loader

هل يُمكن لإسرائيل طرد إيران من سوريا؟

المستشار الأكاديمي

تزايدت في الأسابيع الأخيرة التقارير والتصريحات التي تتحدث عن استراتيجية إسرائيلية جديدة تستهدف الوجود الإيراني في سوريا تحت عنوان “طرد إيران من سوريا”. وأشارت هذه التقارير الى أن “نتنياهو” أعطى الضوء الأخضر لرئيس الأركان الإسرائيلي بتكثيف عملية قصف المواقع التابعة لإيران وحلفائها في سوريا، وتزامن ذلك مع تصاعد واضح للضربات الإسرائيلية التي بلغت نحو 6 ضربات في أسبوع واحد، وانتشرت في مناطق غير مسبوقة، خاصةً في شرق حلب. كما تزامنت تلك التقارير مع الاتصال الهاتفيّ بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” و”نتنياهو” يوم الجمعة (8 أبريل 2020)، والتي أوضح البيان الصادر بخصوصها تطرق الرئيسين إلى التطورات الأخيرة في المنطقة وفي سوريا…

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

تزايدت في الأسابيع الأخيرة التقارير والتصريحات التي تتحدث عن استراتيجية إسرائيلية جديدة تستهدف الوجود الإيراني في سوريا تحت عنوان “طرد إيران من سوريا”. وأشارت هذه التقارير الى أن “نتنياهو” أعطى الضوء الأخضر لرئيس الأركان الإسرائيلي بتكثيف عملية قصف المواقع التابعة لإيران وحلفائها في سوريا، وتزامن ذلك مع تصاعد واضح للضربات الإسرائيلية التي بلغت نحو 6 ضربات في أسبوع واحد، وانتشرت في مناطق غير مسبوقة، خاصةً في شرق حلب. كما تزامنت تلك التقارير مع الاتصال الهاتفيّ بين الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” و”نتنياهو” يوم الجمعة (8 أبريل 2020)، والتي أوضح البيان الصادر بخصوصها تطرق الرئيسين إلى التطورات الأخيرة في المنطقة وفي سوريا تحديدًا بعد عمليات القصف المذكورة.

وأوضحت المصادر الإسرائيلية كذلك أن هناك اتفاقًا غير معلن بين تل أبيب وموسكو بخصوص عمليات القصف المذكورة، وبررت الموقف الروسي برغبة الكرملين في محاصرة الانتشار الإيراني في المنطقة تمهيدًا لإبعادها عن مشروع إعادة إعمار سوريا وامتلاك الورقة السورية بصورة كاملة.

تطور الحضور الإيراني في سوريا

تُعتبر سوريا حلقة مهمة ضمن السياسة الإيرانية في المنطقة والمشرق العربي بصورة أساسية، تحقيقًا للانتشار الاستراتيجي الذي يُحقق لها في النهاية أن تصبح قوة إقليمية عظمى. ورغم أن العلاقات الإيرانية السورية قديمة؛ إلا أن الأزمة التي شهدتها سوريا منذ عام 2011 كانت نقطة فاصلة للتموضع الإيراني في سوريا.

وبدأ الحضور العسكري الإيراني يتبلور منذ عام 2012، سواء بصورة مباشرة لمجموعات الحرس الثوري الإيراني، أو كتائب من “حزب الله” اللبناني، وكتائب عسكرية شيعية جندتها إيران من أفغانستان وباكستان، وكذلك تنظيمات عسكرية عراقية شيعية وقفت جميعها إلى جانب النظام وخاضت معارك كبيرة، سواء في حماية العاصمة دمشق أو الغوطة أو القلمون وحمص ودرعا، وساهمت بصورة أساسية في صد العمليات الإرهابية التي تصاعدت في تلك الفترة.

في عام 2015، كان الدعم الخارجي للتنظيمات العسكرية المعارضة قد وصل إلى ذروته وحققت تلك التنظيمات انتصارات وأحاطت بالعاصمة دمشق، وبدأ الحديث عن سقوط النظام، فقام “قاسم سليماني” بزيارة إلى موسكو في يوليو 2015، وتحدثت تقارير روسية عن أنه كان له دور في إقناع الرئيس “بوتين” بالتدخل العسكري المباشر في سوريا لدعم الجيش السوري -الذي كانت قد تراجعت سيطرته في تلك الفترة إلى حوالي 15% من سوريا- وتغير هيكل التوازن العسكري في العمليات التي تتصدرها قوات الجيش السوري المسنودة من قوات برية إيرانية وميليشيات غير إيرانية تحت إشراف الحرس الثوري والتي وصل عددها في تلك الفترة إلى نحو 70 ألفًا، منهم عناصر سورية تم تجنيدها ضمن تلك الميليشيات.

التّباين الروسي الإيراني في الأزمة السورية

أخذ الحضور الروسي في سوريا شكل الانتشار العسكري، تركّز في القوات الجوية وقوات الشرطة العسكرية، والتدخل المباشر بمساندة مؤسسات الدولة السورية وبصفة خاصة الجيش السوري. بينما تَرَكّز دور إيران في تمركز المجموعات والميليشيات العسكرية التابعة لها في مناطق محددة، ونجاحها في تحقيق محاصرة للتنظيمات العسكرية المعارضة والتموضع في مواقعها. وعوّضت بذلك صعوبة قيام الجيش السوري النظامي بمواجهة حرب العصابات التي مارستها تلك التنظيمات.

ونجحت روسيا من ناحية أخرى، ومن خلال الضربات العسكرية المكثفة والتفاهم السياسي، في تحقيق هدنة بمعظم المناطق المحيطة بالعاصمة، خاصة في حمص وبعض مناطق حلب وحماة، وترحيل عناصر تلك المجموعات إلى الشمال السوري خاصة في إدلب. بينما انتشرت القوات التابعة لإيران في مناطق النزاع المستمرة، ووصلت إلى حلب وريف إدلب.

ومع امتداد سيطرة النظام إلى حوالي 70% من الأراضي السورية استعدّ من خلال المساندة الإيرانية لحسم المعارك في إدلب؛ إلا أن التفاهمات الروسية أوقفت هذا الحسم لأسباب متعددة، وهو ما أدى إلى تصاعد التباين بين الموقفين الإيراني والروسي.

الموقف الإسرائيلي

منذ بداية الأزمة السورية كان واضحًا أن الاستراتيجية الإسرائيلية ترتكز على محاور من أهمها: أن استمرار النزاع في سوريا سوف يعني تدمير القدرات العسكرية والاقتصادية السورية والانشغال السوري بالقضايا الذاتية، كما أن تورط “حزب الله” في العمليات العسكرية في سوريا سوف يؤدي إلى استنزاف قدراته العسكرية والبشرية، وهو ما يُخلّ بقدرته على تهديد الأمن الإسرائيلي، وكذلك توفير دعم غير مباشر للتنظيمات العسكرية الإرهابية ليبقى النزاع مستمرًّا في سوريا. ولا يزال جوهر تلك الاستراتيجية هو منع تكرار تجربة التغلغل الإيراني في لبنان.

إلا أنّ تمركزَ الخبراء العسكريين الإيرانيين، ومجموعات من الحرس الثوري الإيراني، والفصائل الشيعية على اختلافها، وكذلك “حزب الله”؛ مَثّلَ تهديدًا مباشرًا للأمن الإسرائيلي؛ فتعددت عمليات الضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية بمواقعها والتي وصلت إلى حوالي 300 ضربة خلال العامين الماضيين.

وبدأ الحديث عن تفاهمات روسية-إسرائيلية، حيث أوضحت مصادر مختلفة أنها تضمنت موافقة روسيا على عدم التعرض للطائرات الإسرائيلية طالما لا توجه أية ضربات للجيش السوري، وكذلك الاتفاق على إبعاد تمركز القوى التابعة لإيران على اختلافها عن المناطق القريبة من الجولان. وقد كشف التعامل الروسي مع الضربات الإسرائيلية خلال العام الأخير عن ذلك بوضوح، وهو ما يعني أن هناك نوعًا من التفاهم الصامت بخصوص ذلك، خصوصًا بعد فشل الجهود الروسية في الحدّ من التمركز الإيراني في تلك المناطق. ومن الواضح أن إسرائيل تستثمر كثيرًا التباين الروسي-الإيراني، وهو سر قيام “نتنياهو” بثماني زيارات لموسكو خلال العام الماضي. وتؤكد مصادر متعددة أن الملفين السوري والإيراني كانا حاضرين بقوة في اجتماع مستشاري الأمن القومي الأمريكي والإسرائيلي والروسي الذي عُقد العام الماضي في تل أبيب.

لماذا التصعيد الإسرائيلي الآن؟

كشف عن هذا التصعيد تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي الأخيرة التي أكد فيها أن إسرائيل بدأت مرحلة طرد إيران من سوريا. وفي الحقيقة، فإن القصف الإسرائيلي على إيران في سوريا قد تركّز في الشهور الأخيرة ليس فقط على شحنات الأسلحة القادمة إليها وعلى مجموعات الميليشيات؛ بل بصورة أساسية على المنشآت اللوجستية الإيرانية وبعض المصانع العسكرية السورية التي تزعم المخابرات الإسرائيلية أنه تجري فيها عمليات تطوير وتركيب وتصنيع معدات وصواريخ.

وكانت معركة “سراقب” في شرق حلب متغيرًا جديدًا أدى إلى تصاعد الموقف الإسرائيلي، فالمدينة كانت محاصرةً من جانب التنظيمات العسكرية الإرهابية (النصرة وغيرها)، وتُحيط بها ثلاثة تمركزات تركية، وبدأت معركة تحرير المدينة التي تصدرها الجيش السوري مسنودًا من مجموعات النخبة من “حزب الله” وبعض مجموعات الحرس الثوري الإيراني. ويلاحظ هنا انسحاب الشرطة العسكرية الروسية من بعض ضواحي المدينة التي كانت تسيطر عليها، ولم يحدث أي إسناد جوي روسي لعمليات الجيش السوري، في مقابل إسناد تركي تمثل في طائرات بدون طيار للتنظيمات الإرهابية في تلك العملية. وجاء نجاح الجيش السوري المسنود من مجموعات “حزب الله” ليكشف عن عدد من التطورات: أهمها قدرة مجموعات “حزب الله” على القيام بعمليات ليلية ناجحة، وتوافر قدرات التشويش الإلكتروني على الطائرات المسيرة، وهو ما اعتبرته إسرائيل تطورات عسكرية ذات دلالة يمكن أن تُسمّى في العرف العسكري للعمليات “بتطعيم معركة” تقبل بالتكرار في الجولان. كما كشفت عن أن “حزب الله”، ومن خلال مساندة الحرس الثوري الإيراني، لم يُستنزف في معارك سورية؛ بل ازداد حنكة، وكان ذلك مبررًا للاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة في التعامل معه. ولعل الضربة الإسرائيلية لبعض معامل الدفاع السورية في منطقة السفيرة ارتبطت بهذه التطورات بصورة كبيرة. ورغم أن دوائر إسرائيلية راهنت على أن اغتيال “قاسم سليماني” سيؤثر على الانخراط الإيراني العسكري في الأزمة السورية بالكفاءة المطلوبة، إلا أن ذلك لم يتحقق، خاصة أن هناك تقارير عن زيارة خليفته “إسماعيل قآني” إلى منطقة حلب قبل عمليات تحرير سراقب. 

هل تستطيع إسرائيل طرد إيران من سوريا؟

الإجابة عن هذا السؤال تقتضي تحديد طبيعة الوجود الإيراني في سوريا. على المستوى العسكري، نجحت إيران في تشكيل تنظيمات عسكرية من عناصر سورية في المناطق التي تنتشر فيها، خاصة درعا ودير الزور والقائم وشرق حلب، ترتبط بإيران بصورة كبيرة. كما لا توجد قواعد عسكرية مستقلة لإيران، ولكنّ هناك انتشارًا للحرس الثوري والخبراء العسكريين، سواء في الإشراف على إدارة المعارك أو عمليات تركيب وتصنيع الأسلحة على اتّساع سوريا. كما أن الميليشيات التابعة لإيران تنتشر في بعض الأحياء في دمشق (السيدة زينب، والقلمون) على الحدود السورية اللبنانية، وكذلك مناطق الحدود السورية العراقية، وبدأت تقيم مشروعات اقتصادية وخدمية تغطي نفقاتها، ونجحت من خلال مئات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخدمية في التغلغل بنسيج المجتمع السوري اجتماعيًّا واقتصاديًّا. وبصفة عامة، نجحت إيران في إحداث تحول على مستوى المنطقة الحدودية، سواء مع العراق أو مع لبنان لتصبح ممرًّا لبسط نفوذها الإقليمي، وأصبحت الميليشيات التابعة لها جماعات عابرة للحدود تسمح بحماية الأذرع الإيرانية في الدول الثلاث.

كذلك فإن المراهنة على الموقف الروسي والتفاهمات التي تمّت مع إسرائيل تحتاج إلى مراجعة، فإذا كانت روسيا تهتم بالتأكيد على أن سوريا باتت بشكل أكبر تحت النفوذ الروسي، وأن على إيران أن تُدرك أنها ليست المحرك الأساسي للأحداث في تطورات الأزمة؛ إلا أن هناك مصالح إيرانية روسية تضع سقفًا لأية تفاعلات وتباينات على هذا المستوى.

من ناحية أخرى، يُشار هنا إلى أن الرئيس السوري والحكومة السورية لا يشجعان على أية محاصرة للحضور الإيراني في سوريا. وتُقدّر مصادر مختلفة أن الرئيس السوري وحكومته أكثر اطمئنانًا للموقف الإيراني من أية تغيرات مفاجئة في الموقف الروسي ومصالحه المتشابكة.

بمعنى آخر، فإن الضربات الإسرائيلية للمواقع الإيرانية وحلفائها، خاصة قوات “حزب الله”، سوف تستمر كحرب استنزاف لمنع أية محاولات لتخزين أسلحة أو مصانع لتركيب أو تطوير المعدات العسكرية خاصة الصاروخية، واعتبار أن أي تمركز لقوات تابعة لإيران في منطقة قريبة من الجولان سوف يبقى خطًّا أحمر، كما أن مجمل الضربات الإسرائيلية يمكن أن تدفع إلى إعادة الانتشار العسكري الإيراني، ولكن لن تؤدي إلى تصفيته في التوقيت الحالي، كما ستحرص إيران على الاستفادة من استثمارها في الأزمة لتحقيق مكاسب استراتيجية، سواء من خلال اتفاق استغلال ميناء “بانياس” أو الصناعات المشتركة، أي إن تحالف الحكومة السورية مع إيران سوف يبقى قائمًا مع تبلور متغيرات ترتبط بطبيعة الأزمة السورية ومساراتها خلال المرحلة المقبلة.

د. محمد مجاهد الزيات
المستشار الأكاديمي

مقالات أخرى للكاتب