وحدة الدراسات الاقتصادية

مخاطر بيئية تتجدد عقب أزمة كورونا

تُعتبر التغيرات المناخية من أكبر التهديدات التي تواجه العالم في الآونة الأخيرة، وذلك بالنظر لما تمثله من تأثيرات واضحة على جميع الأنشطة البشرية والاقتصادية، ولهذا حددت الأمم المتحدة هدف مكافحة التغيرات المناخية ضمن مجموعة أهداف التنمية المستدامة، انطلاقًا من إيمانها بأن كافة الأهداف الأخرى لن تتحقق بدونه؛ إذ من الممكن أن تُساهم أزمة المناخ في زيادة مخاطر الجوع وسوء التغذية، وزيادة عدد الفقراء حول العالم، كما أنها تُهدد حياة الملايين من الأفراد في ظل زيادة أعداد الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات. واحتل عام 2019 المرتبة الثانية في قائمة أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، حيث ارتفعت درجات الحرارة…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُعتبر التغيرات المناخية من أكبر التهديدات التي تواجه العالم في الآونة الأخيرة، وذلك بالنظر لما تمثله من تأثيرات واضحة على جميع الأنشطة البشرية والاقتصادية، ولهذا حددت الأمم المتحدة هدف مكافحة التغيرات المناخية ضمن مجموعة أهداف التنمية المستدامة، انطلاقًا من إيمانها بأن كافة الأهداف الأخرى لن تتحقق بدونه؛ إذ من الممكن أن تُساهم أزمة المناخ في زيادة مخاطر الجوع وسوء التغذية، وزيادة عدد الفقراء حول العالم، كما أنها تُهدد حياة الملايين من الأفراد في ظل زيادة أعداد الوفيات الناجمة عن الكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات.

واحتل عام 2019 المرتبة الثانية في قائمة أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، حيث ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمقدار 0.6 درجة مئوية مقارنة مع متوسط الأعوام الممتدّة بين 1981 و2010، فيما سجلت الأعوام الخمسة السابقة أعلى درجات حرارة على سطح كوكب الأرض بسبب الأنشطة البشرية الضارة بالبيئة. ومن المحتمل أن تزيد الحرارة بدرجة ونصف مئوية بين عامي 2030 و2052 إذا استمر سلوك البشر على المنوال الراهن. 

وكانت هذه التوقعات قبل ظهور شبح فيروس كورونا الذي أجبر العديد من الحكومات والدول حول العالم على فرض حظر صارم على تحركات المواطنين مع تقييد حركة السفر، وإغلاق الحدود، وخفض عدد الرحلات الجوية، فضلًا عن إغلاق المصانع والمتاجر والمدارس، مما أسفر عن بقاء عدد كبير من الأفراد في منازلهم خوفًا من الإصابة بالفيروس. كما اتجهت العديد من الشركات لتطبيق فكرة العمل عن بعد للحد من تفشي الوباء على نطاق أوسع.

ورغم أن الهدف من كافة الإجراءات السابقة يُكمن في الحد من انتشار الفيروس المستجد؛ إلا أنه قد ترتب عليها العديد من النتائج غير المتوقعة، ومنها الانخفاض المفاجئ في الانبعاثات الحرارية والكربونية المسببة للاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، لا سيما في الدول الصناعية الكبرى مثل الصين، وذلك مع انخفاض الطلب على الفحم والنفط، وتراجع حجم التكدس المروري وعوادم السيارات، الأمر الذي أدى إلى انخفاض التلوث وانبعاثات الغازات الدفيئة.

ولعل السؤال الأهم: هل هذا التغيير مجرد أمر عابر أم سيترك كورونا أثرًا دائمًا على البيئة؟

هذا المقال يحاول الإجابة عن هذه التساؤلات انطلاقًا من بعض الإحصائيات المرتبطة بتأثير كورونا على التغيرات المناخية خلال الفترة الماضية.

1- التغيرات المناخية بعد انتشار فيروس كورونا

تسهم وسائل النقل بما يصل إلى 23% من الانبعاثات الكربونية العالمية، فيما تسيطر قيادة السيارات والنقل الجوي على نحو 72% و11% على الترتيب من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في قطاع النقل. ولهذا سجلت الانبعاثات الحرارية في الصين تراجعًا بنحو 25% (ما يُعادل 200 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون) في بداية العام الجاري بفضل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لاحتواء انتشار الفيروس، وهبط استهلاك الفحم بنحو 40% في أكبر ست محطات للطاقة، كما تحسنت جودة الهواء في حوالي 337 مدينة. وقد ينتج عن ذلك انخفاض إجمالي الانبعاثات بنسبة 1% بحلول نهاية 2020.

وانخفضت نسبة تلوث الهواء في هونج كونج لنحو الثلث خلال شهري يناير وفبراير. وغالبًا ما تتسبب عطلة رأس السنة القمرية الجديدة في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين سنويًّا، ولكن ما حدث هذا العام كان مختلفًا قليلًا، حيث أظهرت بعض التقارير تراجع هذا المستوى بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% على أساس سنوي.

وفي الوقت نفسه، شهدت بعض المدن الأوروبية انخفاضًا في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 45% منذ بداية تطبيق الحجر المنزلي. كما كشفت صور القمر الصناعي في الآونة الأخيرة عن انخفاض مستويات تلوث الهواء في شمال إيطاليا ومدريد وباريس والمناطق شديدة الازدحام في غرب ألمانيا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ. أما عن إيطاليا -التي تعتمد على الغاز الطبيعي في المقام الأول لتوليد الكهرباء- فقد تراجع مستوى طلبها على الطاقة بنسبة 27% بحلول نهاية مارس. ومن المرجح أن تُساهم الإجراءات الوقائية بالقارة الأوروبية في تراجع الانبعاثات الكربونية بنحو 400 مليون طن متري هذا العام.

كما كشفت دراسة حديثة عن بدء تعافي طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية مع اقتراب التئام الثقب. ومن المتوقع أن تتعافى الطبقة إلى مستويات الثمانينيات بحلول عام 2030 في خطوط العرض الوسطى في نصف الكرة الشمالي، وبحلول 2050 في خطوط العرض الوسطى الجنوبية. وبالإضافة إلى ما سبق، يتوقع عدد لا بأس به من العلماء انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكبر نسبة ممكنة منذ الحرب العالمية الثانية هذا العام في ضوء توقف النشاط الاقتصادي تقريبًا بسبب كورونا.

2- ارتباط انتشار الأوبئة بالتغيرات المناخية على مر العصور

غالبًا ما يرتبط انتشار الأمراض والأزمات العالمية بانخفاض مستويات ثاني أكسيد الكربون والنيتروجين المسببين لظاهرة الاحتباس الحراري، مما يعني أن التأثير الإيجابي لفيروس كورونا على التغيرات المناخية لا يعتبر الأول في تاريخ البشرية؛ إذ نتج عن وباء الإنفلونزا الإسبانية تراجع في انبعاثات الكربون بحوالي 400 مليون طن بين عامي 1918 و1919. كما انخفضت تلك النسبة بأكثر من 20% خلال أزمة “الكساد العظيم”، وكذلك هبطت أثناء الأزمة المالية العالمية بنحو 1.4%. والقاسم المشترك بين هذه الأزمات هو تعطل الأنشطة الاقتصادية وإغلاق المصانع وبقاء الأشخاص في منازلهم. وعلى الرغم من هذه النتائج الإيجابية، إلا أنه سرعان ما عاودت الانبعاثات الارتفاع مرة أخرى بضغطٍ من انتعاش النشاط الاقتصادي من جديد، وعودة الأفراد إلى حياتهم الطبيعية بمجرد انتهاء الأزمة، مما يؤكد أن هذه الآثار ما هي إلا نتائج قصيرة الأجل.

وبتطبيق الأمثلة التاريخية سالفة الذكر على أزمة كورونا، سنجد أنه من المتوقع أن يتوقف مدى تأثيرها على التغييرات المناخية على مدة انتشار هذا المرض، وبمجرد انتهاء الأزمة الراهنة ستنحسر هذه التطورات الإيجابية. ويدلل على ذلك الحزم التحفيزية التي قدمتها العديد من الحكومات لصناعة الطيران والسيارات مما يبرهن على عدم سعي هذه الدول مستقبلًا إلى تقليص استخدام الوقود الأحفوري. كما بدأ استهلاك الفحم بالصين في الاتجاه إلى الارتفاع عقب عودة البلاد إلى العمل بشكل تدريجي، وهو ما يُشير إلى إمكانية عودة ثاني أكسيد النيتروجين قرب مستويات ما قبل الأزمة. كما تمتلك الدول كمية كبيرة من مخزونات النفط، وسرعان ما سيتم استخدام هذا المخزون في حالة عودة الإنتاج إلى طبيعته مع انتهاء الأزمة الحالية.

3- ماذا سيحدث على المدى طويل الأجل؟

إذا نظرنا إلى الأمر على الأجل الطويل، سنجد أن فيروس كورونا -إذا استمر لفترة أطول من المتوقع- قد يضر المناخ ولكن بصورة مختلفة، حيث أدت عمليات الإغلاق والتباعد الاجتماعي إلى إبطاء وتيرة إجراء الأبحاث المناخية الرامية إلى إيجاد حلول جذرية وفعالة لمشكلة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية. وتم تأجيل أو إلغاء موعد انعقاد العديد من اجتماعات زعماء العالم لمعالجة أزمة المناخ بسبب الفيروس، مثل إرجاء قمة المناخ التي كان من المقرر عقدها في نوفمبر 2020، مما يدل على احتمال مساهمة الفيروس في عرقلة المحادثات التي من المفترض أن تسفر عن تعهدات جديدة بخفض الانبعاثات الحرارية بشكل أكثر استدامة.

كما أصبح وباء كورونا وكيفية مواجهته واكتشاف علاج للقضاء عليه على رأس أولويات الدول في الوقت الحالي، وهو ما يعني زيادة احتمالات توجيه الموارد لتجاوز تداعياته على حساب التوجه لمصادر الطاقة النظيفة والمتجددة. كما أنه سيصرف انتباه صانعي السياسة وقادة الأعمال والمستثمرين عن التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة. وهكذا، يتمثل الهدف الأساسي الآن في دفع عجلة الاقتصاد مرة أخرى في أسرع وقت ممكن دون النظر إلى مدى انعكاس ذلك على البيئة.

أخيرًا، من الممكن أن يؤدي انتشار الفيروس إلى تعطيل استثمارات الطاقة النظيفة في أوروبا التي تهدف إلى القضاء على الانبعاثات الحرارية بشكل تام بحلول عام 2050، لأن الاتفاقية الخضراء للاتحاد الأوروبي لم تأخذ في اعتبارها الاضطراب الاقتصادي والاجتماعي الناجم عن كورونا. ويُمكن أن نستدل على ذلك بقول رئيس الوزراء التشيكي “أندريه بابيس” إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى التركيز أكثر على احتواء تفشي كورونا، وتأجيل تنفيذ هدف “الحياد الكربوني”. وبينما كانت شركات صناعة السيارات في القارة العجوز تستعد لكي تمحور تركيزها على زيادة إنتاج السيارات الكهربائية والهجينة، وتطبيق معايير جديدة لضبط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مدار العام الحالي؛ إلا أنها واجهت ضيفًا غير مرحب به منعها من تنفيذ هذه الخطط في ظل إغلاق مصانعها أو تحويلها لإنتاج أجهزة التنفس الصناعي.

ختامًا، يُمكن القول إنه لا ينبغي النظر إلى الوباء العالمي الذي يحصد أرواح الناس كوسيلة لإحداث التغيير البيئي، ولا يُمكن أن نعلق عليه آمالًا لمعالجة التغيرات المناخية، ولذلك يجب اتباع حلول هيكلية وجذرية تساهم في المزيد من الاعتماد على الطاقة المتجددة، والابتعاد عن التوليد القائم على الفحم.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة