الارض المشتعلة: فى الغرب الليبى.. ماذا يجري هناك؟

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

اختارت وزارة الخارجية الروسية؛ توصيف إعلان المشير خليفة حفتر تولي الجيش الوطني للسلطة في عموم البلاد، بأنه “مفاجئ” بعد ما يزيد عن عام كامل من زحف وحدات الجيش نحو العاصمة الليبية طرابلس. لم تكن موسكو وحدها التي تفاجأت بتلك الخطوة من القيادة العامة للجيش، فعديد من بلدان العالم المعنية شاركت روسيا ذات الانطباع، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة بليبيا، جميعهم تحفظ بشدة على تلك الخطوة رغم ما سبقها من أحداث، قدر حينها الغالبية منهم أنها ستسير بصورة أو بأخرى تجاه محاولة صياغة لرد عسكري من قوات الجيش عما يجري في الغرب الليبي، لكن الذهاب تجاه هذا المنحنى الجديد…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

اختارت وزارة الخارجية الروسية؛ توصيف إعلان المشير خليفة حفتر تولي الجيش الوطني للسلطة في عموم البلاد، بأنه “مفاجئ” بعد ما يزيد عن عام كامل من زحف وحدات الجيش نحو العاصمة الليبية طرابلس. لم تكن موسكو وحدها التي تفاجأت بتلك الخطوة من القيادة العامة للجيش، فعديد من بلدان العالم المعنية شاركت روسيا ذات الانطباع، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة بليبيا، جميعهم تحفظ بشدة على تلك الخطوة رغم ما سبقها من أحداث، قدر حينها الغالبية منهم أنها ستسير بصورة أو بأخرى تجاه محاولة صياغة لرد عسكري من قوات الجيش عما يجري في الغرب الليبي، لكن الذهاب تجاه هذا المنحنى الجديد ربما لم يدر بخلد أحد. والظاهر أيضا بوضوح أن دول الجوار الليبي أصابها ما أصاب الأطراف الدولية، رغم بعض التباينات فيما بينها نحو تقدير موقف ما يجري بليبيا الآن، لكنها تشاركت في شعور المفاجأة للحد الذي دفع بعض المراقبين إلى التساؤل، عن الجهة أو الدولة التي يمكن للمشير حفتر أن يكون قد نسق معها هذا التحرك، بافتراض احتياجه لدعم سياسي من نوع ما، على الأقل في الخطوة التالية لهذا الإعلان المقتضب الذي صمت عن ملامح المستقبل المرتقب.

الذي لا يجوز استبعاده من ملابسات هذا المشهد الجديد، هو ما يحدث في الغرب الليبي منذ بداية هذا الشهر، حيث عد الكثير ممايجري هناك تجاوزا لخطوط حمراء عديدة.فقد ارتضى الجيش الليبي أن يكون هناك التزام من الجانب الآخر بعدم عبورها، في مقابل فرض القيادة العامة لحالة من السكون العسكري، انتظارا لبدء تنفيذ مخرجات مؤتمر برلين. هذا الافساح لمجال الحركة المشتركة للأطراف برعاية أممية واقليمية، تعطلت على نحو مفاجئ في خطواتها الأولى جراء جائحة “كورونا” التي تقاطعت مع هذا المسار، لتتعثر في لحظة التأسيس الفارقة وتمضي إلى نفق الانشغال المظلم لكافة أطراف المجتمع الدولي.هنا وجدت تركيا أن تلك الفرصة السانحة؛ يمكن أن تعزز تمركزها بالغرب الليبي، الذي بدأته بتكثيف نقل كمية من الأسلحة النوعية ساهمت خلال أسابيع في احداث فارق ملموس في قدرات المليشيات التابعة لها، كما ضمنت تأمين لبعض مواقعها من خلال نشر “منظومات الدفاع الجوي” فيها، لتتمكن من تسيير العشرات من “الطائرات المسيرة” من طرازي(بيرقدار، وأنكا ـ أس)، التي قامت بالجهد الجوي المركز في الاستطلاع والتصوير وبث احداثياتنقاط تمركز وحدات الجيش الوطني الليبي. ورغم تمكن هذه الأخيرة من اسقاط عدد كبير من تلك المسيرات تركية الصنع، إلا أن هذا الدعم التسليحي استطاع أن يحدث الفارق الذي راهنت عليه غرفة العمليات التركية بقاعدة “معيتيقه”.

الخبراء العسكريين الأتراك بتلك القاعدة؛ كان لديهم هاجس السباق مع الزمن لاستغلال انشغال الأطراف الدولية بـ”جائحة كورونا”، لهذا أبرقوا إلى أنقرة من أجل الدفع بالبوارج العسكرية التي ظهر أربعة منها سريعا أمام السواحل الليبية. احدى تلك البوارج، هي قطعة نوعية مجهزة بتقنيات التنصت والتشويش الالكتروني المتطور، تمكنت من الوصول إلى أقرب نقطة من الساحل الليبي الغربي، حيث بدأت في الدعم التقني للهجوم الذي قادته غرفة عمليات “معيتيقه”، ونفذته مجموعات المرتزقة بحق المدن الليبية (صرمان، صبراته، العجيلات).تواجدت في هذه المدن سابقا نقاط عسكرية رمزية للجيش الوطني الليبي بغرض الحراسة، فتلك المدن مع بداية عملية تحرير طرابلس انضمت مع الكثير من مدن الغرب، طواعية ودون قتال إلى الجيش الليبي لقدرته على توفير الحماية لسكانها المدنيين من سطوة وتغول مليشيات ومرتزقة الغرب، الذين كانوا يذيقون تلك المدن وأهلها صنوف الانتهاك والاستغلال، فضلا عن حالة الفوضى العارمة التي ظلت تسود هذا المثلث الغربي لسنوات. أثر ذلك قررت القوات العسكرية الرمزية بتلك المدن، إلى الإخلاء التكتيكي نحو قاعدة “الوطية” العسكرية بالجنوب من تلك المنطقة، تجنبا لتعريض أهالي هذه المدن الثلاث إلى مخاطر الاشتباكات المفتوحة مع المرتزقة الذين نفذوا الهجوم، تحت غطاء قصف جوي مركز بـ”المسيرات” التي انطلقت من “معيتيقه” و”زوارة”.

هذا الاختراق التركي الواسع، ومثل تلك التجاوزات لكثير من الخطوط الحمراء، صعب على الجيش الليبي تقبل تبعاتها، خاصة وهي تمتد بصورة متسارعة تجاه الشريط الحدودي الغربي مع تونس. في ظل معلومات توافرت لدى القيادة العامة للجيش الليبي، بأن هناك الكثير من تلك الخروقات يجري اعدادها داخل تونس، بل ذهب البعض إلى أن هناك بعض من العمليات تتم من الأراضي التونسية، بحق المنطقة الغربية الليبية بشكل محدد، بغرض حرمان الجيش الوطني الليبي من التقدم وفرض سيطرته على منافذ التسلل والأمداد، التي بدأت استخبارات الأخير من رصدها خلال ما كان يجري في الغرب الليبي بشكل عام. وهذا ما دفع السلطات التونسية مؤخرا لأن تخرج بنفي معلن لمثل هذه التقارير أو المعلومات، فعبر بيان صادر من وزارة الدفاع التونسية أكدت الثلاثاء الماضي، عدم صحة الإدعاءاتحول استعمال قوى أجنبية للأراضي التونسية منطلقا لعمليات عسكرية، وأشارت بالتحديد إلى نفي استخدام تركيا”قاعدة رمادة” الجوية في الجنوب التونسي لتنفيذ ضربات ضد ليبيا. هذه القاعدة الجوية التي تقع في محافظة “تطاوين” تم انشائها حديثا في السنوات الأخيرة، لدعم البنية الأساسية بالمنشئات العسكرية وتعزيز قدرات الجيش والأمن التونسي للتدخل في العمق الصحراوي، في إطار مهام مكافحة التهريب والإرهاب، خصوصا مع تزايد مخاطر تسلل المسلحين والإرهابيين من ليبيا بحسب ما هو معلن. لكن في ذات الوقت؛ أو سبق هذا النفي بأيام تعرض الداخل التونسي لحالة من الاحراج والبلبلة الواسعة، عندما كشفت وكالة الأناضول التركية الأربعاء الماضي تزامنا مع المعارك المستعرة في الغرب الليبي، عن اجراء وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” مكالمة هاتفية مطولة مع نظيره التونسي “عماد الحزقي”، ذكرت الوكالة عنها أنها تناولت “التعاون بين البلدين في مكافحة فيروس كورونا” !

*نقلا عن صحيفة “الدستور”، نشر بتاريخ ٣٠ أبريل ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب