تنمية ومجتمع

السياحة العالمية تحاول تجاوز أزمة كورونا

على الرغم من تعدد التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي أحاطت العالم خلال عام 2019؛ إلا أن القطاع السياحي استطاع أن يثبت مرونته، وتمكن من الحفاظ على معدل مستقر من النمو؛ فقد قدرت منظمة السياحة العالمية عدد السائحين الدوليين خلال عام 2019 بأكثر من 1.46 مليار سائح، وهو ما يزيد على العام السابق عليه بنحو 6% (انظر شكل رقم 1). كما ساهم القطاع في 2019 بأكثر من 8.9 تريليونات دولار من الناتج الإجمالي العالمي، فضلًا عن مساهمته في توفير 330 مليون وظيفة حول العالم، وهو ما أوصل نسبة الوظائف السياحية إلى 10% من جملة الوظائف المتوفرة في كافة القطاعات عالميًّا.  هذا الواقع…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

على الرغم من تعدد التحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي أحاطت العالم خلال عام 2019؛ إلا أن القطاع السياحي استطاع أن يثبت مرونته، وتمكن من الحفاظ على معدل مستقر من النمو؛ فقد قدرت منظمة السياحة العالمية عدد السائحين الدوليين خلال عام 2019 بأكثر من 1.46 مليار سائح، وهو ما يزيد على العام السابق عليه بنحو 6% (انظر شكل رقم 1). كما ساهم القطاع في 2019 بأكثر من 8.9 تريليونات دولار من الناتج الإجمالي العالمي، فضلًا عن مساهمته في توفير 330 مليون وظيفة حول العالم، وهو ما أوصل نسبة الوظائف السياحية إلى 10% من جملة الوظائف المتوفرة في كافة القطاعات عالميًّا. 

هذا الواقع دفع البعض إلى وصف قطاع السياحة بأنه قاطرة الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة. كما طرحت منظمة السياحة العالمية نظرة متفائلة حول نمو اقتصادات السياحة في عام 2020، حيث توقعت المنظمة نمو الحركة السياحية بنسبة تتراوح بين 3 إلى 4 %. وقد دفعها إلى هذه التوقعات قرب انطلاق عدد من الأحداث الرياضية والاجتماعية العالمية، مثل دورة أولمبياد طوكيو ومعرض Dubai Expo 2020، لكن هذه التوقعات سرعان ما أخذت تتلاشى فور انتشار وباء كورونا الذي أخذ في الانتشار بدءًا من يناير الماضي. 

أزمة طاحنة تواجه القطاع السياحي العالمي

لم تستثنِ تأثيرات الوباء أي قطاع اقتصادي في العالم، فإجراءات الإغلاق والعزل الاجتماعي التي طبقتها العديد من الدول أدت إلى تعطيل حركة التجارة، وقلّصت من إنتاجية المصانع والشركات، لكن القطاع السياحي كأن الأكثر تضررًا من هذا الوباء؛ فخلال شهر مارس الماضي فقط سجلت منظمة السياحة العالمية تراجعًا في الطلب على السياحة بأكثر 56.6%، وهو ما سيؤدي لخسارة مبدئية تفوق 80 مليار دولار وفق تقديرات المنظمة، لتعاني من تبعات تلك الخسارة العشرات من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث تمثل السياحة موردًا أساسيًّا للناتج المحلي في تلك الدول (انظر شكل رقم 2). كما ينذر تراجع حركة السياحة العالمية بخسارة 50 مليون عامل لوظائفهم، وذلك على أقل تقدير. 

البحث عن بداية جديدة في ظل الوباء

لا يتوقع العلماء أن يكون هناك علاج لوباء كورونا قبل منتصف العام القادم 2021، فيما يتوقع البعض أن عملية اكتشاف العلاج قد تطول مدتها لتأخذ سنوات. وقد تنتهي تلك المجهودات إلى عدم الوصول للعلاج المنشود، فيصبح الفيروس بلا علاج كما هو الحال مع فيروسات الإيدز وسارس. بناء على هذه المعطيات، تَوَافَقَ العديد من صانعي السياحة حول العالم على ضرورة عودة الحركة السياحية، وذلك بالرغم من استمرار وجود وانتشار وباء (كوفيد-19).

وقد قام المجلس العالمي للسفر والسياحة بترجمة هذا التوافق حينما أطلق في 12 من مايو 2020 مشروع برتوكول السياحة العالمي، الذي يعد أول تجربة عالمية من نوعها لتوحيد جهود القطاع السياحي في مواجهة أزمة الوباء، حيث يتضمن هذا البرتوكول إرشادات عامة عن كيفية إدارة العمل السياحي في ظل وجود وباء كورونا، خاصة في المجالات السياحية المهمة، مثل: الفنادق، وخدمات النقل الجوي، ومحال السلع السياحية، وأماكن التسوق.

وتركز تلك الإرشادات على تأمين السائح والموظف السياحي من خطر الإصابة بالفيروس. كما تركز أيضًا على توفير أقصى درجة من الرفاهية، حتى لا يشعر السائح بأي اختلاف في الخدمة المقدمة عن فترة ما قبل الجائحة. وقد بدأ المجلس العالمي للسفر والسياحة في تطوير هذا المشروع من خلال التعاون مع منظمة الصحة العالمية ومراكز الوقاية الوبائية الأمريكية CDC، ويجري العمل حاليًّا على مشاركة أكبر عدد من حكومات الدول ومشغلي القطاع السياحي مثل مؤسسات ووكالات السفر والسياحة، لاختبار وتفعيل هذا البرتوكول.

الصين كأول تجربة ناجحة لعودة السياحة

حينما كان العالم منشغلًا بمواجهة جائحة كورونا خلال الفترة الماضية، كانت الصين قد بدأت في إعادة تشغيل كافة الأعمال الاقتصادية، وعلى رأسها المزارات السياحية والترفيهية. ويُعزى هذا إلى نجاح الدولة الصينية في السيطرة على تمدد الوباء، حيث شهد منحنى الإصابات ثباتًا عند حاجز 80000 إصابة منذ بداية مارس الماضي، مع وجود زيادات طفيفة في أعداد الإصابات الجديدة منذ مارس حتى أوائل يونيو الجاري، حيث لم تتجاوز الإصابات في تلك الفترة أكثر من 3000 إصابة.

ولضمان عدم انتشار الوباء مجددًا بسبب تشغيل الحركة السياحية، وضعت الصين منذ منتصف أبريل الماضي عددًا من الضوابط الصحية، مثل عدم السماح للمنشآت السياحية والترفيهية باستضافة أكثر من 30% من طاقة زوارها، كما قصرَت التشغيل على المناطق الترفيهية والسياحية المفتوحة open air areas فقط، لتقليل فرص انتقال العدوى بين المواطنين، فضلًا عن إلزام تلك المنشآت بوجود أطقم طبية مجهزة بأجهزة قياس الحرارة وغيرها من المعدات الطبية المطلوبة.

وكما ألزمت الحكومة المنشآت السياحية والترفيهية بعدد من الضوابط، فقد ألزمت السائحين أيضًا بعدد من تلك الضوابط، مثل ارتداء الكمامات في الأماكن العامة، وتسجيل السائح لحالته الصحية يوميًّا عن طريق تطبيق إلكتروني. بالإضافة لذلك، منعت السلطات أي تجمعات للسائحين يفوق عددها الثلاثة أفراد، خاصة بعد أن تم تسجيل تزاحمات كبيرة للسائحين في عدد من المواقع السياحية خلال الأسبوع الأول من أبريل الماضي.

عودة السياحة تحتاج لإجراءات إضافية

أوضحت التجربة الصينية أهمية وعي والتزام مقدمي الخدمة السياحية من المنشآت السياحية والترفيهية وأيضًا متلقيها من السائحين، وذلك لضمان أعلى حماية ضد الوباء، لذلك يجب على المؤسسات التي تقوم الآن بوضع البرتوكولات الخاصة بالمنشآت السياحية والترفيهية، أن تضع أيضًا توصيات لتوعية السائحين بشكل مباشر. من ناحية أخرى، يجب على البروتوكولات التي توضع للمنشآت أن تراعي خصوصية كل مقصد سياحي. 

كما يحتاج القطاع السياحي للمزيد من الاعتماد على التكنولوجيا في تقديم الخدمة السياحية وذلك لتقليل التواصل البشري، وهو ما يعني تقليل فرص الإصابة بالمرض. وقد بدأ بعض مقدمي الخدمة السياحية في اعتماد مثل هذا النمط، خاصة الفنادق الكبيرة حول العالم، حيث امتلكت تلك المنشآت من قبل جائحة كورونا بنية تحتية تكنولوجية، تتيح لها التواصل مع النزلاء وتقديم الخدمة لهم عن بعد، إلا أن العديد من مقدمي الخدمة السياحية الآخرين مثل الوكالات السياحية والمحال التجارية والمولات، لا تزال تفتقد لمثل هذه الميزات مما يحتم عليهم التواصل المباشر مع العملاء. 

ومن الجيد أن تستثمر الحكومات والمؤسسات السياحية حول العالم في تطوير الوسائل والتطبيقات الافتراضية، التي تتيح متابعة الحالة الصحية والأمنية للسائحين، حيث تتيح تلك الوسائل الكشف والسيطرة على البؤر الوبائية المحتملة، كما تتيح الوصول للسائحين في أي مكان في حال حدوث طارئ لهم، وإن كان على تلك التطبيقات مراعاة الخصوصية لمستخدميها. كما من المهم أن تتشارك المؤسسات السياحية الدولية في تدشين ما يُسمى بالفيزا الصحية الافتراضية، والتي تتيح معرفة حالة السائح الصحية قبل دخوله إلى كل مقصد سياحي وهو ما من شأنه تقليص فرص انتقال الفيروس بين بلدان العالم. 

كذلك، من المهم أيضًا أن تبدأ المؤسسات السياحية في وضع خططها التسويقية على أساس استهداف شرائح العملاء التي تتقبل فكرة السياحة والسفر سواء المحلي أو الدولي في ظل وباء كورونا، خاصة شرائح الشباب. ومن المهم أيضًا وضع عدد من الإجراءات التحفيزية لجذب هذه الشرائح مثل تخفيض أسعار الإقامات أو الطيران. 

العديد من دول العالم تتسابق خلال هذه الفترة لإعادة افتتاح الحركة السياحية، سواء أمام السائحين المحليين أو الدوليين، لكن فتح الوجهات السياحية حول العالم يجب أن يتم بتخطيط ومتابعة جيدة، فالخطأ في إدارة المعادلة بين حركة السياحة والوقاية من الوباء، سيعني هذه المرة أن دولًا بأكملها قد تتعرض لموجة جديدة من وباء كورونا، وهو ما سيؤدي بدوره إلى إغلاق جديد للحركة السياحية، وربما تكون تلك قاصمة الظهر للعديد من الشركات والوكالات السياحية، ما يعني خسارة العشرات من الملايين لوظائفهم حول العالم. 

مراجع 

WHO, “Coronavirus disease situation” report, 1 June 2020.

WTTC, “Global protocols for the new normal” report, 12 May 2020.

UNWTO, “International tourism and Covid-19” report.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة