حرب باردة جديدة

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يبدو العالم مقدما على حرب باردة جديدة. هذا هو المسار الذي تتقدم فيه العلاقات بين القوى الكبرى. لقد خيم التوتر على علاقات القوى الكبرى منذ فترة، ولكن كان هناك أمل في التهدئة والإبقاء على درجة مناسبة من التعاون الدولي. جاءت كورونا فتبدد هذا الأمل، فبتنا ننتظر المشهد الذي سيرفع عنه الستار بعد انتهاء هذه الجائحة، لنعرف شكل وآليات الحرب الباردة الجديدة، ودرجة الحدة التي ستكون عليها.  الصين والولايات المتحدة هما القطبان المتصارعان في الحرب الباردة الجديدة. البلدان يختلفان في طبيعة النظام السياسي والإيديولوجيا، لكن المصالح الاقتصادية، وليس الاختلاف الإيديولوجي، هو ما يؤجج الصراع بينهما. حتى وقت قريب كنا نظن أن…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يبدو العالم مقدما على حرب باردة جديدة. هذا هو المسار الذي تتقدم فيه العلاقات بين القوى الكبرى. لقد خيم التوتر على علاقات القوى الكبرى منذ فترة، ولكن كان هناك أمل في التهدئة والإبقاء على درجة مناسبة من التعاون الدولي. جاءت كورونا فتبدد هذا الأمل، فبتنا ننتظر المشهد الذي سيرفع عنه الستار بعد انتهاء هذه الجائحة، لنعرف شكل وآليات الحرب الباردة الجديدة، ودرجة الحدة التي ستكون عليها. 

الصين والولايات المتحدة هما القطبان المتصارعان في الحرب الباردة الجديدة. البلدان يختلفان في طبيعة النظام السياسي والإيديولوجيا، لكن المصالح الاقتصادية، وليس الاختلاف الإيديولوجي، هو ما يؤجج الصراع بينهما. حتى وقت قريب كنا نظن أن ما يجمع البلدين من اعتماد متبادل ومصالح اقتصادية مشتركة قادر على وضع حد للتدهور في العلاقات بينهما، وأن الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأمريكي ترامب ستصل لنهاية سعيدة عندما يتوصل الطرفان لاتفاق يفكك عقد الخلاف. 

لقد وصل الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الصين والولايات المتحدة إلى مستوى نادر، إلى درجة جعلت محليين كثيرين يعتقدون أن قرارا بفك الارتباط بين البلدين هو في الحقيقة قرار بالانتحار الاقتصادي والسياسي، لأن حجم الضرر الاقتصادي المترتب على فك الارتباط بين الاقتصادين الأمريكي والصين كفيل بتأليب جموع المتضررين ضد المتسبب في الكارثة. على العكس من ذلك، فقد تحول فك الارتباط إلى مطلب شعبي يصعب على السياسيين تجاهله.  

في البداية كان الصراع مع الصين قضية تخص العمال الأمريكيين المتضررين اختفاء ملايين الوظائف في قطاع الصناعات الاستهلاكية، بعد انتقال الاستثمارات إلى الصين، حيث العمالة الرخيصة، والقيود البيئية والصحية والتأمينية المحدودة. لقد لعب هؤلاء العمال المحبطون دورا مهما في الوصول بالرئيس ترامب إلى مقعد الرئاسة في انتخابات عام 2016، بسبب خطابه العدائي ضد الصين، ومازالوا يساندونه إلى اليوم. 

سرعت كورونا من عمق الأزمة في العلاقات الأمريكية الصينية، وعلى عكس ما دعا له المنظرون الليبراليون من ضرورة تعاون دول العالم في مواجهة الخطر المشترك، فإن العلاقات بين القوى الكبرى أصبحت أكثر عدائية مما كانت عليه قبل الأزمة. فالرئيس ترامب يصر على وصف الفيروس المسبب للوباء بالفيروس الصيني، ويتهم مسئولون أمريكيون الصين بالمسئولية عن انتشار الوباء؛ مرة بسبب تأخرها في الإفصاح عن مدى انتشاره، ومرة أخرى بسبب تسرب الفيروس من واحدة من المنشآت البحثية في ووهان بطريق الخطأ. لقد عمقت هذه الأجواء من المشاعر السلبية، حتى وجدنا أعضاء في الكونجرس يقدمون في مارس الماضي مشروعا يطالب بالحد من الاعتماد على الصين كمصدر للمستلزمات الطبية، وهي خطوة مهمة نحو فك الارتباط مع الصين. 

لم تعد المشاعر السلبية تجاه الصين أمرا مقصورا على فئات العمال المتضررين، لكنها أصبحت اتجاها سائدا يشترك فيه الأغلبية من الأمريكيين. ففي استطلاع نفذته هيئة الإذاعة البريطانية عام 2019، تبين أن 22% فقط من الأمريكيين ينظرون للصين بطريقة إيجابية، فيما ينظر إليها 70% منهم بطريقة سلبية. وفي نفس العام نفذت مؤسسة بيو استطلاعا مماثلا كشف أن 26% فقط من الأمريكيين ينظرون للصين بطريقة إيجابية، فيما يحمل 60% منهم مشاعر سلبية تجاهها؛ والأكثر من هذا أن 24% من الأمريكيين يعتبرون الصين التهديد الأهم الذي يواجه الولايات المتحدة. 

حتى فترة قصيرة كان قطاع كبير من النخبة الأمريكية، خاصة في الحزب الديمقراطي، يدافعون عن علاقات التعاون الاقتصادي مع الصين، ويرون فيها مكسبا للولايات المتحدة، وطريقة بناءة لإدارة النظام الدولي القائم على العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وكانوا ينظرون بازدراء لعقيدة الوطنية الاقتصادية والحماية التجارية التي يروج لها دونالد ترامب، ذلك الجمهوري الشعبوي غريب الأطوار. لكن في ظل انتشار المشاعر المعادية للصين بين الأمريكيين فإن الموقف المعادي للصين لم يعد موقفا حزبيا؛ فوجدنا اتفاق بين قادة الحزبين الديمقراطي والجمهوري على ضرورة الحد من الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، وفرض قيود على نقل التكنولوجيا للصين، ومنع شركات تكنولوجيا الاتصالات والذكاء الاصطناعي الصينية من العمل في الولايات المتحدة والدول الحليفة، ومواصلة بيع السلاح المتقدم لتايوان. 

في هذا السياق فإنه لم يكن من قبيل الحدث العابر أو زلة اللسان أن يصف جون بايدن، الرئيس الصيني بأنه بلطجي. حدث ذلك في المناظرة التي جرت بين المرشحين الديمقراطيين في ولاية جنوب كارولينا في شهر فبراير. لقد انتهى موسم المنافسة داخل الحزب الديمقراطي مبكرا بسبب كورونا؛ وأصبح جون بايدن هو المرشح الديمقراطي المنتظر له منافسة دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقرر لها أن تجري في نوفمبر، لو سمحت كورونا بذلك. لقد التقى جون بايدن والرئيس الصيني كثيرا عندما شغل كليهما منصب الرجل الثاني في حكومة بلده؛ ويحب جون بايدن أن يفاخر بأنه، من بين كل قادة العالم، فإنه أكثر من التقى بالرئيس الصيني في تلك السنوات. قبل ذلك، وفي عام 2000، ساند بايدن مع آخرين من أعضاء الكونجرس قرارا بتطبيع العلاقات التجارية مع الصين، وقبول بكين عضوا في منظمة التجارة العالمية. رغم هذا فإن بايدن لم يتردد في إطلاق هذا الوصف القاسي على الرئيس الصيني. ولأن التقاليد السياسية الصينية ترفض تماما توجيه الإساءة للرجل الكبير، فإن وصول رئيس أمريكي جديد للبيت الأبيض لن يؤدي إلى تخفيف التوتر بين البلدين، على العكس، فقد يؤدي إلى تعميق التوتر القائم.

لسنوات طويلة راهن أنصار التطبيع مع الصين على أن المصالح التجارية المشتركة ستدفع الصين لاحترام قواعد النظام الدولي القائم. ليس من الواضح ما إذا كانت الصين قد قامت فعلا بخرق قواعد النظام الدولي، الأمر الذي أثار الأمريكيين ضدها؛ أم أنه لم يعد ممكنا احتمال الصين بسبب نموها الاقتصادي السريع، وتجاوزها لمرحلة مكب الصناعات الاستهلاكية البسيطة، لتدخل في مرحلة الصناعات التكنولوجية المتقدمة. لقد تصور الكثيرون في الغرب أن الصين ستبقى في مرتبة تالية للولايات المتحدة، لكن الصين تتقدم بسرعة للمنافسة على قمة النظام الدولي، التي يبدو أنها أضيق كثيرا من أن تحتمل أكثر من لاعب واحد. 

نقلا عن جريدة الأهرام، 30 أبريل 2020.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب