تنمية ومجتمع

حلول تكنولوجية في مواجهة فيروس كورونا المستجد

على الرغم من كل الجهود العالمية المبذولة لاحتواء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ إلا أنه لا يزال يمثل تهديدًا كبيرًا للعالم إلى حين التوصل إلى لقاح أو دواء. وكان استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big data) من أهم الجهود التي بذلتها مختلف الحكومات في إطار مواجهة الفيروس، وذلك بهدف اكتشاف المصابين وتعقب مخالطيهم، وأيضًا في مجال تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي من خلال تسهيل العمل من المنزل للأفراد، بجانب تعليم الطلاب عن بعد عبر المنصات الافتراضية التي دشنتها المؤسسات التعليمية منذ بدء الأزمة. تطبيقات للعمل وللتعلم عن بعد من الحلول التكنولوجية الأولى التي لجأت إليها الحكومات لمواجهة فيروس كورونا المستجد بعد…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

على الرغم من كل الجهود العالمية المبذولة لاحتواء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ إلا أنه لا يزال يمثل تهديدًا كبيرًا للعالم إلى حين التوصل إلى لقاح أو دواء. وكان استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة (Big data) من أهم الجهود التي بذلتها مختلف الحكومات في إطار مواجهة الفيروس، وذلك بهدف اكتشاف المصابين وتعقب مخالطيهم، وأيضًا في مجال تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي من خلال تسهيل العمل من المنزل للأفراد، بجانب تعليم الطلاب عن بعد عبر المنصات الافتراضية التي دشنتها المؤسسات التعليمية منذ بدء الأزمة.

تطبيقات للعمل وللتعلم عن بعد

من الحلول التكنولوجية الأولى التي لجأت إليها الحكومات لمواجهة فيروس كورونا المستجد بعد إعلانه جائحة في مارس الماضي، هو استغلال تطبيقات تكنولوجيا المعلومات لتنفيذ إجراءات التباعد الاجتماعي، وذلك عبر تباعد الأشخاص بمسافات كافية لا تقل عن 6 أقدام؛ لتفادي التقاط العدوى من بعضهم. كما تم اتخاذ العديد من الإجراءات التنظيمية في أماكن العمل لتقليل عدد أيام التواجد بالعمل، بجانب العمل من المنزل. ومن أكثر التطبيقات التي تم الاعتماد عليها في تسيير الأعمال عن بعد خلال الفترة الماضية كانت التطبيقات التي تسمح بإجراء محادثات عبر الفيديو، مثل تطبيق zoom الذي يتيح تنظيم الاجتماعات واللقاءات بجودة عالية عن بعد مع عدد كبير من الأفراد -بحد أقصى 100 فرد- مع إمكانية مشاركة أي ملفات مع الحاضرين في اللقاء، وكذلك تطبيق Trello الذي يعد من التطبيقات المهمة بالنسبة لفرق العمل الكبيرة، حيث يُساعد هذا التطبيق في إدارة المهام عن بُعد بسهولة، عبر استخدام البطاقات واللوحات البسيطة؛ لعرض مهمة كل فرد في الفريق وتحديد التقدم الذي تم إحرازه في المشروع. 

أما بالنسبة للتعليم، فقد سعت مختلف الحكومات منذ بدء الأزمة إلى توفير منصات تعليمية للطلبة في المدارس والجامعات، لعرض المواد العلمية وللتواصل بشكل مباشر مع الطلاب أثناء وجودهم في المنازل. كما مَكّن الذكاء الاصطناعي من خلال تقنياته المختلفة من توفير منصات أكثر تفاعلية للتعلم عن بعد، عبر استخدام المعامل والتقنيات الافتراضية لتدريس التدريبات العملية إضافة إلى تقنيات الامتحانات الإلكترونية وبرمجياتها وبنوك الأسئلة والمتابعة المستمرة مع الطلاب ونتائج تقييمهم. وفي هذا الإطار، سارعت وزارة التربية والتعليم في مصر بالاعتماد على منصات التعليم عن بعد التي يوفرها بنك المعرفة المصري Egyptian Knowledge Bank كآلية سريعة وفعالة لتجاوز أزمة إغلاق المدارس.

تطبيقات سياسة “اختبر، تعقب، عالج”

من أنجح السياسات التي اتبعتها الحكومات في مجال احتواء انتشار الفيروس سياسة “اختبر، تعقب، عالج”، وهي سياسة تُطبق من خلال إجراء أكبر عدد ممكن من اختبارات الكشف عن الفيروس للأفراد، وتحديد المصابين وعزلهم للعلاج، وذلك بالتوازي مع تعقب المخالطين للحالات المصابة لرصد أي حالات إصابة جديدة بينهم. ولتطبيق هذه السياسة استعانت العديد من البلدان بتطبيقات الهواتف المحمولة أو الساعات الإلكترونية الذكية، والتي تستخدم تقنية البلوتوث لإخبار مستخدميها عما إذا كانوا بالقرب من شخص ثبتت بالفعل إصابته بالمرض، وتنبيههم إلى ضرورة إجراء اختبار للفيروس، وهو الأمر الذي ساعد الأشخاص على حماية أنفسهم، وكذلك في الحد من ظهور سلاسل جديدة من العدوى.

ومن أمثلة هذه التطبيقات أسورة “تطمن” الذكية التي أطلقتها المملكة العربية السعودية لمتابعة الحالات المصابة بالفيروس في المنازل، وكذلك لتوجيه المواطنين القادمين من السفر إلى العزل المنزلي بدلًا من دور الضيافة الصحية مع متابعة حالتهم الصحية بشكل دوري، وفتح قنوات للتواصل المباشر مع وزارة الصحة السعودية عبر التطبيق. ويستخدم “السوار” لمدة 30 يومًا دون حاجة لإعادة الشحن، ويتصل بالهاتف المحمول عبر خاصية البلوتوث. ولضمان التزام الأفراد باستخدام هذا “السوار” فرضت السلطات السعودية غرامة مالية تصل إلى 200 ألف ريال أو السجن لمدة تصل إلى عامين، أو العقوبتين معًا، في حال انقطاع اتصال “السوار” بالهاتف المحمول عمدًا من خلال إيقاف تشغيل خاصية البلوتوث أو العبث بالسوار أو قطعه.

نماذج لمحاكاة انتشار الفيروس والتنبؤ بمستقبله

لدراسة مستقبل فيروس كورونا المستجد، يستخدم العلماء تقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء النماذج والمعادلات الرياضية لوضع تصور مُستقبلي لمحاكاة السلوك المتوقع لانتشار الفيروس خلال فترة معينة. ويتم ذلك عبر تتبع التطور في أعداد المصابين بالفيروس في ضوء عدد من المتغيرات الأخرى، مثل: التغير في درجات الحرارة، والاختلاف في الرطوبة النسبية، والكثافة السكانية، ونمط الحياة، والمناعة الجسدية المختلفة للأفراد (الفئات العمرية، وأنواع التغذية)، ودقة القياسات والفحوصات الطبية، بجانب العديد من المتغيرات الأخرى. وتساعد تلك النماذج الحكومات في وضع المزيد من الخطط الاحترازية للاستعداد الجيد في حالة توقع أي موجات جديدة من انتشار الفيروس.

ويتم استخدام نماذج المحاكاة في توقع أعداد المرضى المصابين بالفيروس، خاصة هؤلاء الذين سيعانون من مضاعفات رئوية خطيرة؛ بما يساعد السلطات الصحية على تخطيط الاحتياجات المستقبلية، خاصة في أقسام الرعاية الحرجة بالمستشفيات.

التشخيص عن بعد

ساعدت تطبيقات الذكاء الاصطناعي أيضًا في إيجاد حلول أكثر كفاءة وفاعلية لتسهيل وتسريع بعض الإجراءات، كالترصد وفحص الحرارة عن بُعد، من خلال الاستعانة بالكاميرات الحرارية الذكية التي تستطيع قياس درجة حرارة عدد كبير من الأفراد –حتى 200 فرد في الدقيقة الواحدة- والموجودين في المناطق العامة، عبر تقنية الأشعة تحت الحمراء وتقنية الذكاء الاصطناعي؛ بحيث يتم رصد أي فرد يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة، أو تظهر عليه أعراض الفيروس في المطارات أو المحطات الكبرى أو الساحات العامة، وهو ما يطلق عليه التشخيص الرقمي digital diagnosis. وفي حالة الاشتباه في إصابة أي شخص يتم منعه من ركوب القطار أو الحافلة لحين إتمام الكشف الطبي عليه. 

الذكاء الاصطناعي لتقديم الخدمات الطبية وإنتاج المعدات الطبية

في محاولة لتخفيف انتشار فيروس كورونا المستجد بين الأطقم الطبية داخل المستشفيات ومراكز رعاية المرضى، بذلت العديد من الشركات التكنولوجية جهودًا كبيرة لأتمتة بعض الإجراءات الطبية Automation of medical procedures التي كانت تتطلب من العاملين الصحيين والأطقم الطبية التفاعل مع المرضى بشكل مباشر، وبالتالي تعريضهم لخطر الإصابة بالفيروس. وتم بالفعل إنتاج روبوتات لمساعدة الأطقم الطبية في رعاية المصابين بالفيروس بالعديد من البلدان، ومنها تونس، التي يوجد بمستشفياتها اليوم روبوتات طبية متحركة قادرة على قياس نبضات القلب وفحص الحرارة ومستوى الأكسجين في الدم للمرضى. وتسمح هذه الروبوتات كذلك للأطباء والأقارب بالاطمئنان على المرضى دون الاقتراب منهم؛ حيث تُمكن الشاشة المثبّتة أعلى الروبوت من التواصل عبر الفيديو مع المرضى الذين باستطاعتهم تمييز ملامح من يتحدث معهم، وهو ما لا يكون ممكنًا عند التواصل المباشر مع الأطقم الطبية بسبب وضع أدوات الحماية، بجانب إنشاء موقع إلكتروني تستعمله العائلات لحجز موعد لإجراء زيارات افتراضية عبر الفيديو مع أقربائهم المصابين بالفيروس داخل المستشفى.

كما تسعى العديد من الشركات التكنولوجية أيضًا إلى تطوير المزيد من الروبوتات الطبية للاستعانة بها في الأعمال الشاقة والخطيرة التي يجب على العاملين الصحيين الابتعاد عنها وتجنبها. من ذلك على سبيل المثال: تطهير أجنحة العزل ووحدات العناية المركزة وغرف العمليات وكافة الأماكن التي تستقبل مصابي الفيروس، وأيضًا في توصيل العلاجات والجرعات الطبية المقررة إلى المرضى، دون حدوث احتكاك مباشر بينهم وبين الأطقم الطبية لتفادي انتقال العدوى. 

كما ساعدت الطباعة ثلاثية الأبعاد جزئيًّا في حل مشكلة نقص بعض المعدات الطبية، مثل: نقص أجهزة التنفس الاصطناعي والأقنعة الحامية للوجه والنظارات الواقية، والتي عانت منها بعض المستشفيات في دول معيّنة أثناء الأزمة. ليس هذا فحسب، ففي الصين تمت الاستعانة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد في بناء غرف عزل لحماية الأطقم الطبية خلال فترات الراحة في المستشفيات التي تعالج المصابين بالفيروس. وتبلغ مساحة الغرفة 10 أمتار مربعة وارتفاعها 2.8 مترًا وتتسع لسريرين. وقد أوضحت الشركة الصينية المصنعة لهذه الغرف أنها استخدمت خليطًا من الخرسانة والمواد المعاد تدويرها لطباعة هذه الغرف، وأن طباعة الغرفة الواحدة تستغرق حوالي ساعتين فقط، بتكلفة إجمالية قدرها 4000 دولار للغرفة.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة