مقال تحليلي

مستنقع “أردوغان” في ليبيا

مهما حقق الرئيس التركي “رجب طيب أروغان” من مكاسب جراء تدخله في ليبيا؛ إلا أنه يغوص في وحل الحالة الليبية، ومن الصعب أن يخرج سليمًا من هذا المستنقع. ويبدو أن هناك أطرافًا تدفعه إلى التوغل أكثر، لكي تُحقق لنفسها أكبر استفادة ممكنة. إنه يبدو كرئيس متهور، لا يضع أي اعتبار لا لشعبه ولا لسمعة دولته على الصعيدين الإقليمي والدولي. ما هي ركائز التحرك الأردوغاني في ليبيا، وإلى أين يمكن أن يصل؟ أعتقد أنه ينصب على اتجاهين: الأول، استغلال الجماعات الإرهابية. والثاني، سرقة أكبر كمية من الأموال الليبية. لكن يبقى السؤال: ماذا بعد كل هذا؟ وهل يمكن أن ينجو “أردوغان” بفعلته؟…

عبد الستار حتيتة

مهما حقق الرئيس التركي “رجب طيب أروغان” من مكاسب جراء تدخله في ليبيا؛ إلا أنه يغوص في وحل الحالة الليبية، ومن الصعب أن يخرج سليمًا من هذا المستنقع. ويبدو أن هناك أطرافًا تدفعه إلى التوغل أكثر، لكي تُحقق لنفسها أكبر استفادة ممكنة. إنه يبدو كرئيس متهور، لا يضع أي اعتبار لا لشعبه ولا لسمعة دولته على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ما هي ركائز التحرك الأردوغاني في ليبيا، وإلى أين يمكن أن يصل؟ أعتقد أنه ينصب على اتجاهين: الأول، استغلال الجماعات الإرهابية. والثاني، سرقة أكبر كمية من الأموال الليبية. لكن يبقى السؤال: ماذا بعد كل هذا؟ وهل يمكن أن ينجو “أردوغان” بفعلته؟

تحالف مشبوه

حين ذكر تقرير فريق الخبراء الدوليين المعني بليبيا في ديسمبر 2019، أن وزارة الداخلية في حكومة الوفاق هي من تستقبل شحنات الأسلحة التركية؛ أشار بشكل واضح -كذلك- إلى أن السفارة الليبية في أنقرة هي من يتولى عملية إرسال هذه الأسلحة. لكن بالنظر إلى من يتولى أمور هذه السفارة فستجد أنه السفير “عبدالرزاق مختار”، وهو من قادة جماعة الإخوان الليبية.

تمكّن نظام “أرودغان” من الاستفادة من تنظيم الإخوان بالمنطقة العربية وأماكن أخرى، خاصة في إفريقيا؛ فهو يوفر منصات إعلامية لقادة هذا التنظيم، ويحتضن كثيرًا من الفاعلين منه لإدارة باقي الجماعات الإرهابية لصالح أنقرة. وسقطت حكومة المجلس الرئاسي الليبي في هذا المنزلق الخطير.

لكن الحكمة تقول، لدى كثير من الدبلوماسيين، إن تنظيم الإخوان لم يدخل على دولة إلا وخربها، وأسقط مؤسساتها. اعتماد النظام التركي على تنظيم الإخوان يجعله يسير في اتجاه غير مأمون العواقب.

ولا شك أن الرئيس “أردوغان” يدرك أن كل تحركات الإرهابيين الذين يعملون معه مرصودة لدى دول العالم، وأن يوم الحساب سيأتي لا محالة، لهذا يمكن أن نفهم لماذا يتحرك بهذه السرعة، عبر حدود الدول، من أجل تحقيق كل المكاسب في وقت وجيز. وهذا أمر صعب المنال على كل حال. 

لقد أسس تنظيم الإخوان لتوقيع “فايز السراج” (رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الليبية) لاتفاقيات ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني والعسكري مع “أردوغان”. ولعب الإخواني الليبي “علي الصلابي”، والإخواني التونسي “راشد الغنوشي”، دورًا كبيرًا في إنجاح سياسات “أردوغان” في ليبيا، وبالتالي في تهديد دول المنطقة، والضغط على مؤسساتها وشعوبها.

ورغم أن هذا النشاط التركي الإخواني أيقظ -أخيرًا- الأجهزة الأمنية في تونس والجزائر، لكي تتخذ حذرها من خطط نشر الفوضى؛ إلا أن “أردوغان” لم يتعظ، لا بعد زيارته الفاشلة لتونس، ولا بعد زيارته الفاشلة إلى الجزائر. وعلى العكس، زاد من احتضانه للإخوان، ومنهم “الصلابي” المصنف ضمن الشخصيات الإرهابية في ليبيا ودول أخرى.

لقد أصبح “الصلابي” صديقًا مقربًا من “السراج”، وهو من يزف إليه في الصباح تحيات “أردوغان”، وتحيات وزارة الدفاع التركية، وهو من يرسل إليه ببشائر نقل الأسلحة والمرتزقة إلى الأراضي الليبية. “الصلابي” يدير المؤامرات مع “الغنوشي” ضد الرئيس الوطني المعتدل “قيس سعيد”، وهو من يحيك الدسائس ضد النظام الجزائري ذي التوجه العروبي الأصيل، بغض النظر عن علاقة رئيس الجزائر بـ”أردوغان”.

إن قضية تبادل المنافع بين جماعة الإخوان و”أردوغان” تزخر بالكثير من التفاصيل. فقد استفادت الجماعة الإرهابية من توفير النظام الأردوغاني الملاذ الآمن لها ولكل أشقائها الإرهابيين، بمن فيهم الأفارقة. وأشرف جهاز مخابرات “أردوغان” على التفاهم والتنسيق بين قادة الإخوان، وقادة من تنظيمات أخرى خطيرة، مثل تنظيم “القاعدة” وتنظيم “داعش”. ومن بين هؤلاء الزعماء الإرهابيين شخصيات مطلوبة في دول عديدة، سواء في دول عربية أو إفريقية أو غربية، أو حتى في روسيا نفسها. 

يبدو أنه لم يعد لدى نظام “أردوغان” القدرة على التوقف لتغيير هذه السياسة غير النظيفة التي يتبعها. وبدلًا من فك الارتباط مع الإرهابيين، قام بتنصيب “عبدالحكيم بلحاج”، أمير الجماعة الليبية المقاتلة (الموالية لتنظيم “القاعدة”)، كمسئول عن الجناح العسكري للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ليدير لصالح النظام التركي أعمال التخريب والفوضى بالمنطقة.

تبادل منافع

بدورها، قامت هذه الجماعات الإرهابية بتنفيذ سياسات “أردوغان” في ليبيا، والاستفادة منها أيضًا؛ فشرعت تحت ستار الفوضى في الهيمنة على المصادر الرئيسية التي توجد فيها أموال الليبيين، واستنزفت بذلك أموال المصرف المركزي الليبي، من خلال تنصيب شخصيات إخوانية داخله. فقد وضع هذا المصرف مليارات الدولارات كودائع في المصرف المركزي التركي لإنقاذ العملة التركية من الانهيار.

وكان للإخوان وشركائهم من الجماعات الإرهابية نصيب الأسد من هذه الأموال. على سبيل المثال، فإن أحد قادة الإخوان الليبيين في تركيا -مثلًا- كان يحتفظ في بيته في إسطنبول بمبلغ 250 مليون دولار. 

وهكذا، فقد تحالف نظام “أردوغان” مع الإرهابيين في امتصاص ما تبقى من ثروات الليبيين، فقام بالهيمنة على القرارات في هيئة البريد الليبية، وفي شركة الاستثمارات الخارجية، حيث توجد فيهما مبالغ تزيد على عشرين مليار دولار. وبعد غلق القبائل الليبية حقول ومصافي تصدير النفط، وخلو المصرف المركزي من إيراداته التي كانت تبلغ شهريًّا حوالي ملياري دولار، اتجهت تركيا، بمعاونة الإرهابيين وسطوتهم على “السراج”، لاستقطاع مليارات الدولارات من مدخرات “هيئة البريد” و”شركة الاستثمارات”.

يستولي هذا الحلف الأردوغاني الإرهابي على ما يصل أحيانًا من النفط، رغم شحه، من ميناء الزاوية البحري، وهو ميناء تتحكم فيها قيادات تابعة لكل من جماعة الإخوان والجماعة المقاتلة وعناصر من “داعش”. وقام الحلف نفسه كذلك بتنصيب أحد قادة الإخوان ليكون مسئولًا عن إحدى أكبر شركات النفط الليبية في تلك المنطقة.

من المعروف أن الاقتصاد التركي يُعاني من مصاعب جمة. فقد تراجعت قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي في الآونة الأخيرة؛ فمن أين يُعزز “أردوغان” قدرته على البقاء؟ لقد استفاد من تحالفه مع الإرهابيين و”السراج”، منذ أواخر العام الماضي، من أجل بيع الأسلحة إلى حكومة الوفاق التي تعمل بالمخالفة للإعلان الدستوري الليبي.

ويُصر “أردوغان”، ومعه الآلة الإعلامية الإخوانية مثل قناة “الجزيرة” القطرية، على زعم أن حكومة الوفاق معترف بها دوليًّا، وهو يعلم أن هذه الحكومة لم تحصل على ثقة البرلمان الليبي المنتخب، وهو البرلمان نفسه الذي رفض اتفاقية التعاون بين “أردوغان” و”السراج”. لهذا اعتبر البرلمان “السراج”، ومعه وزير خارجيته ووزير داخليته، خونة. 

وعقد “أردوغان” مع هذه الحكومة الليبية غير الشرعية اتفاقات وصلت قيمتها إلى أكثر من 25 مليار دولار، خلال شهور قليلة، مقابل أسلحة وطائرات مسيرة ورواتب للمرتزقة الذين يرسلهم لإطالة أمد الاقتتال بين الليبيين. بالإضافة إلى أموال أخرى تحت بنود مختلفة؛ فقبل أيام أقر وزير الداخلية (والدفاع بالإنابة) في حكومة الوفاق “فتحي باشاغا”، بوجود فساد كبير في رأس السلطة في طرابلس. لكن “باشاغا” تناسى أنه أحد أضلاع هذا الفساد؛ فوزارته -وفقًا لتقرير فريق الخبراء الدوليين المعني بليبيا في الرابع من ديسمبر الماضي- هي من تتسلم الأسلحة التركية المرسلة إلى ليبيا. 

ومع ذلك دعا “باشاغا” إلى تحقيق دولي بشأن الإنفاق المالي في عموم البلاد خلال الفترة الماضية. كأن هذا الوزير، الذي كان يدير ميليشيا ويعمل كتاجر إطارات، يريد أن يبرئ نفسه من جرائم فساد المال ومن انخراطه في نزيف الدماء الليبية. لكن حديث “باشاغا” تضمَّن، على أية حال، إشارات غير طيبة إلى الحلف الأردوغاني الإرهابي. 

لقد استفادت تركيا، خلال الشهور الماضية، من عقود علاج المرضى والجرحى الليبيين في مستشفياتها. ففي إحدى المرات اكتشف كل من الدكتور “محمد الهيثم”، وكيل وزارة الصحة في حكومة الوفاق، و”الشريف هليل”، مدير إدارة الفحص والمتابعة في جهاز المحاسبة المالية بطرابلس، أن ديون المستشفيات التركية، المزعومة، على الخزانة الليبية، بلغت أكثر من 60 مليون دولار. 

وفي مرة أخرى تبيَّن أن هناك فواتير جديدة لمستشفيات تركية، بلغت قيمتها أكثر من 20 مليون دولار. وكانت هذه المبالغ مثار استغراب لدى كل من “الهيثم”، و”يوسف المبروك” مدير مكتب “السراج”.

كما ظهر في مرة ثالثة أن تركيا حصلت على حوالي 110 ملايين دولار، تحت بند ديون لمستشفياتها، نظير علاج الجرحى والمرضى الليبيين. وهي لكي تقوم بمثل هذا الاستنزاف لأموال الليبيين أوعزت لقادة في جماعة الإخوان -ممن يهيمنون على سلطة المجلس الرئاسي- بتعيين مراقبين للحسابات من داخل السفارات، وليس من وزارة المالية، كما كان متبعًا.

يبدو أن موضوع الديون الليبية التي لا تنتهي لصالح المستشفيات التركية، تعد من أهم المصادر المالية لنظام “أردوغان” للاستيلاء على ثروات الليبيين، بعد تصدير الأسلحة. على سبيل المثال، بلغت ديون المستشفيات المستحقة على ليبيا في كل من تركيا وتونس والأردن، نحو 1.4 مليار دولار، معظمها لفائدة أنقرة. 

تركيا تستفيد أيضًا من توريد السلع الغذائية والطبية إلى معظم المدن في شمال غرب ليبيا. ومعظم الشركات التركية الموردة للسلع إلى ليبيا يملكها أقارب لأردوغان، مع شخصيات من الإخوان والجماعة الليبية المقاتلة. وكل هذا معلوم لدى السيدة “ستيفاني ويليامز”، القائمة بأعمال رئيس البعثة الأممية إلى ليبيا. 

رهان “باشاغا”

“ستيفاني ويليامز” هي شخصية أمريكية على دراية بألاعيب “أردوغان” وتحالفاته مع الجماعات الإرهابية، وعلى معرفة بالمؤامرات التي تزيد من حالة الفوضى والاقتتال في ليبيا، وهي تتبنى، مثل الوزير “باشاغا”، فكرة التحقيق بشأن الفساد في ليبيا.

لقد كان “باشاغا” مثيرًا لريبة الأتراك، منذ زيارته للولايات المتحدة الأمريكية قبل شهرين. فقد أخذ منذ عودته من الولايات المتحدة ينتقد الميليشيات المسلحة، ويحملها مسئولية فشل الحكومة في أداء عملها. كما لوحظ أنه أصبح أكثر انحيازًا للأجهزة الأمنية الطرابلسية التي تعارض اعتماد “السراج” على الميليشيات والجماعات الإرهابية والمرتزقة المرسلين من تركيا.

رغم مواقف “باشاغا” المعارضة للحلف التركي-الإخواني الإرهابي، إلا أنه لم يُثبت على أرض الواقع أنه قادر على اتخاذ إجراءات تنفيذية لمنع تدفق الأسلحة والإرهابيين من تركيا، بل إن “باشاغا” نفسه يستعين بنصيب مما ترسله تركيا من أسلحة ومقاتلين، في محاولة منه لتعزيز القوات الموالية له في مدينتي طرابلس ومصراتة. 

فهل “باشاغا” ينفذ خطة ما ضد التواجد التركي الإرهابي في ليبيا؟ وهل هو مكلف بإجراءات معينة لا أكثر، تخص -مثلًا- منع تبديد الأموال الليبية على الحلف الأردوغاني الإخواني؟ أم هل هو فعلًا يحاول إسقاط حكم “السراج” وأعوانه من الأتراك والميليشيات والإرهابيين؟ 

“باشاغا” ينتمي إلى مدينة مصراتة التي يزعم “أردوغان” أنها تضم ليبيين من أصول تركية. كما أن المدينة يوجد بها المقر الرئيسي لحزب جماعة الإخوان الليبية. وتوجد فيها كذلك قاعدة عسكرية يعتمد عليها الأتراك في إدخال الأسلحة والمقاتلين إلى غرب ليبيا. 

والسؤال الأهم: هل يمكن أن يتسبب “باشاغا” في قصم ظهر “أروغان” وأعوانه في ليبيا، أم أنه، على أكثر تقدير، يمكن أن يتسبب في إزاحة “السراج” عن المجلس الرئاسي، ليجلس مكانه، ويواصل سياسات “السراج” نفسها المتعاونة مع “أردوغان”، والاستعانة بنوع جديد من الميليشيات والجماعات الإرهابية في مصراتة وطرابلس. 

إذا لم يخرج “باشاغا” عن هذا المسار، فلن يكون لتطلعات السيدة “ويليامز” أي جدوى، حيث ستستمر دائرة الفوضى الليبية في الدوران بلا نهاية. وغالبًا ما يزال “باشاغا” يسير على الطريق نفسها، فهو يهاجم الدول التي تقف مع قائد الجيش الوطني، ويرفض أي تفاوض مع “حفتر”. إن مثل هذه التكهنات مرهونة بالوقت، ومتوقفة على مدى رغبة الغرب في إنهاء التحالف التركي مع الإرهابيين في المنطقة. 

لقد رفض الرئيس التركي الامتثال للقرار 1970 لسنة 2011 الصادر عن مجلس الأمن بخصوص حظر التسليح على ليبيا. هذا ما قاله صراحة تقرير فريق الخبراء الدوليين الذي تم تقديمه لمجلس الأمن، لكن يبدو أن الأطراف الدولية المعنية، في حالة تركيا، ما زالت لا تريد أن تسمع أو ترى، وبالتالي فهي تؤجل الكلام بشأن نظام أنقرة إلى حين، ذلك أن كثيرًا من الدول الغربية يبدو أنها تريد ترك “أردوغان” لمصيره الذي يسير إليه، وهو السقوط، وهي ترى أن هذا ربما أصبح أقرب من أي وقت مضى.

عبد الستار حتيتة