مقال تحليلي

هل يستقر الإقليم بعد “أردوغان”؟

نعم يستقر؛ فقد كان مستقرًّا قبله، وكان مستقرًّا منذ صعود حزبه إلى السلطة منذ 2003 ومعظم العقد الأول من الألفية الجديدة؛ حيث كان منكفئًا على داخل بلده لتنفيذ “روشتة” الاتحاد الأوروبي لكي يلتحق به كحلم كبير يراوده منذ أن غيّر أجداده الأبجدية العربية إلى اللاتينية وبحكم الجوار الجغرافي النسبي، حيث أبقت اتفاقية لوزان 1920 على إسطنبول (العاصمة الاقتصادية) داخل حدود أوروبا، بعد أن أجبرت الاتفاقية الدولة العثمانية على الانكماش داخل حدودها السابقة في آسيا الصغرى بعد هزيمتها هي وحلفائها في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، حيث لم تكن هناك آلية دولية فاعلة مثل الأمم المتحدة، بل كان المنتصر يُملي شروطه على…

لواء أ. ح. دكتور محمد قشقوش

نعم يستقر؛ فقد كان مستقرًّا قبله، وكان مستقرًّا منذ صعود حزبه إلى السلطة منذ 2003 ومعظم العقد الأول من الألفية الجديدة؛ حيث كان منكفئًا على داخل بلده لتنفيذ “روشتة” الاتحاد الأوروبي لكي يلتحق به كحلم كبير يراوده منذ أن غيّر أجداده الأبجدية العربية إلى اللاتينية وبحكم الجوار الجغرافي النسبي، حيث أبقت اتفاقية لوزان 1920 على إسطنبول (العاصمة الاقتصادية) داخل حدود أوروبا، بعد أن أجبرت الاتفاقية الدولة العثمانية على الانكماش داخل حدودها السابقة في آسيا الصغرى بعد هزيمتها هي وحلفائها في الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، حيث لم تكن هناك آلية دولية فاعلة مثل الأمم المتحدة، بل كان المنتصر يُملي شروطه على المهزوم لينفذها صاغرًا.

بعد المرحلة الأولى الناجحة، مر “أردوغان” بعدة مراحل في سياسته الخارجية، تدرجت من السيئ إلى الأسوأ. وكانت ردود أفعاله مرتبطة بإخفاقاته الخارجية والداخلية، حيث تدرج من مرحلة الاستقرار الأولى، إلى مرحلة رفض الاتحاد الأوروبي انضمام تركيا والتي مثلت ضربة مؤلمة، فأخذ في التوجه الخارجي الذي تزامن مع الفوضى المصاحبة لما أُطلق عليه “الربيع العربي” للتمدد في فراغ الماضي للدولة العثمانية. ثم جاءته الضربة التالية بسقوط نظام الإسلام السياسي في مصر، حيث معقله ومكان منشأه، إلى أن كانت الضربة الأخيرة -حتى الآن- التي أصابته بالسعار وهي الانقلاب الفاشل عليه من الجيش والشرطة وفئات أخرى من صفوة وعامة الشعب كما سيرد. 

أولًا: رفضه من الاتحاد الأوروبي

كانت أهم بنود روشتة الاتحاد الأوروبي خارجيًّا وداخليًّا هي مقاييس الاتحاد ذاتها. خارجيًّا؛ لا يصح أن تكون دولة مستعمرة أو محتلة لأراضي الغير بالقوة اتساقًا مع ميثاق الأمم المتحدة. ورغم ذلك، فقد ظل الشمال القبرصي محتلًّا بواسطة تركيا منذ عام 1975، أي قبل “أردوغان”، ولكن كان يجب عليه أن يُنهي هذا الاحتلال غير المتسق مع عضوية الاتحاد الأوروبي والمبني بالخطأ على اتفاقية سيفر الملغاة باتفاقية لوزان اللاحقة، حيث نصت الأولى على انكماش الدولة العثمانية إلى حدودها القديمة مع الإبقاء على الأجزاء الناطقة بالتركية، وهو ما ارتكنت إليه تركيا لغزو الشمال القبرصي ذي الجذور التركية والناطق بلغتها. في المقابل، لم تفعل اليونان ذلك بالجزء الباقي من الجزيرة، حيث كان يطلق عليه قبرص اليونانية والتي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي مما أغضب “أردوغان”.

كانت فلسفة الإلغاء لاتفاقية سيفر أنه لو طُبق مقياس اللغة هذا لاحتل نصف العالم نصفه الآخر! ورغم ذلك لم تحترم دول أخرى ذلك، حين اتخذته روسيا غطاء لغزو واقتطاع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا مما عرضها لعقوبات اقتصادية أمريكية وأوروبية، ولكن “أردوغان” كان سعيدًا بهذه القرينة حتى بعد رفضه أوروبيًّا لأنها تتماشى مع استمرارية احتلاله واستعماره للشمال القبرصي في وقت زال فيه الاحتلال والاستعمار إلى غير رجعة، حيث لجأ “أردوغان” إلى معاقبة أوروبا لاحقًا بإغراقها بالمهاجرين عبر تركيا، خاصة من شمال العراق وسوريا، إبان الحقبة الداعشية وحتى الآن، خاصة عبر اليونان الجار اللدود عضو الاتحاد الأوروبي وزميل حلف الأطلنطي.

داخليًّا؛ كان المطلوب أوروبيًّا من “أردوغان” تطبيق مقاييس الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان دون تمييز عرقي أو طائفي، وقد حاول ذلك في البداية ونجح فيه نسبيًّا، وكان يمكن أن يستمر ويقوى، إلى أن اتضح أن المشكلة تكمن في شخصيته الديكتاتورية التسلطية المريضة. وظهر ذلك لاحقًا في التعامل بعنف مفرط مع تجمعات ومظاهرات ميدان “استقلال”، وأيضًا بعد فشل الانقلاب دون البحث عن أسبابه وجذوره. ولم يلتزم بعدم التمييز تجاه الأقلية الكردية في جنوب تركيا المتاخم للشمال السوري المشابه، ونسي أن جنوبه قد اقتُطع من الأراضي السورية بعد لوزان وبتواطؤ مع فرنسا التي بسطت انتدابها على الشام منذ 1923 حيث اقتطعت تركيا الشريط الحدودي السوري من الإسكندرونة إلى عين العرب مرورًا بنصيبين وديار بكر، بل وصنفت حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية.

ثانيًا: الربيع العربي والتمدد الخارجي 

كانت تلك وجهته الجديدة بعد أن أدار الاتحاد الأوروبي إليه ظهره، لينشئ مناطق نفوذ جديدة اقتصادية وعسكرية، سواء لمبيعات السلاح أو التواجد الفعلي بإنشاء قواعد عسكرية تركية، بدأت في 2011 بالصومال متزامنة مع الربيع العربي وانتهت -حتى الآن- بليبيا عام (2019-2020)، مرورًا -جغرافيًّا- بشمال سوريا وشمال العراق وقطر والسودان، ومحاولات في اليمن على استحياء مراعاة لإيران مورده الرئيسي من البترول. وقد بدأها “أردوغان” بنفسه في الصومال وأشرف عليها رئيس أركان الجيش التركي الجنرال “خلوصي”، لملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الدولية. 

 ومن اللافت للنظر -ولا أقول السخرية- أن ديباجة الاتفاقيات الأمنية الخاصة بإنشاء القواعد التركية لدى معظم الدول المذكورة تقول: “يحق لكلا الدولتين أن تقيم قواعد عسكرية لدى الدولة الأخرى لدعمها وحفاظًا على أمنها القومي”، بمعنى أن يحق لأي من الصومال أو قطر أن تقيم قواعد عسكرية في تركيا لدعمها وحفاظًا على أمن تركيا القومي! كما يحب “أردوغان” أن يغلّف هذا التمدد والتواجد العسكري بغلاف التاريخ المشترك بما يعكس الرغبة الداخلية المهترئة بإحياء أجزاء من الدولة العثمانية البائدة.

ثالثًا: سقوط الإسلام السياسي في مصر

كان هذا السقوط مدويًا لأسباب كثيرة؛ إذ كانت مصر حتى ذلك الوقت معقل الإسلام السياسي ومنشأه، كما كان نظام الإخوان هو أول نظام إسلام سياسي يصل إلى سدة الحكم في أكبر بلد عربي انتخابيًّا، وكانت لديه فرصة ذهبية، فقد جاء بعد عقد من الزمان امتزج فيه الفساد باللا مبالاة بمشروع التوريث، ثم جاءته فرصة أخرى عندما طلبت الملايين انتخابات رئاسية مبكرة وكان على النظام أن يقبل؛ فإما البقاء في السلطه بشرف وإما المغادرة بكرامة.

لقد كان شخص “مرسي” أقرب إلى مندوب لقيادته داخل القصر الرئاسي؛ فرفض وتضاعفت الملايين وتمت إزاحته عبر ثورة شعبية. كما لم يستطع “مرسي” أن يُثبت عكس ما قاله أحد زعمائه بأن “الوطن ليس إلا حفنة من التراب (العفن)”! فإذا كان هذا هو الوطن في نظره فماذا يتبقى؟ ولم يدرك “مرسي” هو وأقرانه أن هذا التراب (المقدس) دفع فيه الرجال الشرفاء دماءهم وحياتهم ثمنًا لحريته وكرامته. 

أُسقط في يد “أردوغان” وسقط حلم محور تركيا- مصر- قطر الذي كان من المنتظر أن تؤيده الولايات المتحدة وحلفاؤها من الإسرائيليين والأوروبيين أملًا في إبعاد الأنشطة المتطرفة. كما سقط معه لقب أمير المؤمنين الذي يعشقه من مريديه ودراويشة، ليناصب مصر العداء شعبًا وجيشًا ورئيسًا، ولا يلبث أن يهاجمها في كل مناسبة، ويتمنى أن يحاصرها بشتى السبل، ويعتبر أنه اقترب من ذلك بوجوده المخزي في ليبيا بما جلبه من المرتزقة وحقق بهم تقدمًا ميدانيًّا، ولكن مصر تعرف جيدًا حدود ومدى تهديد أمنها القومي الذاتي والمشترك مع جبرانها وكيف ومتى تصونه.

رابعًا: الانقلاب التركي على “أردوغان”

أصابت المحاولة الانقلابية “أردوغان” بالسعار، وكشفت عن مكنون شخصيته الديكتاتورية الانتقامية المريضة، فكان من المتوقع أن يقدم كبار المسئولين عن الانقلاب للمحاكمة، سواء من العسكريين أو الشرطيين أو الفئات الأخرى، ولكن ليس بعشرات الآلاف بالإضافة إلى آلاف أخرى من صفوة المجتمع من القضاة وأساتذة الجامعات ورجال الإعلام. كما أن هذه الأرقام تعطي دلالتين؛ إما البطش المفرط والانتقام العشوائي، وإما الكراهية الشاملة له على المستويين الشعبي والعسكري، وكلاهما أسوأ. 

كما أن الجيش والشرطة لم ينسيا أن كرامتهما قد جُرحت بشدة بتجريد المقبوض عليهم من ملابسهم في الشارع والتنكيل بهم بواسطة رجاله على مرأى ومسمع من العالم، مما قد يعرّضه لانقلاب آخر، بالإضافة إلى خسارته رصيدًا إضافيًّا شعبيًّا يصب في صالح المعارضة التي تفوقت عليه في انتخابات إسطنبول مرتين رغم الإعادة غير الدستورية، والتي كان هو عمدتها الأسبق وصاحب مقولة “من يحكم إسطنبول يحكم تركيا”، ويبدو أن نبوءته في طريقها إلى التحقيق، بالإضافة إلى انتقال العديد من رجاله ووزرائه المهمين إلى صفوف المعارضة أو الاستقالة احتجاجًا على سياساته الخارجية التي جلبت وتجلب المتاعب إلى تركيا من كل اتجاه إقليميًّا ودوليًّا.

خامسًا: من أين يستمد “أردوغان” نفوذه؟ 

نرى أن ذلك يرتكز على خمسة محاور، هي: الموقع الجغرافي الجيوستراتيجي، والعضوية الفاعلة في حلف الأطلنطي، واقتصاد (روشتة) الاتحاد الأوروبي، وعلاقة متميزة مع إسرائيل لاسترضاء أمريكا أو تحييدها، والتمويل القطري. 

1- الموقع الجغرافي الجيوستراتيجي: الاتصال اليابس لجنوب روسيا ودول آسيا الوسطى إلى أوروبا عبر ممري البسفور والدردنيل التركيين لصادرات الغاز والبترول، وإغلاق تلك الممرات في حالة الحرب يجعل من البحر الأسود بحرًا مغلقًا على أساطيل دوله، خاصة روسيا، ويعطي تركيا أكبر ساحل جنوبي على البحر المتوسط وبحر إيجة في شرق المتوسط الذي أضافه إلى أجندة متاعبه الإقليمية.

2- العضوية الفاعلة في حلف الأطلنطي، حيث تساهم تركيا بثاني أكبر جيش بعد الولايات المتحدة مما يعطيها أفضلية نسبية، كما أن موقها الجيوستراتيجي جعل قواعد الحلف على أراضيها -خاصة النووية- في حلق الاتحاد السوفيتي ووريثته روسيا لاحقًا، وهو ما جعل سكرتير الحزب يدافع عن غزوه لشمال سوريا.

3- الطفرة الصناعية لتحقيق مقاييس الالتحاق بالاتحاد الأوروبي مما أفادها، خاصة في المرحلة السابقة وانضمامها لمجموعة العشرين، ولكنها بدأت في التراجع، حيث تأتي في مقدمة الدول المدينة خارجيًّا. كما أن توجهها للتصنيع العسكري وتصديره أفادها ماليًّا، ولكنه أضر بقطاعات اقتصادية أخرى.

4- علاقة متميزة مع إسرائيل مقابل رضاء أمريكا، وبالتالي غض الطرف عن مشاكل مثل قبرص واليونان وليبيا، بالإضافة إلى أن هناك علاقات صناعية وعسكرية مهمة، وكذلك خط غاز “أشكلون- جيهان”، فضلًا عن موقف ضعيف من اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل وعلى استحياء كأمير للمؤمنين.

5- التمويل القطري الذي مكّن “أردوغان” من الذهاب بعيدًا في غيّه الفردي أو المشترك، مع استغلال وجوده العسكري في قطر كعنصر ضغط بأنه حامي قيادتها داخليًّا، وضد العداء الخليجي وبعض العربي خارجيًّا.

كان يمكن أن تستمر تركيا والوطن العربي رصيدًا إضافيًا للآخر، نظرًا للجوار البري والبحري والتاريخي، لكن حقبة “أردوغان” الزائلة لا محالة لم تضر بذلك فحسب، بل أضرت بدوائرالمصالح التركية ذاتها، الإقليمية والدولية، بما أسماه البعض بلطجة الحقبة الأردوغانية، بما يعيدنا إلى عنوان المقال: (هل يستقر الإقليم بعد أردوغان؟) والإجابة: نعم، يستقر بعده كما كان مستقرًّا قبله.

لواء أ. ح. دكتور محمد قشقوش