قيم المصريين في زمن كورونا

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فيما تتجه الحكومة لتخفيف القيود التي تم فرضها في مرحلة مبكرة من انتشار الوباء، يتجه قطاع كبير من المواطنين للتصرف باسترخاء واستهانة توحي بجهل شديد بحجم الخطر المتربص بهم. ربما أوحى اتجاه الحكومة لإعادة الفتح بانتهاء الأزمة، لكن المؤكد أن قطاعات واسعة من الناس لم تأخذ تهديد كورونا على محمل الجد منذ البداية، وهي نفس القطاعات التي تأخذ من اتجاه الحكومة لإعادة الفتح الإشارة الخاطئة. فأين هي المشكلة مع هؤلاء؟  بداية، الجهل ليس هو المشكلة، فالسلوك الذي نتحدث عنه لا يقتصر على غير المتعلمين، بل يشاركهم فيه الكثير من المتعلمين أيضا؛ ولعل مقارنة مصر بالهند تؤكد هذه الملاحظة. مصر والهند…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فيما تتجه الحكومة لتخفيف القيود التي تم فرضها في مرحلة مبكرة من انتشار الوباء، يتجه قطاع كبير من المواطنين للتصرف باسترخاء واستهانة توحي بجهل شديد بحجم الخطر المتربص بهم. ربما أوحى اتجاه الحكومة لإعادة الفتح بانتهاء الأزمة، لكن المؤكد أن قطاعات واسعة من الناس لم تأخذ تهديد كورونا على محمل الجد منذ البداية، وهي نفس القطاعات التي تأخذ من اتجاه الحكومة لإعادة الفتح الإشارة الخاطئة. فأين هي المشكلة مع هؤلاء؟ 

بداية، الجهل ليس هو المشكلة، فالسلوك الذي نتحدث عنه لا يقتصر على غير المتعلمين، بل يشاركهم فيه الكثير من المتعلمين أيضا؛ ولعل مقارنة مصر بالهند تؤكد هذه الملاحظة. مصر والهند بلدان شديدي الازدحام بالسكان، الأولى بمائة مليون نسمة، والثانية بمليار وثلاثمائة مليون من البشر. نسبة الأمية في مصر والهند تكاد تكون متساوية في حدود ربع السكان، فيما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن متوسط عدد سنوات التعليم التي يحصل عليها المواطن المصري تزيد عن مثيله في الهند، ومع هذا فإن التقارير القادمة من الهند تشير إلى فعالية الإغلاق الذي تم تنفيذه هناك من أجل الحد من انتشار كورونا، فيما توجد شكوك حول فعالية الإغلاق الذي تم تنفيذه في مصر؛ فنشاهد الكثير من المصريين غير الملتزمين بقواعد التباعد الاجتماعي، فيما تتزايد معدلات الإصابة بفيروس كورونا. وقد انعكست هذه الحقائق على معدلات الإصابة في البلدين، فبينما أصيب 36 شخص من كل مليون هندي بالفيروس، ومات واحد فقط من كل مليون من السكان؛ بلغ معدل الإصابة في مصر 70 لكل مليون، فيما بلغ معدل الوفيات 4 وفيات لكل مليون. 

المسألة إذا ليست في الجهل والتعليم، أو على الأقل فإن التعليم وحده لا يفسر الطريقة التي يتصرف بها الناس. فالأكثر أهمية من التعليم هو طرائق التفكير، وذلك النمط من القيم المنتشر بين كثير من المصريين، والذي يدفعهم للتصرف بطريقة تعرضهم للخطر كأفراد، وتعود بالضرر على الوطن والصالح العام.

التفكير الغيبي هو أخطر القيم المنتشرة بين المصريين. يختلف التفكير الغيبي عن الإيمان بالغيب الثابت في الدين، والذي هو الإيمان بالله والملائكة واليوم الآخر؛ فيما التفكير الغيبي يخلط بين الشاهد والغائب، فيفسر الأول بالثاني؛ ويجعل الثاني سببا للأول، بطريقة تخلو من منطق، وبما يحول أي جهد لتفسير ما يحدث إلى عملية عشوائية خالية من أي علاقة سببية يمكن فهمها؛ فالفيروس وفقا للبعض “نازل بكشف أسماء حيخلصها ويمشي”، أو أنه “عقاب من السماء”. تقع هذه المساحة من التفكير في مجال إصلاح الفكر والخطاب الديني الذي نحاول الدخول إليه مجددا منذ عدة سنوات، ولكننا بالكاد نجحنا في الطرق على الباب، في انتظار أن ينجح علماؤنا في إقناع الناس بأن عالم الغيب وعالم الشهادة حقيقتين لا يجوز خلطهما، وأنه يمكن فهم كل منهما وتفسيره في داخل إطاره، وليس عن طريق عبور الحدود الفاصلة بين المجالين. فالفيروس المميت حقيقية مادية يتم تفسيرها وعلاجها بأدوات ووسائل العالم المادي، وأن رحمة الله بأهل الأرض ستتحقق عندما ييسر لهم تطوير أدواتهم ووسائلهم لتصبح قادرة على هزيمة الفيروس، وعندما يهديهم إلى اتباع الوسائل السليمة لحماية أنفسهم من الإصابة بالمرض اللعين.  

الأشياء السيئة لن تحدث. إنها العقلية التي تشجع الناس على التصرف بطريقة خاطئة، بينما يتوقعون تحقيق النجاح؛ مثل الطالب الذي لم يقم بواجبه في استذكار دروسه، بينما يتفاجأ بالرسوب في نهاية العام؛ أو مثل ذلك الذي لم يغسل يديه جيدا، أو يتباعد ولو قليلا عن الناس، أو يضع الكمامة على وجهه يوما، ثم يتساءل في اندهاش عن سبب إصابته بفيروس كورونا. إنها نفس العقلية التي تفشل في التحسب لنتائج أعمالها، وفي إقامة علاقة سببية بين الأفعال والنتائج، والتي تهيئ لهؤلاء قيادة السيارة بسرعة جنونية دون التحسب لإمكانية وقوع الحادث؛ والاستدانة من أجل شراء أثاث وأجهزة منزلية كمالية دون التحسب لعقوبة الحبس، أو الاستهانة بقواعد الحماية الشخصية من الوباء دون التحسب لإمكانية السقوط ضمن ضحاياه.

الشك في الحكومة والاستهزاء بالقانون، هي قيمة أخرى سائدة بين كثير من المصريين. إنها المحصلة لألفيتين من الحكم الأجنبي، ومن حكومات عصر الاستقلال التي وعدت الناس دون أن توفي، والتي أطلقت توقعاتهم حتى أوصلتها على عنان السماء، ثم تركتها تسقط على الأرض، فتحطمت نفوس ومعنويات، وانهارت الثقة في الحكومات. القانون والتعليمات الحكومية، في هذا السياق، هي أوامر موجهة لعوام الناس، لاستنزاف مواردهم القليلة، فيما علية القوم لهم طرقهم للتهرب من تطبيق القانون، الذي يصبح الانصياع إليه والالتزام بتطبيقه علامة عجز، جديرة فقط بالمستضعفين من الناس، وما عبارة “انت عارف أنا مين” الشهيرة سوى تعبير عن هذه العقلية. 

يقع هذا النوع من القيم في منطقة العلاقة بين الدولة والمواطن. إنه ميراث طويل لن يتغير بين يوم وليلة، وسوف يكون على الحكومات تحري الصدق والدقة لفترة ممتدة حتى يمكنها استعادة ثقة المواطن وتصديقه مرة أخرى. في نفس الوقت فإن الاستخدام الذكي، وليس الاستخدام الخطابي والدعائي، للتعليم ووسائل الإعلام وحملات التوعية، يمكنه أن يعجل من تعديل تصورات الناس بشأن الحكومة والدولة والقانون.  

لقد شرعت الحكومة عندنا في تخفيف القيود التي فرضتها في مرحلة مبكرة من ظهور الوباء، ليس لأن الوباء قد انتهى، ولا لأن الحكومة لا تهتم لحياة المواطنين، لكن لأنها مسئولة عن حياة البشر، وعن رزقهم، وعن مستقبلهم الذي سيأتي بالتأكيد بعد انتهاء المحنة؛ ولأنها تتحسب للغد، بنفس قدر انشغالها بأمور اليوم. ولهذا أيضا فإنه على الحكومة مساعدة الأفراد وتدريبهم على تحمل مسئولية أنفسهم؛ فخلق الفرد الواعي المتبصر المتحمل للمسئولية مازال في بلادنا من ضمن مسئوليات الحكومة، وكأن الفرد في بلادنا يولد من رحم الدولة، وهذه واحدة من أكثر مفارقات الفكر والمجتمع والسياسة عندنا. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 7 مايو 2020 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب