وحدة الأمن السيبراني

هل يقود “ترامب” معركة خاسرة ضد وسائل التواصل الاجتماعي؟

احتدم الصدام بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” -الذي يبلغ عدد متابعيه على موقع “تويتر” نحو 80 مليون متابع- وإدارة الموقع، وذلك بعد تغريدتين، زعمت الأولى منهما تدخل “تويتر” في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وزعمت ثانيتهما تزوير الانتخابات على نطاقٍ واسعٍ حال الاعتماد على التصويت بالبريد. وقد دفع ذلك “تويتر” إلى إضافة إخطارٍ على شكل علامة تعجب زرقاء تحت التغريدتين (وهي العلامة التي تعني أن ما ورد فيهما يُروج لمعلوماتٍ مضللةٍ)، بل وأضاف إليهما عبارة “تحققوا من الوقائع”، داعيًا إلى الحذر عند التعاطي معهما.  الخلفية والسياق دعا “تويتر” إلى “تقصي الحقائق حول الاقتراع بالبريد”، ليتم توجيه المستخدمين إلى صفحةٍ تحتوي على مقالاتٍ…

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني

احتدم الصدام بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” -الذي يبلغ عدد متابعيه على موقع “تويتر” نحو 80 مليون متابع- وإدارة الموقع، وذلك بعد تغريدتين، زعمت الأولى منهما تدخل “تويتر” في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وزعمت ثانيتهما تزوير الانتخابات على نطاقٍ واسعٍ حال الاعتماد على التصويت بالبريد. وقد دفع ذلك “تويتر” إلى إضافة إخطارٍ على شكل علامة تعجب زرقاء تحت التغريدتين (وهي العلامة التي تعني أن ما ورد فيهما يُروج لمعلوماتٍ مضللةٍ)، بل وأضاف إليهما عبارة “تحققوا من الوقائع”، داعيًا إلى الحذر عند التعاطي معهما. 

الخلفية والسياق

دعا “تويتر” إلى “تقصي الحقائق حول الاقتراع بالبريد”، ليتم توجيه المستخدمين إلى صفحةٍ تحتوي على مقالاتٍ ومعلوماتٍ تحت اسم “ما تحتاج إلى معرفته”، وهي الصفحة التي تضم ملخصًا للحقائق والمقالات المنشورة في الصحافة الأمريكية حول هذا الأمر، ومنها -على سبيل المثال- أن ولاية كاليفورنيا ترسل بطاقات الاقتراع للناخبين المسجلين فحسب لا جميع سكان الولاية. كما صحّح “تويتر” ادعاءات “ترامب” عبر عبارة: “ترامب يُدلي بادعاءٍ لا أساس له بأن الاقتراع بالبريد سيؤدي إلى التلاعب بأصوات الناخبين”. 

وفي 28 مايو الماضي، وعقب اتهامه بنشر معلوماتٍ مضللةٍ ومغلوطةٍ من ناحيةٍ، وفي إطار حربه المستمرة على منصات التواصل الاجتماعي من ناحيةٍ ثانيةٍ، أصدر “ترامب” أمرًا تنفيذيًّا يستهدف كبرى شركات وسائل التواصل الاجتماعي (مثل: “تويتر”، و”يوتيوب”، و”فيسبوك”، و”إنستجرام”)، ليجردها من الحماية والحصانة القانونية التي تتمتع بها على صعيد المحتوى المتداول على منصاتها، ويُمكّن السلطات الفيدرالية من فرض مزيدٍ من القيود الحكومية عليها. 

بموجب القسم 230 من قانون آداب الاتصالات، تتمتع الشركات التكنولوجية حاليًّا بحصانةٍ واسعةٍ من الدعاوى المدنية على نحوٍ يحول دون مقاضاتها، ولا يحملها مسئولية المشاركات والصور ومقاطع الفيديو التي يشاركها المستخدمون على صفحاتهم. وفي المقابل، يسعى الأمر التنفيذي إلى تغيير ذلك القانون الاتحادي لتحقيق الشفافية والمساءلة، لكنه يلاقي معارضةً واسعةً من قبل “وادي السليكون”، باعتبار ذلك تهديدًا لحرية التعبير.

وقد جاء ذلك على خلفية تهديد “ترامب” بتنظيم أو إغلاق شركات وسائل التواصل الاجتماعي بعد تهديد “تويتر” له بتقييد حسابه إذا تكررت “المخالفات”. كما اتهم “ترامب” منصات التواصل الاجتماعي بالتحيز عبر تغريدتين، قائلًا: “يشعر الجمهوريون أن منصات التواصل الاجتماعي تعمل على إسكات أصوات المحافظين تمامًا”. وأضاف: “سننظمها بقوةٍ أو سنغلقها قبل أن نسمح لها بذلك.. نظفوا أفعالكم الآن”. وقال “ترامب” في تغريدةٍ سابقةٍ له إن “تويتر” يتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020. وأضاف: “إنه يخنق حرية التعبير بالكامل، وبصفتي رئيسًا لن أسمح له بأن يفعل ذلك”. 

الأمر التنفيذي وأهدافه

في حديثه من المكتب البيضاوي قبل التوقيع على الأمر التنفيذي، قال “ترامب” إن الهدف من هذه الخطوة هو الدفاع عن حرية التعبير في مواجهة أحد أكبر المخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة في التاريخ؛ فقد سيطرت حفنةٌ صغيرةٌ من وسائل التواصل الاجتماعي على جزءٍ كبيرٍ من الاتصالات العامة والخاصة في الولايات المتحدة، وامتلكت سلطةً غير مقيدةٍ لفرض الرقابة وتقييد وتحرير وتشكيل وإخفاء وتغيير أي شكلٍ من أشكال التواصل بين المواطنين. وأضاف: “لم يشهد التاريخ الأمريكي هذا العدد الصغير جدًّا من الشركات المسيطرة على مجالٍ واسعٍ جدًّا من التفاعل البشري”.

وقال “ترامب” أثناء توقيعه على الأمر التنفيذي: “إن القرار يَهدف إلى الحدّ من حصانة مواقع التواصل الاجتماعي من الملاحقة القانونية”. كما قال للصحفيين إنه يستهدف وسائل التواصل الاجتماعي التي تختار ما تحققه أو تتجاهله من معلوماتٍ، ما يعكس رقابتها المفروضة على المستخدمين وتحيزها السياسي الواضح. ففي رؤية “ترامب”، لا تعدو خاصية “تدقيق الحقائق” كونها نشاطًا سياسيًا لم يعد على إثره “تويتر” منصةً عامةً أو محايدةً. وعليه، وجّه “ترامب” وزير العدل “وليام بار” إلى العمل مع مختلف الولايات على فرض قوانينها الخاصة ضد ما وصفه بالنشاط المضلل. ومع ذلك، قال “ترامب” إن الأمر التنفيذي سيدخل حيز التنفيذ على الفور.

وفي هذا السياق، يمكن الوقوف على أبرز النقاط التي تضمنها الأمر التنفيذي في النقاط التالية:

1- لا يمكن السماح لعددٍ محدودٍ من المنصات الإلكترونية باختيار الخطاب الذي يُمكن للأمريكيين الوصول إليه ومشاركته عبر الإنترنت. فهذه الممارسة معاديةٌ للديمقراطية وغير أمريكيةٍ؛ إذ تملك شركات وسائل التواصل الاجتماعي الكبيرة والقوية قوةً كبيرةً تُمكّنها من فرض الرقابة على الآراء التي تختلف معها.

2- تملك وسائل التواصل الاجتماعي قوةً هائلةً غير مسبوقةٍ لتفسير الأحداث العامة، وفرض الرقابة على المعلومات وحذفها، والتحكم فيما يراه الناس أو لا يرونه؛ إذ تمارس تلك المنصات رقابةً انتقائيةً تَضُر بالخطاب الوطني الأمريكي. 

3- تضع تلك المنصات “علامةً” على المحتوى باعتباره غير لائقٍ دون أن تنتهك أي شروطٍ معلنةٍ للخدمة، بما يخولها حذف المحتوى الذي تختاره، بل وحسابات كاملة دون سابق إنذارٍ أو سببٍ منطقيٍ. إذ يُقرر “تويتر” بشكلٍ انتقائيٍ وضع علامةٍ تحذيريةٍ على تغريداتٍ معينةٍ على نحوٍ يعكس بوضوحٍ التحيز السياسي. 

4- تستدعي تلك المنصات تبريراتٍ غير متسقةٍ وغير منطقيةٍ لتقييد خطاب الأمريكيين في الوقت الذي تُروّج فيه لأكاذيب الحكومات الأجنبية مثل الصين. على سبيل المثال، سمحت بعض الشركات بإخفاء البيانات غير المواتية للحزب الشيوعي الصيني، وسمحت لمسئولي الحكومة الصينية باستخدام منصاتهم لنشر المعلومات الخاطئة فيما يتعلق بأصل جائحة (كوفيد-19)، وتقويض الاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية في هونج كونج.

5- يجب تعزيز وحماية وجهات النظر المتنوعة في بيئة الاتصالات الرقمية، حيث يملك كلُ أمريكيٍ صوتًا. ويجب السعي للشفافية والمساءلة وتشجيع المعايير والأدوات لحماية نزاهة وانفتاح الخطاب الأمريكي وحرية التعبير والحفاظ عليها.

وعلى صعيد القواعد التي تنظم الحصانة من المسئولية التي أنشأها القسم 230 (ج) من قانون آداب الاتصالات، أشار الأمر التنفيذي إلى ضرورة توضيح نطاق تلك الحصانة؛ فلا تمتد إلى ما يتجاوز الغرض منها، وهو توفير الحماية لأولئك الذين يزعمون أنهم يوفرون للمستخدمين منتدىً مفتوحًا لحرية التعبير؛ فلا تُستخدم سلطتهم للانخراط في أفعالٍ خادعةٍ تُقوض النقاش الحر والمفتوح من خلال مراقبة وجهات نظرٍ بعينها. 

هدف الكونجرس إلى توفير الحماية لتلك المنصات التي حاولت بدورها حماية القاصرين من المحتوى الضار وإزالته. بيد أن تلك الحماية تستوجب مراعاة الغرض منها؛ فلم يكن الهدف منها هو السماح لعددٍ قليلٍ من الشركات بالنمو والتحول إلى جبابرةٍ يتحكمون في الخطاب الوطني تحت ستار تشجيع المنتديات المفتوحة. فإذا أزال مزود الخدمة أو قيّد الوصول إلى محتوى بعينه، فإنه يُشارك في عملية التحرير، ما يستوجب فقدانه الحماية، بل وتعريضه للمسئولية مثل أي محررٍ وناشرٍ تقليديٍ.

وفي غضون 60 يومًا من تاريخ الأمر التنفيذي، سيتوجب على وزير التجارة التشاور مع المدعي العام والعمل من خلال الإدارة الوطنية للاتصالات والمعلومات (NTIA) على تقديم عريضةٍ من أجل وضع اللوائح التوضيحية لقواعد الحكومة الاتحادية بالتنسيق مع لجنة الاتصالات (FCC). وفي غضون 30 يومًا من تاريخ الأمر التنفيذي، سيرفع رئيس كل وكالةٍ نتائجه إلى مدير مكتب الإدارة والميزانية. وتُقيّم وزارة العدل موقف منصات التواصل الاجتماعي من الخطاب الحكومي، مع مراجعة الأفعال أو الممارسات غير العادلة أو الخادعة. كما يضع النائب العام اقتراحًا للتشريع الاتحادي لتعزيز الأهداف المرغوبة.

أبرز الدلالات

يُشير أمر “ترامب” التنفيذي إلى إيمانه العميق بتآمر وسائل التواصل الاجتماعي ضده. كما يؤكد أن صوته هو الصوت الوحيد الذي يمكن لمؤيديه الوثوق به. ولذا دفع كثيرون بتسييسه لأنه يُغيّر القانون الفيدرالي الحالي، ويشتت الانتباه بعيدًا عن سوء إدارة “ترامب” لأزمة كورونا. إذ يطال الأمر التنفيذي بعض المدونات وعمالقة وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديدًا الحصانة التي تملكها فيما يتعلق بإزالة أو تقييد المنشورات التي تُعد “فاحشة أو بذيئة أو فاسدة أو قذرة أو شديدة العنف أو غير مقبولة”.

فإذا قيدت تلك المنصات الوصول إلى محتوى الآخرين بسوء نيةٍ أو تجاوزت في إزالة المحتوى المفصل في القانون، فيجب اعتبارها ناشرًا لا منصةً محايدةً، وبالتالي تفقد حصانتها القانونية. وهو ما قد يثبط تلك المنصات عن القيام بدورها النشط في تنظيم المحتوى الضار. ومن ثمّ يختبر الأمر التنفيذي حدود سلطة البيت الأبيض في الحد من قوة تلك المنصات من خلال إعادة تفسير قانون عام 1996 الذي يحميها -بجانب المواقع الإلكترونية- من الدعاوى القضائية، في أحدث جولةٍ من معارك “ترامب” المحتدمة مع تلك المنصات بالتزامن مع سعي الأخيرة لمجابهة ظاهرة المعلومات المضللة. 

وبينما اختار “تويتر” عدم حذف أو تعديل تغريدات “ترامب” حتى عند انتهاكها شروط الخدمة، رفضت شركة “فيسبوك” إزالة المنشورات المشابهة لتغريدات الرئيس. إذ تواجه شبكات التواصل الاجتماعي باستمرارٍ انتقاداتٍ نتيجة تطبيق سياسة الكيل بمكيالين في مكافحة التضليل الإعلامي. فقد قررت شركة “فيسبوك” عدم عرض التصريحات التي تُدلي بها شخصياتٌ سياسيةٌ على أطرافٍ ثالثةٍ في إطار خدمة تقصي الحقائق. وفي المقابل، قرر “تويتر” منع الإعلانات ذات الطابع السياسي. ولكن تبعًا لدرجة خطورة التغريدات، يُمكن للأخير توجيه إنذاراتٍ أو تحذيراتٍ بل وشطب التغريدات إن تضمنت معلوماتٍ كاذبةً أو خطيرةً حسب رأيها. 

فعلى الرغم من تزايد عدد متابعيه على “تويتر”، واستخدامه له منذ عام 2009، يسعى “ترامب” إلى كبح جماح عمالقة التكنولوجيا في صدامٍ واضحٍ بينه وبين المواقع والمنصات التي ينشر عليها آراءه، وهو الصدام الذي تمتدّ جذوره لسنواتٍ ماضيةٍ. فقد سبق أن اتهم “ترامب” عمالقة التكنولوجيا بالانخراط في الرقابة السياسية. كما اتهم الرئيس التنفيذي لـ”تويتر” “جاك دورسي” بالحدّ من متابعيه.

وبجانب مساعي البيت الأبيض لكبح جماح منصات التواصل الاجتماعي، فتح المدّعون العامون في بعض الولايات الأمريكية -جنبًا إلى جنب مع الكونجرس خلال العام الماضي- تحقيقاتٍ حول القوة السوقية لعمالقة التكنولوجيا، ومن المتوقّع أن يرفعوا دعاوى قضائيةً تتهم شركة “جوجل” بالاحتكار خلال هذا الصيف.

وقد حاول الديمقراطيون دفع منصات التواصل الاجتماعي إلى مجابهة خطاب الكراهية والمحتويات المسيئة للشرطة بشكلٍ أفضل. وفي المقابل، اتهمها الجمهوريون بالتحيز الليبرالي والقمع الممنهج للأصوات ذات الميول اليمينية، على الرغم من نفي تلك المنصات لتلك الادعاءات كافَّةً. وقد هدّد الجمهوريون لسنواتٍ عدةٍ بإلغاء القسم 230 عقابًا لتلك المنصات على تحيزاتها المسبقة حسب رؤيتهم. 

أهم التداعيات

على خلفية الأمر التنفيذي، ستطلب وزارة التجارة من لجنة الاتصالات الفيدرالية لوائح جديدةً تُوضّح متى يُنتهك “حسن النية” الوارد في القسم 230 (ما قد يُسهّل مقاضاة شركات التواصل الاجتماعي). كما سيُطلب من لجنة التجارة الفيدرالية تقديم تقريرٍ عن الشكاوى المتعلقة بالتحيز السياسي التي جمعها البيت الأبيض. بعبارةٍ أخرى، يتوقف أمر “ترامب” التنفيذي على لجنتي “التجارة الفيدرالية” و”الاتصالات الفيدرالية” المستقلتين عن الحكومة الأمريكية. وقد قال المتحدث باسم الأولى “بيتر كابلان” إن “لجنة التجارة الفيدرالية ملتزمة بالإنفاذ القوي لقوانين حماية المستهلك والمنافسة بما يتفق مع سلطاتها”. وقال رئيس الثانية “أجيت باي” إن “لجنة الاتصالات الفيدرالية ستراجع طلب الحكومة إصدار قواعد جديدة في هذا الشأن”.

في هذا الإطار، شكّك الخبراء القانونيون في دستورية الأمر التنفيذي لتغوله على حقوق الشركات الخاصة، والتفافه على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتجاوزه القانون الذي سنّه الكونجرس سلفًا دون أن يَسن آخر عوضًا عنه، واستقلالية لجنة التجارة الفيدرالية عن الرئيس الأمريكي، واختصاص المحاكم لا لجنة الاتصالات الفيدرالية بالدعاوى القضائية.

في المقابل، دفع آخرون بإمكانية تغيير النظام الأساسي من قبل الكونجرس، وإمكانية وضع مشروع قانونٍ جديدٍ له بواسطة النائب العام “وليام بار”، بما يحدّ من الحماية القانونية التي يمنحها القسم 230 لشركات التكنولوجيا العملاقة. وبعبارةٍ ثانيةٍ يُمكن تمهيد الطريق لكتابة قواعد جديدة تفرض على الشركات التي تُظهر تحيزها السياسي عقوباتٍ جديدةً.

ويظل الأمر رهنًا بكيفية تفعيل الأمر التنفيذي الذي قد تتجاوز تداعياته عمالقة التواصل الاجتماعي لتطال مختلف المواقع الإلكترونية والتطبيقات والمنتديات لتتحمل مسئولية المحتوى المتداول على منصاتها. وعلى المدى البعيد لا شك في تضاعف سلطة “ترامب” على شركات وسائل التواصل الاجتماعي، في سياق صراعه مع ساحةٍ قادرةٍ على التأثير في طموحه بالفوز بفترة رئاسةٍ ثانيةٍ، بما قد ينعكس أيضًا على الأسس الديمقراطية التي تقوم عليها الولايات المتحدة الأمريكية.

مواقف الشركات العملاقة

في تغريدةٍ لها قالت شركة “تويتر” إن “الأمر التنفيذي هو نهجٌ رجعيٌ ومُسيّسٌ لقانونٍ تاريخيٍ”. وأضافت: “يحمي القسم 230 الابتكار الأمريكي وحرية التعبير، وتدعمه القيم الديمقراطية. وتُهدد محاولات تقويض الحصانة القانونية مستقبل الإنترنت وحرية التعبير”. وقال الرئيس التنفيذي للشركة “جاك دورسي” إن “النظام الأساسي سيواصل تحذير المستخدمين من التشوهات الموجودة عليه”. كما كتب “دورسي” على “تويتر” إن “هذا لا يجعلنا حكامًا على الحقيقة.. نيتنا هي ربط التصريحات المتضاربة وإظهار المعلومات المتنازع عليها حتى يتمكن الناس من الحكم بأنفسهم. مزيد من الشفافية أمرٌ بالغ الأهمية حتى يتمكن الأشخاص بوضوحٍ من معرفة السبب وراء أفعالنا”. 

وقالت “ليز بورجوا” (المتحدثة باسم “فيسبوك”) في بيانٍ لها، إن “الشركة تؤمن بحماية حرية التعبير إلى جانب حماية المستخدمين من المحتوى الضار. هذه القواعد تنطبق على الجميع. سيسفر إلغاء أو تقييد القسم 230 عن آثارٍ عكسيةٍ. سوف يُقيد مزيدًا من الكلام على الإنترنت”. وأضاف “آندي ستون”، إن “إنهاء درع المسئولية لشركات وسائل التواصل الاجتماعي سيجعلها مسئولةً عما يقوله مليارات المستخدمين حول العالم”. وقال: “من شأن ذلك أن يُعاقب الشركات التي تسمح بالخطابات المثيرة للجدل، ويشجعها على فرض رقابةٍ على أي شيٍء قد يُسيء إلى أي شخصٍ”. 

وقالت “ريفا شيوتو” (المتحدثة باسم “جوجل”) في بيانٍ لها، إن “تقويض القسم 230 يمكن أن يُضر بالاقتصاد ودور الولايات المتحدة في حرية الإنترنت. لدينا سياساتٌ واضحةٌ للمحتوى نُطبقها بغض النظر عن وجهة النظر السياسية. لقد عَملت منصاتنا على تمكين مجموعةٍ واسعةٍ من الأشخاص والمنظمات على اختلاف أطيافهم السياسية، ومنحتهم صوتًا وطرقًا جديدةً للوصول إلى جماهيرهم”.

بين التأييد والمعارضة

رَحّب بعض الجمهوريين بهذه الخطوة، مؤكدين ضرورة تحمل “فيسبوك” و”تويتر” مسئولية المحتوى المتداول على منصاتهما، من ذلك “نيويورك تايمز” وغيرها من الصحف الكبرى. وفي هذا السياق، قال السيناتور “جوش هاولي” إن إضافة ملصقاتٍ تحذيريةٍ إلى تغريدات الرئيس هو قرارٌ تحريريٌ يُظهر أن منصات التواصل الاجتماعي تتصرف وكأنها ناشرٌ، ولذا يجب رفع الحماية التي تحظى بها. وكتب “هاولي” في رسالةٍ إلى “دورسي” على موقع “تويتر” إنه “من غير المنطقي معاملة الشركات التي تنشر تعليقاتها التحريرية حول محتوى الآخرين كما لو كانوا مجرد موزعين. يجب التعامل مع الشركات التي تتصرف مثل الناشرين كالناشرين”.

كما قال السيناتور الجمهوري عن ولاية تكساس “تيد كروز” إن “التكنولوجيا الكبيرة لم تعد قادرةً على التوقف. لفترةٍ طويلةٍ اختبأت منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر خلف خوارزمياتها الغامضة وحصانة القسم 230”. وأضاف: “هذا لا يؤدي إلى خنق حرية تعبير الأمريكيين فحسب، إنه يحدد ما يراه الأمريكيون ويسمعونه ويفكرون فيه في نهاية المطاف في مختلف القضايا الرئيسية التي تواجه بلادنا، بما في ذلك كيفية معالجتها ومن يجب أن ينتخب لمعالجتها”.

وقال مدير حملة ترامب “براد بارسكال” إن “وسائل الإعلام الاجتماعية عملت دون رادعٍ لسنواتٍ مع التمتع بحماية القانون الفيدرالي. لقد نَصّب عمالقة وادي السليكون أنفسهم حكامًا للحقيقة، واضعين علاماتٍ على ما يختلفون معه، لكنهم أظهروا أنه لا يمكن الوثوق بهم ليكونوا صادقين وعادلين”.

في المقابل، أثار الأمر التنفيذي معارضةً واسعةً دارت بالأساس حول انتهاك ذلك الأمر التنفيذي لحرية التعبير والتعديل الدستوري الأول، وهشاشة أساسه القانوني، واحتمالات تدخل الحكومة في المحتوى الخاص، وتجاوز المحاكم للتوصل إلى فهمٍ مختلفٍ لقانون آداب الاتصالات، والتحايل على الكونجرس، وغياب الصلاحيات التي تخول “ترامب” تفسير القانون الاتحادي، ومعاقبة شركات وسائل التواصل الاجتماعي على ما يثير استياء الرئيس.

وفي السياقٍ نفسه، قال رئيس رابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات “مات شرورز” إنه “إذا اختفت هذه الحماية، ستزداد عدوانية شركات وسائل التواصل الاجتماعي عند الإشراف على المحتوى وغلق الحسابات”. كما قال الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية تكنولوجيا المستهلك “غاري شابيرو” إن “الأمر التنفيذي غير دستوري وغير مدروس. إن حماية حرية الكلام في القسم 230 من قانون آداب الاتصالات هي الأساس القانوني لاقتصادنا الأمريكي النشط عبر الإنترنت والقيادة الرقمية العالمية لأمتنا. إن شركات الإنترنت الأمريكية تقود العالم ومن غير المعقول أن يسعى قادتنا السياسيون لفرض الرقابة عليها لأغراضٍ سياسيةٍ. يقوم هؤلاء السياسيون أنفسهم بالإعلان عليها على نطاقٍ واسع”. 

وقالت رئيسة مجلس النواب “نانسي بيلوسي” إنها تدعم مبادرة “تويتر” للإبلاغ عن التغريدات التي تحتوي على أكاذيب. وأضافت: “إن أمر ترامب يوجه الحكومة الفيدرالية إلى تفكيك الجهود لمساعدة المستخدمين على التمييز بين الحقيقة والخيال. وهي قضية أساسية في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، ومن المتوقع أن تكون مؤثرةً في نوفمبر المقبل. إن ما يفعله الرئيس هو عبارة عن تشتيتٍ يائسٍ من فشله في تطبيق استراتيجيةٍ وطنيةٍ لهزيمة كوفيد-19”.

وفي بيانٍ أرسلته إلى الصحفيين قالت كبيرة المستشارين التشريعيين في اتحاد الحريات المدنية الأمريكية “كيت روان”، إن “ترامب ليست لديه سلطة لإعادة كتابة قانون الكونجرس بأمرٍ تنفيذيٍ يفرض تفسيرًا خاطئًا للقسم 230 الذي يحفز المنصات على استضافة جميع المحتويات دون خوفٍ من تحملها المسئولية. إنها تمكن الكلام، لا الرقابة”.

ختامًا، عبر سنواتٍ عديدة سمح “تويتر” لترامب وغيره من السياسيين بمشاركة وجهات نظرهم دون قيودٍ تُذكر، حتى وإن روجت آراءهم لشائعاتٍ أو لأكاذيب أو لمعلوماتٍ مغلوطةٍ. ومن ثمَّ يعكس موقف “تويتر” من تغريدات “ترامب” تحولًا كبيرًا على سياسة مكافحة المحتوى المضلل. ويرى البعض أن “ترامب” هو المستفيد الأكبر من القسم 230، وبدونه لكان قد تحمل المسئولية القانونية عن الأكاذيب والتشهير والتهديدات التي يلوح بها في الكثير من الأحيان، وعلى الرغم من ذلك يخوض ترامب معركةً شبه خاسرةً في مواجهة شركات التواصل الاجتماعي، وهي المعركة التي لا يملك زمامها أو الصلاحيات القانونية اللازمة لخوضها، ومن ثم لن يصمد فيها طويلًا.

د. رغدة البهي
رئيس وحدة الأمن السيبراني