loader

عودة الأمن الغذائي

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

إحدى التداعيات الكبرى لجائحة كورونا هو تأثيرها على الأمن القومى، وقيام العديد من دول العالم بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية استنادا للتهديدات الجديدة التى تعرضت لها أثناء هذه الأزمة. أحد هذه التهديدات هو ما يتعلق بالأمن الغذائى، فبالرغم من أن العالم لا يعنى عجزا فى إنتاج الغذاء، وهناك فائض من السلع الزراعية يتم تصديره لمن يحتاجه، إلا أن أزمة كورونا أثرت على صادرت الغذاء نتيجة لعاملين، الأول هو توقف حركة النقل بشكل كبير نتيجة الإغلاق وإجراءات السلامة الصحية، أما العامل الآخر فهو قيام عدد من دول العالم المصدرة للغذاء بوضع قيود على صادراتها من المنتجات الزراعية من أجل ضمان أن يكون…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

إحدى التداعيات الكبرى لجائحة كورونا هو تأثيرها على الأمن القومى، وقيام العديد من دول العالم بإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية استنادا للتهديدات الجديدة التى تعرضت لها أثناء هذه الأزمة.

أحد هذه التهديدات هو ما يتعلق بالأمن الغذائى، فبالرغم من أن العالم لا يعنى عجزا فى إنتاج الغذاء، وهناك فائض من السلع الزراعية يتم تصديره لمن يحتاجه، إلا أن أزمة كورونا أثرت على صادرت الغذاء نتيجة لعاملين، الأول هو توقف حركة النقل بشكل كبير نتيجة الإغلاق وإجراءات السلامة الصحية، أما العامل الآخر فهو قيام عدد من دول العالم المصدرة للغذاء بوضع قيود على صادراتها من المنتجات الزراعية من أجل ضمان أن يكون هناك إمدادات كافية لمواطنيها فى الداخل (بمنطق الذى يحتاجه البيت يحرم على الجامع)، وخاصة أن لا أحد يعرف المدى الزمنى الذى سوف تنتهى فيه هذه الأزمة.

ووفقا لتقرير نشر حديثا فى جريدة الوول ستريت الأمريكية، فإن الهند- على سبيل المثال- وهى واحدة من أكبر مصدرى الأرز فى العالم، وتذهب صادراتها للعديد من الدول فى إفريقيا وآسيا، فإنها استطاعت شحن ما بين ١٥٪ و٢٠٪ فقط من حجم صادراتها الطبيعية من الأرز، والسبب فى ذلك- وفقا للمسؤولين- هو مشاكل لوجيستية، ففى الماضى كان هناك سفينة متاحة كل يومين أو ثلاثة، أما الآن فهناك سفينة واحدة كل أسبوعين.

ولكن من ناحية أخرى، قامت الدول التى تبيع الأرز فى الأسواق العالمية بفرض قيود على الصادرات، حيث أوقفت فيتنام، ثالث أكبر مصدر للأرز فى العالم، جميع السفن فى مارس. كما فرضت ميانمار وكمبوديا قيودًا مشابهة، وأوقفت روسيا، وهى أكبر مصدر للقمح فى العالم، صادرتها من القمح حتى يوليو، وكذلك وضعت أوكرانيا وكازخستان ورومانيا قيودا على مبيعاتها، وأدى ذلك إلى ارتفاع بعض أنواع الأرز بنسبة ١٤٪ وأنواع للقمح بنسبة ٧٪ على الرغم من توافر المحصولين.

ولم يكن الأمر قاصرا على القمح والأرز فقط، بل تم وضع قيود على تصدير العديد من السلع الأخرى، وحذر برنامج الغذاء العالمى من أن ما يقرب من ثلاثين دولة قد تواجه المجاعات بحلول نهاية العام، وأن العديد من بلدان العالم، غنية وفقيرة، تواجه تحديات كبيرة فى حصول سكانها على ما يكفى من الطعام فى الأشهر والسنوات القادمة.

تقرير الصحيفة الأمريكية أشار إلى أن مصر، والتى نادرا ما تقوم بشراء القمح الأجنبى خلال موسم الحصاد الخاص به، والذى يجرى حاليًا. ومع ذلك، فقد اشترت الشهر الماضى كميات كبيرة من الحبوب الفرنسية والروسية، كجزء من خطة القاهرة الجديدة لتخزين احتياطيات تصل إلى ثمانية أشهر. وهو توجه محمود.

باختصار، وبالرغم من أن البعض يرى أن أزمة الإمدادات الغذائية هى أمر مؤقت، سينتهى مع عودة فتح الحدود وحركة النقل، إلا أن القضية الأكبر هى أن جائحة كورونا قضت على فكرة أن الأسواق الدولية قادرة دائما على حل المشاكل، وأن القواعد المرتبطة بحرية التجارة سوف تتيح للدولة المستهلكة الحصول على احتياجاتها من هذه الأسواق، حيث لم يتيسر ذلك، كما أعطت الدول المصدرة الأولوية لاحتياجات مواطنيها. هذا التطور سوف يجعل قضية الأمن الغذائى وتحقيق أكبر قدر من الاكتفاء الذاتى فى السلع الاستراتيجية (ليس فقط الغذاء، ولكن أيضا الأدوية والمستلزمات الطبية… وغيرها) ضمن أولويات الأمن القومى للعديد من دول العالم.

*نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ١٨ مايو ٢٠٢٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر