج البترول الرئيسية. وعليه ستستمر النبرة العدائية بين الطرفين التركي والفرنسي، تلك النبرة المستمرة منذ فترة طويلة دون انعكاس واضح على الأرض.

في الختام، تظل الأمور وتطورها وضبطها مرتبطة إلى درجة كبيرة بقرارات الفاعل الأمريكي الذي وافق على التحركات التركية بعد تواجد روسيا في ليبيا، وسيكون له صوت في تحديد المساحات المتروكة للفاعلين الدوليين المتنازعين. وفي الوقت الراهن، فالأدوات الأوروبية بشكل عام محدودة للغاية، خاصة أن أوراق الضغط التركية متشابكة. ومن ثم، ستظل فرنسا داعمة لمسار عدم التصعيد على أدنى تقدير، مع اتجاهها نحو تأمين مناطق نفوذها، ومراقبة تحركات الإرهابيين ومساراتهم القادمة من ليبيا. إلا أن المزيد من الضغط التركي سيضعها حينها في واجهة الأمر، ولكن سيظل تحركها مرتبطًا بمناطق النفوذ الرئيسية الخاصة بتأمين إمدادات النفط وحماية الحدود الجنوبية لليبيا.

لذا فإن بلورة الدعم الدولي لصالح المسار التوافقي الذي قدمته مصر في مبادرتها يظل المسار الأفضل، ويجب الدفع في اتجاه تجميع القوى الدولية المنخرطة والدول المحيطة بليبيا وذات المصلحة للضغط على الأطراف المحلية من أجل حل وطني هو الأنجع في تلك الحالة.

الشيماء عرفات
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية