وحدة الدراسات الاقتصادية

حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات عقب أزمة كورونا

لا تقتصر الخسائر الناجمة عن تفشي فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي على التأثيرات الكلية فقط المتمثلة في تداعيات الجائحة على نمو الناتج المحلي الإجمالي والصادرات أو معدلات البطالة على سبيل المثال؛ بل تمتد لتشمل المكونات الجزئية للاقتصاد، حيث تمثل الشركات جزءًا مهمًّا من تلك المكونات نظرًا لدورها في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير فرص للعمالة وزيادة معدلات الإنتاج. وقد تأثرت أنشطة تلك المؤسسات في جميع القطاعات وعلى كافة الأصعدة، ابتداءً من تسريح عدد كبير من عمالها أو تسجيلها خسائر باهظة في ظل انخفاض مبيعاتها بسبب إغلاق عدد كبير من مصانعها أو فروعها حول العالم، وخفض عدد ساعات العمل وفرض حظر…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

لا تقتصر الخسائر الناجمة عن تفشي فيروس كورونا على الاقتصاد العالمي على التأثيرات الكلية فقط المتمثلة في تداعيات الجائحة على نمو الناتج المحلي الإجمالي والصادرات أو معدلات البطالة على سبيل المثال؛ بل تمتد لتشمل المكونات الجزئية للاقتصاد، حيث تمثل الشركات جزءًا مهمًّا من تلك المكونات نظرًا لدورها في دفع عجلة النمو الاقتصادي وتوفير فرص للعمالة وزيادة معدلات الإنتاج. وقد تأثرت أنشطة تلك المؤسسات في جميع القطاعات وعلى كافة الأصعدة، ابتداءً من تسريح عدد كبير من عمالها أو تسجيلها خسائر باهظة في ظل انخفاض مبيعاتها بسبب إغلاق عدد كبير من مصانعها أو فروعها حول العالم، وخفض عدد ساعات العمل وفرض حظر التجوال. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد ليؤثر على حركة الاندماج والاستحواذ بين الشركات حول العالم، وهو الأمر الذي يستدعي إلقاء مزيد من الضوء على كيفية تأثير الوباء على تلك العمليات، مع عرض أهم التوقعات حول صفقات الاستحواذ بعد انتهاء الأزمة. 

كورونا ينال من عمليات الاندماج والاستحواذ حول العالم

يُقصد بالاستحواذ “قيام كيان بالسيطرة ماليًّا وإداريًّا على نشاط شركة أخرى عبر تملك حصة من رأس المال أو حقوق التصويت”، بينما يشير الاندماج إلى “توحيد شركتين أو أكثر تحت مظلة شركة واحدة لتشكيل كيان أكبر حجمًا”. وتهدف كلا العمليتين إلى تحقيق عدد من الأهداف، يتمثل أهمها في توسيع الأسواق التي تعمل فيها الشركات وزيادة إيراداتها وأرباحها، مع توفير الأيدي العاملة وتعزيز القدرة التنافسية، والنفاذ إلى أسواق تصديرية جديدة، فضلًا عن خلق فرصة للشركات للحيلولة دون الانهيار والإفلاس.

وتشهد الأسواق العربية والعالمية في الفترة الراهنة حالة ملحوظة من الركود في نشاط الاستحواذات والاندماجات من حيث قيمة الصفقات الجديدة وعددها، وذلك وسط انتشار حالة من عدم اليقين حول النشاط الاقتصادي، وعدم القدرة على تحديد سيناريو دقيق لكيفية تجاوز أزمة جائحة كورونا. ولهذا تعجز الشركات عن وضع أي خطط مستقبلية بناء على الوضع الحالي في ضوء ضبابية المشهد وعدم القدرة على معرفة موعد لانتهاء الأزمة. ولذلك، اضطرت الشركات إلى تأجيل التفكير في الأهداف طويلة الأجل مع التركيز فقط على ضمان سلامة موظفيها والحفاظ على استقرار أعمالها، مع دعم سبل استمرار تدفق السيولة النقدية. أما فيما يتعلق بالصفقات الجارية بالفعل، فمن المرجح أن يتم إرجاء تنفيذها بسبب تأخير الحصول على الموافقات التنظيمية الضرورية لإتمامها، مع تأجيل أو إلغاء زيارات المواقع واجتماعات العملاء والإدارة. هذا بالإضافة إلى محاولة معظم المشترين إعادة التفاوض على شروط الصفقة التي تمّ الاتفاق عليها مسبقًا من أجل إعادة تقييم الأسعار وجميع الشروط الأخرى وأخذ الظروف المترتبة على تفشي الوباء في الاعتبار. وأخيرًا من المتوقع أن ترفض العديد من الشركات بعض عروض الاستحواذ في ظل التقييمات المنخفضة خلال الفترة الحالية.

وبحسب توقعات مكتب “بيكر آند ماكينزي” للاستشارات القانونية، من المتوقع انخفاض حجم عمليات الاندماج والاستحواذ العالمية بنسبة 25% خلال العام الجاري مع تراجع قيمة الصفقات من 2.8 تريليون دولار إلى 2.1 تريليون دولار. وفيما يتعلق بالبيانات الفعلية المسجلة خلال الربع الأول من العام الجاري، نجد أن قيمة الاستحواذات بالشرق الأوسط قد تراجعت بنحو 90% على أساس سنوي إلى 9.28 مليارات دولار مقارنة بحوالي 88.27 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من 2019. وهبط عدد الصفقات المسجلة من 109 صفقات إلى 95 صفقة. كما انخفض حجم الصفقات المنفذة بدول الخليج بنسبة 51% على أساس فصلي من 49 صفقة إلى 24 صفقة فقط، وهبط نشاط الاندماج والاستحواذ في الولايات المتحدة وآسيا بمقدار النصف إلى 252 مليار دولار، وحوالي 17% على أساس سنوي إلى 142.9 مليار دولار على الترتيب.

أما على المستوى العالمي، فقد شهد الأسبوع المنتهي في السابع عشر من أبريل عدم الإعلان عن أي صفقات تفوق قيمتها مليار دولار، وذلك لأول مرة منذ سبتمبر 2004. كما تراجع نشاط الاندماج والاستحواذ عالميًّا منذ بداية العام الجاري وحتى أبريل بنحو 33% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي لتسجل 762.6 مليار دولار، وهو المستوى الأقل منذ عام 2013 (انظر الشكل المرفق). 

تاريخ عمليات الاندماج والاستحواذ في مصر

تُعتبر مصر سوقًا نشطة في مجال عمليات الاندماج والاستحواذ، ويظهر ذلك في ارتفاع قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بنحو 286٪ من 389 مليون دولار خلال عام 2017 إلى 1.5 مليار دولار في عام 2018 لتسجل بعد ذلك 1.6 مليار دولار أمريكي في 2019، وذلك بدعم من استقرار قيمة العملة المحلية، وتعزيز ثقة المستثمرين في السوق المحلية بفضل برنامج الإصلاح الاقتصادي. ووفقًا لمنتدى الاندماج والاستحواذ والاستثمار المباشر الذي تنظمه شركة “ميرجر ماركت”، سجلت مصر ما تصل نسبته إلى 75.1% من قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ بشمال إفريقيا و58.3% من حجم الصفقات في 2019.

ولإيضاح تأثير أزمة فيروس كورونا على عمليات الاستحواذ والاندماج في السوق المصرية –التي شهدت رواجًا كما ذكرنا خلال الأعوام السابقة- كشف أحد مكاتب الاستشارات القانونية عن إرجاء نحو 60% من إجمالي عدد الصفقات التي يتولى تقديم الاستشارات القانونية لها تحت تأثير الوباء. وقد تعطلت بعض الصفقات الكبيرة بسبب عدم وضوح الآفاق الاقتصادية بشكل دقيق، كإيقاف الاستحواذ المحتمل من قبل بنك “أبو ظبي الأول” على بنك عودة في مصر، وتعطيل سير المفاوضات الجارية بشأن استحواذ مجموعة مستشفيات “كليوباترا” على شركة “ألاميدا” القابضة المالكة لمستشفيات دار الفؤاد والسلام الدولي، وذلك بسبب تأثير الفيروس على تقييم الصفقة.

لكن ينبغي الإشارة إلى أن الصورة لم تكن قاتمة بشكل كامل، حيث دخلت مجموعة من عمليات الاستحواذ الأخرى حيز التنفيذ فعليًّا، من بينها عملية شراء شركة “كايرو ثري إيه” للمصرية للنشا والجلوكوز في الحادي عشر من مايو بقيمة إجمالية تبلغ 420.2 مليون جنيه، وإتمام صفقة شراء “سيكا مصر” لكيماويات مواد البناء لشركة “مودرن” للمواد العازلة في أواخر أبريل الماضي، وكذلك استحوذت مجموعة “تانا أفريكا كابيتال” على حصة أقلية بمجموعة مستشفيات “مبرة” العصافرة بالإسكندرية، في حين تتفاوض مؤسسة “CDC” الإنجليزية للاستحواذ على حصة أقلية في شركة “ألفا جروب” الطبية مقابل 1.5 مليار دولار، كما تم الكشف عن مساعي شركة “ازدهار” للاستثمار المباشر للاستحواذ على حصة غير حاكمة بمجموعة مستشفيات التيسير الطبية القابضة.

انتعاش محتمل لعمليات الاستحواذ عقب انتهاء الأزمة

على الرغم من وضوح التداعيات قصيرة الأجل الناتجة عن كورونا على صفقات الاندماج والاستحواذ، إلا أنه من الصعب التنبؤ بكيفية تأثير الجائحة على المدى الطويل. وتُشير التوقعات إلى وجود احتمالات لانتعاش عمليات الاستحواذ والاندماج التي قد تكون طوق النجاة والبديل الأخير أمام الشركات المتعثرة والمثقلة بالديون مع استنفاد كل الحلول الأخرى المطروحة أمامها بسبب حاجتها إلى السيولة الفورية. ومن المرجّح أن تشهد بعض القطاعات رواجًا في تلك العمليات عقب انتهاء الأزمة، مثل: الأغذية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والرعاية الصحية، وهي قطاعات يُمكن أن تقود الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد مرور الأزمة.

وانطلاقًا من فرضية أن الكوارث والأزمات تخلق عقب انتهائها حالة من التغيرات في الكيانات الاقتصادية، فسوف تقتنص بعض المؤسسات الناجية من الأزمة والتي تتمتع بملاءة مالية فرصة الاستحواذ على بعض الشركات ذات التقييم المالي المنخفض بسبب عدم قدرة الأخيرة على الصمود أمام الأزمة بسبب تراكم الالتزامات المالية واضطراب سلاسل الإمدادات عالميًّا الذي ساهم في هبوط إيراداتها وأرباحها. وبناء على ذلك، من المتوقع أن تطفو ظاهرة “العروض العدائية” على السطح والتي تقوم على تقديم المؤسسات الكبرى عروضًا للشركات بقيمة أقل من قيمتها الحقيقية استغلالًا للأزمات التي تمرّ بها.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة