تقدير موقف

كيف ستؤثر موجة الاحتجاجات على الانتخابات الأمريكية؟

اجتاحت الولايات المتحدة احتجاجات عارمة على خلفية مقتل الأمريكي من أصل إفريقي “جورج فلويد” خنقًا تحت قدم شرطي أثناء محاولة توقيفه في 25 مايو 2020 بمينيابوليس. وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة طويلة للحوادث العنصرية التي يعاني منها ذوو الأصول الإفريقية واللاتينية. ويمكن وصف هذه الموجة من الاحتجاجات بالأكبر على الإطلاق منذ ستينيات القرن الماضي. لذا، فرضت أربعون مدينة على الأقل حظرًا للتجول، بما في ذلك لوس أنجلوس وشيكاجو وأتلانتا، في حين طلبت ما يقرب من 26 ولاية مساعدة الحرس الوطني.  وكنتيجة لاندلاع تلك الاحتجاجات في العام المقرر لعقد الانتخابات الرئاسية، تم توظيف التعامل معها كورقة سياسية. فقد برز تباين واضح…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

اجتاحت الولايات المتحدة احتجاجات عارمة على خلفية مقتل الأمريكي من أصل إفريقي “جورج فلويد” خنقًا تحت قدم شرطي أثناء محاولة توقيفه في 25 مايو 2020 بمينيابوليس. وتأتي هذه الحادثة ضمن سلسلة طويلة للحوادث العنصرية التي يعاني منها ذوو الأصول الإفريقية واللاتينية. ويمكن وصف هذه الموجة من الاحتجاجات بالأكبر على الإطلاق منذ ستينيات القرن الماضي. لذا، فرضت أربعون مدينة على الأقل حظرًا للتجول، بما في ذلك لوس أنجلوس وشيكاجو وأتلانتا، في حين طلبت ما يقرب من 26 ولاية مساعدة الحرس الوطني. 

وكنتيجة لاندلاع تلك الاحتجاجات في العام المقرر لعقد الانتخابات الرئاسية، تم توظيف التعامل معها كورقة سياسية. فقد برز تباين واضح بين “التعاطي الحاسم” للرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مع هذه الاحتجاجات، وبين “الدعم المتأرجح” من جانب منافسه الديمقراطي “جو بايدن”، الأمر الذي أثار تساؤلات حول تأثير تلك الاحتجاجات على مصير الانتخابات القادمة في نوفمبر 2020. 

“ترامب”.. التعامل الحاسم

عمد الرئيس “ترامب” إلى التعامل مع موجة الاحتجاجات بشكل حاسم من أجل العمل على إنهائها سريعًا، لكن لا يمكن إغفال أن تعامله معها حمل بُعدًا سياسيًّا أيضًا. فقد اتجه “ترامب” بداية إلى التعاطف مع الحادثة، حيث أعرب عن صدمته إزاء وفاة “فلويد”، واتصل بأسرته لمواساتها، كما وعد بتطبيق العدالة، وقال في تغريدة له نشرت في 28 مايو، إن “مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل يُجريان بالفعل، بطلب مني، تحقيقًا في وفاة جورج فلويد المؤسفة جدًّا والمأساوية في منيابوليس”.

وفي أعقاب ذلك، شدد “ترامب” على ضرورة مواجهة تلك الاحتجاجات بصرامة، وأدلى ببيان أكد فيه اتخاذ “إجراءات فورية” لتعبئة “جميع الموارد الفيدرالية المتاحة” لوقف أعمال الشغب والنهب في جميع أنحاء البلاد. كما هدد بنشر الجيش إذا لم ترسل الولايات الأمريكية الحرس الوطني لتفريق الاحتجاجات. كما عمد إلى التنديد بما وصفه “الإرهاب الداخلي”، معتبرًا أن من يقود الاحتجاجات إرهابيون محليون، مشددًا على أنه سيحارب “من أجل الحفاظ على البلاد آمنة”. متهمًا حركة “أنتيفا” بأعمال نهب وتخريب، متوعدًا بتصنيفها “حركة إرهابية”. ثم عدل عن فكرة استدعاء الجيش قائلًا: “لا توجد حاجة للاستعانة بالجيش للتصدي للاحتجاجات”، معتبرًا أن “الحرس الوطني قادر على السيطرة”. 

ومن بين الأمور الملفتة، وقوع خلافٍ جديد بين “ترامب” وحكام بعض الولايات بشأن طريقة مواجهة الاحتجاجات، حيث وصف “ترامب” معظم حكام الولايات بأنهم “ضعفاء” لعدم تضييق الخناق بصورة أكبر على الفوضى. وفي السياق ذاته، تميز تعامل الشرطة مع الاحتجاجات بالتباين؛ فرغم أن اندلاع الاحتجاجات جاء لرفض عنف الشرطة، إلا أن بعض التحليلات أشارت إلى أن عددًا من الشرطيين لم يتعلموا الدرس، ولم يتراجعوا عن العنف في تعاملهم مع الاحتجاجات، وذلك في مقابل إعلان بعض إدارات الشرطة في عدد من المدن عن تضامنها مع الاحتجاجات، وقيامهم بالجثو على ركبهم. 

ومن المفارقات في المشهد الحالي، اتجاه الرئيس “ترامب” مترجلًا إلى كنيسة “القديس يوحنا” المجاورة لمقر الرئاسة والتي طالتها أعمال التخريب، رافعًا الكتاب المقدس ومرددًا “لدينا بلد عظيم”، وأضاف: “هذا أعظم بلد في العالم، وسوف نضمن أمنه”، الأمر الذي يعد بمثابة استغلال واضح للدين واستدعاء له في المشهد السياسي، في خطوة لا تحمل فقط رسالة لأنصاره من المحافظين المتدينين والإنجيليين، وإنما قد تحمل رسالة إضافية مفادها أنه يقود معسكر الخير في وجه معسكر الشر الذي يقوده معارضوه. واتجهت “ماريان بادي”، رئيس قساوسة واشنطن في الكنيسة الأسقفية البروتستانتية، إلى انتقاد هذا التصرف.

“جو بايدن”.. الدعم المتأرجح

استغل الحزب الديمقراطي حادثة مقتل “فلويد” والاحتجاجات التي اندلعت في أعقابها للنيل من الإدارة الحالية، من أجل تمهيد الطريق أمام مرشحه الديمقراطي “بايدن”. فقد عمد الحزب الديمقراطي إلى تأييد ودعم الاحتجاجات، إلا أن هذا الدعم اتسم بالتأرجح. ويرجع السبب الرئيسي لهذا التأرجح إلى حملات العنف والنهب والتخريب التي تزامنت مع الاحتجاجات، ذلك أن دعم مثل هذه الأمور يعني توفير غطاء سياسي للتعدي على القانون وتهديد الأمن القومي للولايات المتحدة. كما أن إعلان الدعم الكامل من قبل الحزب الديمقراطي لمثل هذه التجاوزات يعني فقدان أصوات شريحة كبيرة من الأمريكيين الذين يمكن وصفهم بــــ”الأغلبية الصامتة”، وهي الشريحة التي يعول “ترامب” عليها.

لقد انتقد قادة الحزب الديمقراطي تعامل “ترامب” مع الاحتجاجات، إذ قال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ “تشاك شومر” في تغريدة له: “إن ترامب أمر بإطلاق قنابل الغاز على المحتجين السلميين ليتسنى له التقاط صورة والظهور كرجل قوي”. وأصدر “شومر” بيانًا مشتركًا مع رئيسة مجلس النواب الديمقراطية “نانسي بيلوسي” أكدا فيه أن الأمة الأمريكية بحاجة إلى “زعامة حقيقية” في هذه الظروف الدقيقة، واتهما “ترامب” بمواصلة “تعميق الفرقة والانقسام والكراهية والعنف”.

أما الرئيس السابق “باراك أوباما”، فقد حاول استغلال المشهد الحالي لانتقاد إدارة “ترامب” وإحراجها؛ فقد نشر مقالًا في موقع “ميديم”، اعتبر فيه أن موجات الاحتجاجات تمثل تعبيرًا صادقًا عن الإحباط واليأس بسبب الفشل في إصلاح ممارسات الشرطة، ونظام العدالة الجنائية. مشيرًا إلى أن أغلب هذه الاحتجاجات سلمية وشجاعة ومسئولة وملهمة، وأن من شارك فيها يستحق الاحترام وليس الإدانة. إلا أنه ذكر -في المقابل- أن لجوء الأقلية الصغيرة إلى العنف، سواء بسبب غضب حقيقي أو انتهاز للفرصة، يعرضون الأبرياء للخطر، معتبرًا أن الاحتجاجات بمفردها لا تكفي، ولكن ينبغي ترجمتها إلى قوانين وممارسات مؤسسية، وهو ما يحدث عند انتخاب مسئولين حكوميين يستجيبون إلى مطالب الشعب.

من جانبه، اتهم “بايدن” “ترامب” بــ”استخدام الجيش الأمريكي ضد الشعب الأمريكي”، منتقدًا استخدام “ترامب” للغاز المسيل للدموع ضد “متظاهرين سلميين”. وقال “بايدن” عبر حسابه الشخصي على تويتر: “إن ترامب يُحرض على العنف ضد مواطنين أمريكيين خلال فترة ألم يعاني منها كثيرون. أشعر بالغيظ، ويجب أن تكون أنت كذلك أيضًا”. ودعا في خطاب عبر الإنترنت إلى الوحدة الوطنية والإصلاح الجاد للشرطة، قائلًا: “هذا ليس وقتًا للتغريدات المحرضة، هذا ليس الوقت المناسب لتشجيع العنف، هذه أزمة وطنية، ونحن بحاجة إلى قيادة حقيقية الآن”. وعلى الرغم من أن “استغلال الخطاب العنصري” هي التهمة التي لطالما تغنى بها الديمقراطيون في وجه “ترامب”، إلا أن “بايدن” حاول أن يعزف على اللحن ذاته كنوع من توظيف الحادثة. فقد اعتبر “بايدن” -خلال مقابلة- أن أي أسود لا يدعم “ترامب”.

سيناريوهات محتملة

بشكل عام، يمكن القول إن الساحة الأمريكية باتت تواجه عددًا ضخمًا من المشكلات والأزمات المتشابكة والمتداخلة، بطريقة دفعت بعض التحليلات إلى اعتبار التكهن بتطورات المشهد الأمريكي الحالي أمرًا بالغ الصعوبة. وفي هذا السياق، يمكن بلورة 3 سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: تعليق الانتخابات القادمة

ينطلق هذا السيناريو من فكرة أساسية مفادها أن الولايات المتحدة أضحت تواجه ما يمكن اعتباره ثاني أسوأ وضع في تاريخها بعد الحرب الأهلية. ويرتبط بذلك التفشي الكبير لجائحة كورونا، بطريقة وضعت الولايات المتحدة في صدارة الدول من حيث أعداد الإصابة والوفيات، وما نجم عنه من مشكلات تتعلق بسوء الإدارة والخسائر الاقتصادية الضخمة، وحالة الخوف وعدم اليقين التي باتت تسيطر على الشعب الأمريكي. وفي ظل وضع معقد بهذا الشكل ظهرت حادثة “فلويد” لتحيي مجددًا المشكلات المتجذرة في أعماق النموذج الأمريكي، لتضيف تهديدًا جديدًا للمشهد الأمريكي. فقد دفعت تبعات وباء كورونا إلى انعدام الثقة في السلطات المحلية والاتحادية نتيجة فشلهما في إدارة الأزمة وارتفاع الإصابات بين السود. 

وتكمن خطورة هذا المشهد في حجم التداخل الكبير بين أزمة كورونا وتبعاتها، وبين أزمة العنصرية المتجذرة، حيث إن عدم المساواة يتجسد بشكل أوضح في انتشار الوباء وتزايد تأثيره بين الأمريكيين من أصول إفريقية ولاتينية. وكذا إذا تم اعتبار أعمال النهب والتخريب التي تمت في الاحتجاجات نتيجة لحالة الفقر والجوع التي ضربت هؤلاء جراء جائحة كورونا، فإنها تعد مؤشرًا خطيرًا على اتجاه الساحة الأمريكية نحو الفوضى.

ومن ثم، يفترض هذا السيناريو أن هذا المشهد الأمريكي المعقد المرشح لوقوع مزيد من الأزمات، سيعرقل بلا شك الانتخابات القادمة، ليس انطلاقًا من سند قانوني أو دستوري، ولكن بالاستناد إلى ظروف الأمر الواقع. ويرتبط بهذا السيناريو المخاوف بشأن وصول فيروس كورونا إلى أحد المرشحين أو كلاهما، بطريقة لن تؤدي إلى تعليق الانتخابات فحسب، وإنما قد تُعيد ترتيب المشهد الانتخابي والسياسي برمته. وعلى الرغم من تواضع فرص هذا السيناريو، إلا أنه يجب وضعه في الاعتبار.

السيناريو الثاني: تعزيز فرص فوز “بايدن”

يستند هذا السيناريو إلى افتراض مفاده أن أي أزمة تواجه الإدارة الجمهورية الحالية ستصب بشكل تلقائي في صالح المرشح الديمقراطي. واستنادًا إلى ذلك، ستصب الإدارة المتذبذبة لجائحة كورونا، وما نجم عنها من خسائر اقتصادية ضخمة، في مصلحة “بايدن”، باعتباره البديل المتاح خلال الانتخابات القادمة. وكذا، فإن اعتبار حادثة “فلويد” والاحتجاجات المرتبطة بها نتاج للخطاب العنصري والسياسة العنصرية التي يتبناها الرئيس “ترامب”، سيرسل رسالة عامة بأن الحل يكمن في التخلص منه عبر صناديق الاقتراع. علاوة على أن الخلاف بين “ترامب” وبين المسئولين الديمقراطيين من حكام الولايات في بعض القضايا كالتعامل مع كورونا ومواجهة الاحتجاجات، يقدم بديلًا عمليًّا أكثر مرونة في مقابل الشكل العنيف والحدي الذي يغلف تحركات “ترامب”. وكذا، فإن اتساع حدة ونطاق التظاهرات يعني وجود حالة حقيقية من الامتعاض أو عدم الرضا عن إدارة “ترامب” لدى قطاع في الشارع الأمريكي. وأخيرًا، فقد يعمد “بايدن” إلى استغلال ميراثه السياسي كنائب لأول رئيس “أسود” في تاريخ الولايات المتحدة. كما قد يعمد إلى تكرار الأمر عبر اختيار نائب أسود خلال الانتخابات الحالية كورقة لضمان أصوات ذوي الأصول الإفريقية. 

السيناريو الثالث: إعادة انتخاب “ترامب”

يقوم هذا السيناريو على افتراض قدرة “ترامب” على تحويل التهديدات إلى فرص، وقدرته على تحويل الانتباه عن أخطاء إدارة جائحة كورونا عبر شن موجة من الاتهامات لمنظمة الصحة العالمية والصين، لإبراز أن الخطأ ليس بسبب إدارته. أما فيما يتعلق بحادثة “فلويد”، فإن تعامله مع الأزمة اتسم بالتوازن، حتى وإن اتهم المحتجين بالإرهاب والتخريب. فقد عمد “ترامب” إلى إدانة الحادث وشرع في التحقيق ومعاقبة المذنب، وهو السبيل الطبيعي والمنطقي للتعامل مع الحادثة. أما فيما يتعلق بالاتهام الخاص بخطابه العنصري، فإن هذا الاتهام لا يجد ما يبرره، لا سيما وأنه أكد في خطاب حالة الاتحاد الأخير أنه رئيس لكل الأمريكيين. إضافة إلى أن الأوضاع الاقتصادية ومعدل البطالة بين الأمريكيين السود والملونين كان في أفضل أحواله خلال إدارة “ترامب” قبل اندلاع الجائحة. كذلك، فإن الخبرة التاريخية تشير إلى أن العديد من الحوادث العنصرية وقعت أيضًا في ظل الإدارات الديمقراطية، مثل حادثة “إريك جارنر” التي وقعت في نيويورك عام 2014. إضافة إلى أن اتساع نطاق أعمال التخريب والسرقة والنهب لن يعزز فقط مكانة إدارة “ترامب” لدى “الأغلبية الصامتة”، وإنما ستدلل على صدق أهمية شعارات “ترامب” حول تقييد الهجرة واللجوء. علاوة على ذلك فإن الاحتجاجات وأعمال التخريب والشغب ستوفر لترامب المسوغ المناسب لتبرير الخسائر المرتبطة بأزمة كورونا، من حيث استمرار حظر التجوال وتزايد أعداد المصابين واستمرار النزيف الاقتصادي.

ختامًا، يمكن القول بشكل عام إن الأحداث المتلاحقة التي تقع على الساحة الأمريكية جعلت المشهد في حالة سيولة، ويمكن اعتبار المرحلة الحالية مرحلة حاسمة في التاريخ الأمريكي بطريقة تتطلب النظر بكل تدقيق في التطورات السريعة التي تحدث من وقت إلى آخر. لذا، فإن السيناريو المرجح سيتوقف على ما ستشهده الولايات المتحدة خلال الفترة القادمة، وكذا سيتوقف على مدى قدرتها على وقف أزمة تفشي فيروس كورونا والتعافي سريعًا من تبعاتها.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية