استخلاصات كورونية

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تداعيات أزمة كورونا سوف تظهر بالتدريج سواء فى السياسات الداخلية أو بالنسبة للنظام الدولى، فهى مثل الزلزال الكبير والذى نعيش فى ظله الأن، والذى سيكون له أيضا عدد من التوابع التى سوف تظهر آثارها تباعا وبالرغم من المدى الطويل الذى سوف تتراكم فيه نتائج أزمة كورونا، إلا أنه يمكن رصد عدد من الاستخلاصات المرتبطة بهذه النتائج، والتى بدأت تتبلور بالفعل فى أرض الواقع، ومنها: أولا، ساهمت أزمة كورنا فى إضعاف الأيديولوجيات السياسية التى أثرت على الحياة الحزبية وخيارات الناخبين لعقود طويلة، فهذه الأزمة لم ترتبط بخطاب أيديولوجى معين سواء يمينى أو يسارى، محافظ أو ليبرالى، حيث تعاملت معها كل حكومات…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

تداعيات أزمة كورونا سوف تظهر بالتدريج سواء فى السياسات الداخلية أو بالنسبة للنظام الدولى، فهى مثل الزلزال الكبير والذى نعيش فى ظله الأن، والذى سيكون له أيضا عدد من التوابع التى سوف تظهر آثارها تباعا

وبالرغم من المدى الطويل الذى سوف تتراكم فيه نتائج أزمة كورونا، إلا أنه يمكن رصد عدد من الاستخلاصات المرتبطة بهذه النتائج، والتى بدأت تتبلور بالفعل فى أرض الواقع، ومنها:

أولا، ساهمت أزمة كورنا فى إضعاف الأيديولوجيات السياسية التى أثرت على الحياة الحزبية وخيارات الناخبين لعقود طويلة، فهذه الأزمة لم ترتبط بخطاب أيديولوجى معين سواء يمينى أو يسارى، محافظ أو ليبرالى، حيث تعاملت معها كل حكومات العالم بكتالوج متشابه بدرجة كبيرة، وبغض النظر عن توجهاتها الأيديولوجية. وحكمت الشعوب على قياداتها، استنادا لمدى كفاءتها العملية فى إدارة الأزمة وليس الأفكار والشعارات التى تروج لها، وظهرت أهمية الرشادة والخبرة بشؤون الحكم فى العبور من الأزمة، وهى صفات سوف يبحث عنها الناخب ويكافئ أصحابها وليس أصحاب المغامرة والتجريب، فى أى انتخابات قادمة.

استخلاص ثانٍ يتعلق بما يمكن أن يسمى «إعادة اختراع الحكومة»، حيث أظهرت الأزمة الحاجة لتحديث مؤسسات الدولة، والمقصود بذلك المؤسسات الحكومية والبيروقراطية التى تقدم الخدمات للمواطن. فالأزمة مثلت تراجعا لأنصار الاتجاه الذى ينادى بإضعاف دور المؤسسات الحكومية والحد من تمويلها، وأن إدارة الدولة يجب أن تكون مثل إدارة المؤسسات التجارية، حيث كشفت جائحة كورونا الحاجة للمؤسسات البيروقراطية للدولة، وأن هناك مشاكل لا يمكن حلها بواسطة قوى السوق أو الكيانات الخاصة. ومن ثم سيشهد عالم ما بعد كورونا قيام العديد من القادة السياسيين بتبنى برامج لتحديث المؤسسات الحكومية، وإعادة بناء قدرتها كأداة لتنفيذ السياسات، والاستثمار فى تطويرها، وخاصة فى بنيتها التحتية والمعلوماتية، وقدراتها البشرية، وكذلك تطوير آليات التنسيق بين المؤسسات، والاستفادة من التطور التكنولوجى فى رفع كفاءتها. باختصار أوضحت جائحة كورونا أهمية دور المؤسسات الحكومية فى إدارة الأزمات، وأن القائد السياسى، ومهما كانت مهاراته وخبراته الخاصة، يحتاج بجواره إلى مؤسسات حكومية كفئة لعبور الأزمات.

استخلاص آخر هو توجه العديد من الدول إلى تبنى سياسات تستهدف تحقيق الاكتفاء الذاتى فى بعض المنتجات الاستراتيجية، والاعتماد على منتج محلى وليس مستوردا، وهو ما يقترب من السياسة التى تبنتها بعض الدول ذات التوجه الاشتراكى فى الستينات والسبعينات وأطلق عليها «إحلال الواردات»، والتى تم استبدالها بعد ذلك بسياسة الترويج للصادرات، بمعنى أن تتخصص كل دولة فى إنتاج السلع التى تتمتع فيها بمزايا نسبية وتقوم بتصديرها للخارج، وتستورد من الدول الأخرى السلع التى تفتقد فيها هذه المزايا. ولكن كشفت أزمة كورونا عن انكشاف استراتيجى لبعض الدول فى سلع اعتمدت على استيرادها من الخارج، إما لتوقف حركة الانتقال أو خطوط الإنتاج، أو لتفضيل الدول المصدرة الاحتفاظ بسلعها للاستهلاك المحلى وليس للتصدير للخارج، وهو ما سيدفع العديد من الدول لتبنى سياسات لتحقيق اكتفاء ذاتى لاعتبارات أمنية وبغض النظر عن التكلفة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج المحلى مقارنة بالمستورد، وقد يرتبط بذلك تبنى إجراءات حمائية لمساندة الشركات المحلية ضد المنافسة الأجنبية.

باختصار عالم ما بعد كورونا بدأ يتبلور، وسوف تظهر المزيد من ملامحه خلال الشهور القادمة.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٥ مايو ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر