وحدة الدراسات الاقتصادية

إلى أين يتجه سوق العقارات المصرية خلال عام 2020؟

على الرغم من النمو الاقتصادي المصري القوي خلال السنوات الأخيرة، تراجعت أسعار المنازل في مصر في بداية 2019 قبل أن تتحسن مجددًا بنهايته، حيث إنخفض مؤشر أسعار العقارات على الصعيد الوطني بنسبة 11.7٪ خلال العام حتى الربع الأول من عام 2019، على عكس النمو السنوي الذي بلغ 18.2٪ في الفترة نفسها من العام الماضي. وإذا أخذنا معدل التضخم في الاعتبار، فسوف يصل هذا الانخفاض إلى 22.6٪ تقريبًا. وكان التضخم في مصر قد بلغ أعلى ذروة له مسجلًا حوالي 33٪ في يوليو 2017، ثم تراجع منذ ذلك الحين بصورة منتظمة. ويعتبر المحللون معدلات التضخم هي السبب الأبرز للتباين بين القيم الأسمية…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

على الرغم من النمو الاقتصادي المصري القوي خلال السنوات الأخيرة، تراجعت أسعار المنازل في مصر في بداية 2019 قبل أن تتحسن مجددًا بنهايته، حيث إنخفض مؤشر أسعار العقارات على الصعيد الوطني بنسبة 11.7٪ خلال العام حتى الربع الأول من عام 2019، على عكس النمو السنوي الذي بلغ 18.2٪ في الفترة نفسها من العام الماضي. وإذا أخذنا معدل التضخم في الاعتبار، فسوف يصل هذا الانخفاض إلى 22.6٪ تقريبًا. وكان التضخم في مصر قد بلغ أعلى ذروة له مسجلًا حوالي 33٪ في يوليو 2017، ثم تراجع منذ ذلك الحين بصورة منتظمة. ويعتبر المحللون معدلات التضخم هي السبب الأبرز للتباين بين القيم الأسمية والحقيقية لأسعار العقارات.

وكانت الحكومة المصرية قد أثبتت التزامها بتسهيل ممارسة الأعمال التجارية في البلاد، وهو ما تم من خلال إجراء إصلاحات ضريبية مختلفة، ثم جذب الاستثمار بصورة أكبر في قطاعات عدة منها الأسواق العقارية. كما شهدت الإصلاحات الهيكلية استمرار تدفق المساعدة التي تشتد الحاجة إليها من صندوق النقد الدولي، مما ساعد على التمويل، وسمح للشركات التجارية بالوصول إلى الائتمان بشكل أفضل. كما تحسن حجم الصادرات بشكل ملحوظ منذ انخفاض قيمة الجنيه المصري، وهو ما نتج عنه طلب مستقر على تأجير الوحدات الصناعية بالتوازي مع ارتفاع أسعارها.

هناك عدة عوامل ساعدت على تحسين مكتسبات هذا القطاع، منها القوة العاملة المصرية منخفضة التكلفة مقارنة بمهارتها، وكذلك تمتع الشركات في مصر بتكلفة للطاقة أقل من المتوسط العالمي، في حين تُعد صناعة مواد البناء المحلية -بما في ذلك منتجو الأسمنت والصلب- من بين أرخص الموردين في العالم. وهناك أيضًا فرصة متزايدة في السوق الصناعية، حيث تبدأ الإيجارات في التحسن.

وبنهاية عام 2019، حققت العقارات المصرية نموًّا طفيفًا رغم البداية المقلقة، وسط انتعاش اقتصادي يُعزَى إلى خطط الحكومة لإطلاق مشروعات ضخمة في قطاع العقارات، مثل: العاصمة الإدارية الجديدة، ومشاريع الإسكان الاجتماعي، وهو ما نجحت في تحقيقه أيضًا بنهاية 2018 وذلك بعد عقد حوالي 27767 صفقة عقارية بين الشركات.

كما تمثل العقارات حوالي ربع إلى ثلث ثروات العائلات المصرية في فئتي الدخل المتوسطة والعالية وحتى أكثر من ذلك للفئات ذات الدخل المنخفض، ذلك أن 86٪ من مشتريات الوحدات تتم إما للاستثمار كتحوط ضد التضخم، أو كنوع من الادخار للأجيال القادمة، لأن الأسعار في ارتفاع مستمر. كما يشهد السوق العقاري في مصر نموًّا مستمرًّا وشهية قوية للاستثمار كونه مجملًا يعتبر قطاعًا آمنًا نسبيًّا والطلب عليه مرتفع.

توقعات 2020

قبل أن تبدأ أزمة كورونا، جاءت أغلب التوقعات لسوق العقارات المصرية في عام 2020 سلبية. على سبيل المثال، توقع بنك بلتون للاستثمارات المالية تباطؤ القطاع، معللًا ذلك بفقد مبيعات العقارات لوتيرتها وثباتها، بجانب الزيادة المستمرة في العرض في المشروعات المتوسطة والعليا، وتباطؤ الزيادات في الأسعار بسبب التضخم. كما أشارت التوقعات إلى استحواذ المطورين الأكبر على النسبة الكبرى للسوق (وعلى رأسهم: TMG، وبالم هيلز، وإعمار مصر، وأوراسكوم، وسوديك، ومدينة نصر، وشركات أخرى) مع إضعاف الفرصة أمام الداخلين الجدد الصغار ومتوسطي الحجم. ويقدر حجم ما يقدمه كبار المطورين من وحدات سنويًّا بحوالي 7 آلاف إلى 10 آلاف وحدة، وهي نسبة منخفضة نسبيًّا مقارنة بشريحة العميل المستهدف، والتي تمثل 2٪ – 3٪ من النمو السكاني في مصر، بالإضافة إلى عدد الزيجات المستجدة التي تصل إلى 900 ألف سنويًّا.

من ناحية أخرى، توقع بنك الاستثمار “المجموعة المالية هيرميس” أن يكون أداء الأسهم العقارية ضعيفًا في مؤشرات السوق العامة في مصر، إذ إن المنافسة الشرسة في السوق تؤدي إلى مواجهة الشركات صعوبات في زيادة مبيعاتها المتعاقد عليها، حيث يقدم المطورون شروط دفع ممتدة، إن أمكن، لتشجيع المبيعات إلى جانب عروض المنتجات الجديدة عبر مختلف المشاريع. ولم تشجع سلسلة من تخفيضات أسعار الفائدة على زيادة النشاط بالدرجة المرجوة أو الطلب على عمليات الإطلاق الجديدة، نظرًا لعدم أهمية نشاط الرهن العقاري في أداء القطاع. ولهذا توقع معظم المحللين أن تكون الأسهم العقارية بشكل عام أقل من أداء مؤشر السوق العام في 2020. علاوة على ذلك، توقع محللو شركة “فاروس” القابضة انخفاضًا في المبيعات مع زيادة في التكلفة بنسبة 10٪ وزيادة في الأسعار بنسبة 5٪، مما يؤدي إلى انخفاض الهوامش الربحية. إلا أنه من الممكن أن يؤدي تخفيض أسعار الفائدة إلى الحفاظ على الطلب، واستقرار التكاليف في ظل ضعف أسعار السلع الأساسية، وزيادة في طلب المستهلكين على خلفية الهجرة إلى الضواحي والمدن الجديدة.

تأثير أزمة كورونا على القطاع العقاري المصري

بعد ظهور أزمة كورونا في الصين وانتشار الفيروس في العالم مرورًا بما في ذلك مصر، يخشى الاقتصاديون أن تمتد الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الجائحة إلى عام 2021، لتصبح ركودًا مضرًا لمختلف القطاعات ومنها سوق العقارات. وفي هذه الحالة فإن جائحة كورونا ستكون عاملًا سلبيًّا إضافيًّا في إضعاف الحركة التجارية داخل القطاع. وترجع العوامل الأخرى المساعدة على الركود المتوقع إلى الزيادة المفرطة في المعروض من فئات معينة مقابل الطلب، والتي لا تتناسب مع توقعات المستثمرين الذين كانوا يشترون بهدف التربح. وفي هذه الحالة، فإن عدد الزيجات المتزايد في مصر، لن يكون كافيًا لتعويض المبيعات المتوقعة قبل أزمة كورونا، وذلك مع توقف العميل المستثمر مؤقتًا عن قرارات الشراء المتعلقة بالتوفير طويل المدى.

إلا أن تقريرًا صادرًا عن الفرع المصري لشركة السمسرة العقارية “كولدويل بانكر” يرى أن قرار البنك المركزي المصري بتخفيض أسعاد الفائدة بنسبة 3٪ والعروض الجذابة من المطورين، سيُبقي الاستثمار في العقارات مسارًا متفائلًا وسط بدائل الاستثمار المختلفة، خاصة أن التباطؤ العقاري ليس جديدًا على مصر. إذ شهد السوق العقاري المصري عددًا غير قليل من المعوقات من قبل، وأثبت مرونته تجاه الصدمات الاقتصادية والسياسية على مدى العقد الماضي، بما في ذلك الركود العالمي في عام 2008، وثورتا 2011 و2013، ثم خفض قيمة العملة في عام 2016. وأرجع التقرير الفضل في هذه المرونة إلى كون السوق العقاري في مصر هو الأسرع نموًّا عالميًّا في الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى التسابق المستمر في إغلاق الفجوة بين نمو السكان وعدد الوحدات المتاح، وهو الأمر الذي يترجم إلى استمرار الطلب على العقارات السكنية باستمرار.

تطور علاقة القطاع العقاري في مصر بنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة (2005-2019)

مستقبل القطاع

لعل الأمل الأبرز في تجنيب القطاع حالة الركود المتوقعة من مشاكله المختلفة وأزمة كورونا الأخيرة، أو على الأقل تخفيض أضرارها؛ هو دور الحكومة الرائد في إنعاش السوق العقاري بطرق مباشرة وغير مباشرة عدة، حيث إن مبادرات الحكومة لدعم تطوير صناعة العقارات، والجهود التي تبذلها لتنمية قطاع الرهن العقاري في مصر، وتقديم الدعم والإعانات بصورة مستمرة من خلال مجموعة من القواعد واللوائح لإزالة العقبات التي تعترض الصناعة؛ هي أهم الأسباب في تحسين توفير المساكن لعامة الناس وزيادة الطلب عليها.

وإضافة إلى المشروعات القومية العملاقة لإنشاء المدن الجديدة، هناك اتجاه لإعادة النظر في وضع العشوائيات وقرارات وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة في نقل سكان تلك الأحياء، وكان للتوسع السريع في القطاع المصرفي في مصر أثره في المساعدة على دعم الظروف الحالية لقطاع العقارات المحلية من خلال اتخاذ قرارات مالية مسئولة وصديقة للمستثمرين.

وباستمرار الدولة في الاستثمار في المجتمعات الحضرية الجديدة المتزامن مع الزيادات السكانية؛ من المرجح أن تشهد العقارات المناسبة لذوي الدخل المنخفض إلى المتوسط ​​أعلى طلب على مدى عدة سنوات. وسيعمل استمرار تضخم الطلب على التطوير العقاري، لأن يظل استثمارًا آمنًا ومربحًا.

ويبدو أنه رغم وجود العديد من المؤشرات الإيجابية الناتجة من الدفع بالمشروعات القومية وغيرها، إلا أن المشكلة الأكبر والتي تصعب من أي دراسة للسوق العقاري بهدف الاستثمار هي صعوبة توفر المعلومات الدقيقة المتعلقة بهذا القطاع، وهو ما يعرقل محاولات تنمية السوق أو تحديد أسعار البيع والشراء بصورة أكثر صوابًا وبشكل أكثر فاعلية. بل إن السؤال المطروح منذ سنوات، والمتعلق بحقيقة وجود فقاعة داخل السوق قد تنفجر في أي لحظة، هو سؤال من الصعب إيجاد إجابة له يمكن الاعتماد عليها في وسط حالة من عدم اليقين وغياب المعلومات المطلوبة. وإن ثبت وجود هذه الفقاعة، فيمكن تجنبها فقط عن طريق هذه المعلومات. وهو ما يجب تشجيعه بالشراكة بين القطاع الخاص والدولة في تأسيس بنية تحتية متكاملة لدعم جمع البيانات وتطوير أبحاث السوق.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة