وحدة الدراسات الأمريكية

الجدل حول أحداث العنف داخل الولايات المتحدة

عقب مقتل مواطن أسود على يد شرطي في ولاية مينيسوتا الأمريكية، شهدت عشرات المدن في عدة ولايات احتجاجات واسعة سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن، لتتوسع تدريجيًّا إلى عمليات سلب ونهب للمتاجر والمنشآت العامة، ورغم أن التاريخ الأمريكي حافل منذ ستينات القرن الماضي بحوادث مشابهة، إلا أن الأوضاع السياسية التي ميزت فترة ولاية الرئيس ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض في يناير2017 قد ألقت بظلالها على الحادث الأخير، خاصة مع اقتراب بداية الحملة الرسمية للانتخابات الرئاسية في أغسطس القادم والتي سيتنافس فيها ترامب مع مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن (ما يزال يحمل لقب المرشح المحتمل رغم حسمه…

أ. سعيد عكاشة
رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية

عقب مقتل مواطن أسود على يد شرطي في ولاية مينيسوتا الأمريكية، شهدت عشرات المدن في عدة ولايات احتجاجات واسعة سرعان ما تحولت إلى مواجهات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن، لتتوسع تدريجيًّا إلى عمليات سلب ونهب للمتاجر والمنشآت العامة، ورغم أن التاريخ الأمريكي حافل منذ ستينات القرن الماضي بحوادث مشابهة، إلا أن الأوضاع السياسية التي ميزت فترة ولاية الرئيس ترامب منذ وصوله للبيت الأبيض في يناير2017 قد ألقت بظلالها على الحادث الأخير، خاصة مع اقتراب بداية الحملة الرسمية للانتخابات الرئاسية في أغسطس القادم والتي سيتنافس فيها ترامب مع مرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن (ما يزال يحمل لقب المرشح المحتمل رغم حسمه لانتخابات البرايمريز في معظم الولايات الأمريكية). فكيف حدثت هذه التطورات؟ وما هي خلفياتها ودلالتها والنتائج المحتملة لها على المدي المنظور؟ 

ممارسات الشرطة أم الثقافة العنصرية؟

توضح الإحصاءات الرسمية الأمريكية أن نسبة القابعين في السجون الأمريكية، ونسبة من يتعرضون للعنف والقتل من ذوي الأصول الإفريقية على يد الشرطة من الأمريكيين تتراوح بين ضعف إلى ثلاثة أضعاف نسبتهم في المجتمع (والتي تبلغ قرابة 13%)، ويستند الكثير من المحللين إلى هذه الحقيقة لتفسير حوادث العنف التي يكون فيها الضحايا من السود على أنها نتيجة تضافر عاملي الممارسات العنصرية ومنهج الشرطة في التعامل مع الذين يتم توقيفهم، وهو ما حدث مؤخرًا عندما قُتل جورج فلويد على يد شرطي أمريكي في الخامس والعشرين من مايو الماضي بمدينة أنابوليس بولاية مينيسوتا، حيث تسبب فيديو الحادثة الذي انتشر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في إثارة موجه عارمة من الاحتجاجات، تحولت إلى أعمال شغب واسعة النطاق في عدة ولايات، حيث عادت الاتهامات للشرطة باستخدام العنف المفرط بدون مبرر، مصحوبة بتوجيه الاتهام للرئيس ترامب بأن خطابه العنصري والذي يتبناه منذ وصوله للبيت الأبيض قد لعب دورًا كبيرًا في إذكاء المشاعر العنصرية الموجودة أصلًا في المجتمع الأمريكي، والتي لم تنجح سياسات الحقوق المدنية منذ منتصف الستينات في القضاء عليها، وأن رجال الشرطة كجزء من المجتمع لا بد أن بعضهم ما يزال يحمل هذه المشاعر ويستغل صلاحيات استخدام السلاح بحكم وظيفته للتنفيس عن هذه المشاعر في بعض المواقف.

توجيه الاتهام لخطاب ترامب العنصري كما زعمت العديد من التعليقات التي أطلقها خصومه الديمقراطيون وإعلامهم، كشف البعد غير الظاهر في الأزمة وهو التوظيف السياسي للحادث من جانب الديمقراطيون وجماعات حقوقية وسياسية ضد ترامب الذي كان السبب الحقيقي في انفجار الوضع، حيث أظهرت بيانات تم نشرها على موقع  the societypages.org  في 26 مايو (عقب يوم واحد من الحادث) أن عدد حوادث القتل بواسطة الشرطة الأمريكية لأفراد غير مسلحين قد انخفض من 94  حادث في عام 2015 إلى 51  في عام 2016 ، ليعاود الارتفاع مجدداً إلى69  حادث في العام التالي، ولكنه أخذ في الانخفاض في العامين التاليين، حيث لم يسجل سوى 47  حادث في عام 2018 ، 41  حادث عام 2019.

القراءة الموضوعية لهذه البيانات توضح حقيقة أن حوادث القتل على يد الشرطة سجلت انخفاضًا ملحوظًا في العامين الأخيرين من حكم ترامب، وأنه لا صحة للزعم بوجود علاقة بين ما أسماه إعلام الديمقراطيين وتعليقات الجماعات اليسارية التي تسيطر على منظمات حقوق الإنسان والإعلام بـ”الخطاب العنصري لترامب” وبين حوادث العنف، بل العكس هو الصحيح حتى لو تجاهلنا أن الاتهام التقليدي الموجه لترامب هو خطابه القديم الذي احتوى على مقولات عنصرية ضد النساء وليس ضد الأمريكيين من أصول إفريقية، حيث تراجعت معدلات مثل هذه الجرائم في عهده. واستنادًا لنفس البيانات يتم التأكد من أن الضحايا من السود في هذه الحوادث قد انخفضت نسبتهم من 40% في عام 2015 إلى 34% في عام 2018 ، وهو برهان إضافي على عدم صحة المزاعم بوجود علاقة بين خطاب ترامب بشكل عام، وبين مثل هذه الجرائم، كما أن انخفاض أعداد هذه الحوادث يشكك في الاتهام المتكرر للشرطة وسياستها بأنها تتحمل مسئولية كبيرة فيها، فإذا أضفنا إلى ذلك كله حقيقة أن وصول أول رئيس أسود البشرة للحكم في الولايات المتحدة (باراك أوباما) لم يؤد إلى اختفاء مثل هذه الحوادث بل إنها زادت في بعض سنوات حكمه (2009- 2017)، فإن الاستخلاص المؤكد أن مسئولية الرؤساء وسياستهم عن حجم هذه الحوادث تبقى محل شك كبير. 

لا يبقي من تفسير لحادث فلويد الأخير إلا أنه خضع لمؤثرات خارجية تنحصر في حالة الانفلات في قواعد الديمقراطيين ومؤيديهم بسبب عجزهم على مدى السنوات الثلاث الأخيرة عن الإطاحة بترامب، خاصة مع فشلهم في فبراير الماضي في عزله بواسطة مجلس الشيوخ، وهو ما دفعهم لمحاولة الانتقام من عجزهم باستغلال حادث فلويد لتحريك الشارع ضده، وفي نفس الوقت استثمار نفس الحادث لمحاولة جذب أصوات السود الأمريكيين بأكملها لصالحهم في الانتخابات القادمة.

لكن ما علاقة الديمقراطيين بحركة Antifa التي اتهمها ترامب بأنها هي من قادت وحرضت على أعمال العنف والسلب والنهب؟ وهل يمكن تأييد مزاعم ترامب في هذا الصدد؟ 

لا تعتبر هذه الحركة جماعة منظمة، بل مجرد أفراد بأعداد كبيرة يتبنون أفكارًا فوضوية ويسارية متطرفة، وينشطون على وسائط التواصل الاجتماعي لشن حملات تحت شعار مقاومة الفاشية والعنصرية. وقد بدأ ظهورهم في الولايات المتحدة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وإن كانت أصولهم تمتد لأوروبا في ثلاثينات القرن الماضي، ولم تكن مصادفة أن تظهر هذه الجماعات بقوة في أعقاب نهاية الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، وتزايد أنشطة منظمات المجتمع المدني والجماعات الحقوقية، حيث يظهر من سيطرة الجماعات ذات الأصول الشيوعية بتنويعاتها على معظم المنتمين لها فكريًّا، أنها رد فعل على الهزيمة الفكرية والسياسية للشيوعية، وأن ما يحركها فعليًّا هو كراهيتها  لكل الأفكار والمؤسسات التي تنتمي للرأسمالية والليبرالية الكلاسيكية التي تعتبر الجانب المنتصر في الحرب الباردة، ولكنها تخفي توجهاتها الانتقامية تحت شعارات ودعوات حقوق الإنسان ومواجهة الاستبداد ورفض العنصرية، كما أن القطاعات الأكثر تأثيرًا في هذه الجماعات يغلب عليها الارتباط بالأفكار الفوضوية الداعية لإسقاط السلطة كفكرة واستبدالها بحكم ذاتي للمجتمعات بنفسها. 

المعروف أن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كان أول من تبنى العديد من الجماعات غير الحزبية التي تحمل أفكارًا تدعوا لحماية البيئة والمساواة وحقوق الشواذ، وينشط أغلب هذه الجماعات في الجامعات الأمريكية وبين الشباب، وقد لعبوا دورًا كبيرًا في حمله للبيت الأبيض كما استخدمهم أوباما في تطبيق سياسة الفوضى الخلاقة (كانت من ابتكار إدارة بوش الابن في الأصل) التي أودت بالشرق الأوسط إلى كارثة الفوضى التي بدأت بعد عام واحد من وصوله للبيت الأبيض. ويفسر هذا الواقع كيف صارت الجماعات الفوضوية جزءًا من أدوات الديمقراطيين في تحقيق أفكارهم في الخارج والداخل. صحيح أن مؤسسة الحزب الديمقراطي لا تُظهر للعلن علاقتها بهذه الجماعات ولكن سكوتها عن أعمال العنف الواسعة النطاق مؤخرًا والتي لعب فيها الفوضويون دورًا لا يمكن إنكاره، ومحاولة توجيهه الاتهام لترامب وسياسته لتبرير الحادث يكشف مدى تواطؤهم أو برجماتيتهم على الأقل، فطالما أن دعوات الفوضى يمكن أن تخدمهم في معركتهم مع ترامب فلماذا يدينونها صراحة أو لماذا يحرصون على إيقافها؟! وتبين المشاهد التي يظهر فيها الرئيس السابق أوباما وهو يتصدر مناسبات احتجاجية من جانب السود، واستغلاله مهاراته في الكلام لإشعال عواطف الأمريكيين من أصول إفريقية، أن الديمقراطيين راضين عما تقوم به الجماعات الفوضوية، وهو ما تكشفه تغريدات مرشحهم في الانتخابات الرئيسة المقبلة جو بايدن والتي تتجاهل عن عمد توجيه الخطاب للمحتجين بالكف عن أعمال العنف.

النتائج المحتملة لأحداث العنف الأخيرة

من المؤكد أن أحداث العنف التي صاحبت مقتل فلويد سيكون لها تداعيات عديدة، سواء على المستوى المعرفي من حيث فحص بعض المقولات التأسيسية التي سادت في العقود الماضية حول تفسير العنف الاجتماعي والسياسي في المجتمعات، أو على مستوى الداخل الأمريكي خاصة فيما يتعلق بمعركة السباق الانتخابي بين ترامب وبايدن.

على المستوى المعرفي سقطت النظرية التي تدعيها الجماعات اليسارية المسيطرة على المؤسسات الأكاديمية والإعلامية في أوروبا والولايات المتحدة والتي روجت للقول بأن عنف الشارع أو سلميته في أي مجتمع مرتبط بنوع السلطة فيه، بمعنى أنه كما أن الديمقراطيات لا تتحارب (زعْم أكثر قِدمًا لأصحاب نفس المدرسة) فإن النظم الديمقراطية بما تتيحه من حريات واسعة للتعبير عن الرأي والحق في التظاهر والاعتصام والإضراب لا يمكن أن تشهد أعمال عنف سياسية واسعة بأي حال! الآن وبعد اتساع أعمال العنف في الولايات المتحدة واستمرارها لأكثر من أسبوع، ومع اضطرار ترامب لدعوة الولايات لاستدعاء الحرس الوطني واستعانته بالجيش لوقف الفوضى، سيكون من الصعب على أصحاب ربط عنف الشارع بغياب الديمقراطية أن يدافعوا عن نظريتهم، التي حتى لو ادعت أن ترامب بشخصيته وأسلوبه هو من تسبب في انفجار الأوضاع، فإنهم لن يقنعوا أحدًا بكيفية تفسير عجز المنظومة الديمقراطية -والتي لا يستطيع ترامب ولا أي رئيس أمريكي تعطيلها- عن العمل بشكل مفاجئ، إلا لو اعترفوا بوجود متغير جديد وهي الأجندة المختلفة لنشطاء ينتمون للفكر الفوضوي والذين باتوا قادرين على تهديد السلطة والدولة، سواء في الدول الديمقراطية أو تلك التي يصفونها بأنها نظم ودول استبدادية. 

على نطاق الداخل الأمريكي وعلى عكس ما يتمنى الديمقراطيون، فقد يتسبب تشجيعهم غير المباشر لأعمال العنف والفوضى ضد ترامب في زيادة تمسك الأغلبية من البيض به كمرشح لهم في الانتخابات القادمة بسبب شعورهم أن الديمقراطيين لا يهمهم سوى جذب أصوات الأعراق الأخرى ولو على أشلاء البلاد التي تعاني من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة بسبب تداعيات وباء كورونا المستمرة بلا أفق نهائي، كما أن رهانهم على أن تصريحات ترامب ضد المتظاهرين ووصفهم بأنهم مخربون قد يضمن لهم خسارته تأييد الأقليات العرقية بشكل كامل، قد يكون رهانًا غير صحيح؛ فترامب كان حريصًا على أن يوجه اتهاماته للفوضويين وليس لعرق معين، كما أنه وفريقه سيسعون حتمًا للتحرك المكثف في أوساط الأقليات، خاصة الأقلية السوداء لتخفيف بعض الآثار التي خلفتها حادثة فلويد.

أ. سعيد عكاشة
رئيس وحدة الدراسات الإسرائيلية