تقارير

تأثيرات فيروس كورونا على أهداف التنمية المستدامة

أزمة فيروس كورونا ليست مجرد أزمة صحية عالمية، بل هي أزمة إنسانية. الأزمة لها العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون لهذه الأزمة تأثير عميق وسلبي على جهود التنمية المستدامة؛ ذلك أن التباطؤ الاقتصادي العالمي الممتد سيؤثر سلبًا على تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث إن نسبة كبيرة من موارد العالم ستذهب لمواجهة فيروس كورونا وستبقى نسبة أقل فيما بعد لتنفيذ الخطة. تشمل أهداف التنمية المستدامة 17 هدفًا عالميًّا، تستهدف بناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. وقد تم تحديد هذه الأهداف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 والمزمع تحقيقها بحلول عام…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أزمة فيروس كورونا ليست مجرد أزمة صحية عالمية، بل هي أزمة إنسانية. الأزمة لها العديد من الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. بالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون لهذه الأزمة تأثير عميق وسلبي على جهود التنمية المستدامة؛ ذلك أن التباطؤ الاقتصادي العالمي الممتد سيؤثر سلبًا على تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، حيث إن نسبة كبيرة من موارد العالم ستذهب لمواجهة فيروس كورونا وستبقى نسبة أقل فيما بعد لتنفيذ الخطة.

تشمل أهداف التنمية المستدامة 17 هدفًا عالميًّا، تستهدف بناء مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع. وقد تم تحديد هذه الأهداف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2015 والمزمع تحقيقها بحلول عام 2030، وهي جزء من قرار الأمم المتحدة 70/1 في خطة 2030. وتستند هذه الأهداف السبعة عشر إلى ما تم إحرازه من نجاحات في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية (2000-2015)، كما تشمل كذلك مجالات جديدة، مثل: تغير المناخ، وعدم المساواة الاقتصادية، وتعزيز الابتكار، والاستهلاك المستدام، والسلام، والعدالة، ضمن أولويات أخرى. جميع هذه الأهداف مترابطة، وتحقيق هدف منها سيكون له تأثير إيجابي على الأهداف الأخرى.

من ناحية، سيكون النساء والأطفال وكبار السن والعمال غير الرسميين هم الأكثر تضررًا من جائحة فيروس كورونا. ولكن من ناحية أخرى، من المحتمل أن يكون التأثير على البيئة إيجابيًّا على المدى القصير، حيث أدى الانخفاض الكبير في النشاط الاقتصادي الناجم عن الأزمة إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والتلوث في العديد من المجالات. لكن من المتوقع أن تكون هذه التحسينات قصيرة الأجل ما لم تُنفِّذ البلدان التزامها بالتنمية المستدامة بمجرد انتهاء الأزمة، وإعادة تشغيل المصانع والإنتاج بكامل طاقتهما.

الحقيقة الثابتة هي أنه كان بإمكان بلاد العالم الاستعداد بشكل أفضل لهذه الأزمة، حيث كان يمكن لأهداف التنمية المستدامة أن تضعها على الطريق نحو عالم يتمتع بإمكانية الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة، والرعاية الصحية الجيدة، واقتصادات أكثر شمولًا واستدامة. لكن الاستثمار المحدود في هذه الأهداف أدى إلى مضاعفة آثار أزمة كورونا التي أثرت سلبًا على تنفيذ معظم أهداف التنمية المستدامة. بعض الآثار المتوقعة من الوباء تؤثر على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة بطريقة مباشرة، وبعضها الآخر بطريقة غير مباشرة.

في هذا الإطار، يُناقش هذا المقال تأثير فيروس كورونا على العديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى وجه الخصوص: القضاء على الفقر، والقضاء على الجوع، والصحة الجيدة والرفاه، والتعليم الجيد، والمياه النظيفة والنظافة الصحية، والعمل اللائق ونمو الاقتصاد، والحد من أوجه عدم المساواة، ومدن ومجتمعات محلية مستدامة، والعمل المناخي، والسلام والعدل والمؤسسات القوية، وعقد الشراكات لتحقيق الأهداف، على النحو التالي: 

1- القضاء على الفقر (الهدف رقم 1): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف مباشرةً، حيث أدى إلى فقدان الدخل لدى نسبة كبيرة من الناس، مما دفع الشرائح الضعيفة من المجتمع والأسر إلى الوقوع تحت خط الفقر. 

2- القضاء التام على الجوع (الهدف رقم 2): قد تؤدي التدابير اللازمة لاحتواء انتشار المرض من خلال فرض الحجر الصحي، وتقليل ساعات العمل، وغلق المدن؛ إلى تعطيل إنتاج الغذاء وتوزيعه. وهذا قد يؤدي إلى انخفاض العرض من الغذاء، وصعوبة توفره في بعض المناطق. 

3- الصحة الجيدة والرفاه (الهدف رقم 3): أظهر فيروس كورونا العديد من السلبيات في المجال الصحي على مستوى العالم، والتي من أهمها: عدم وجود أعداد كافية من المستشفيات بالدول، وعجز بالمستلزمات الطبية والأجهزة مثل أجهزة التنفس الصناعي، وعجز شديد في الأطباء ومقدمي الخدمة الطبية. كما أظهر عدم وجود خطط مسبقة لمواجهة الكوارث الطارئة، مما أثر على ارتفاع أعداد الوفيات على مستوى العالم.

4- التعليم الجيد (الهدف رقم 4): غلق معظم المدارس والمؤسسات العلمية سيؤدي إلى عدم تلقي الطلاب المناهج المعدة لكل مرحلة. كما أظهرت الأزمة عدم جاهزية غالبية الدول لنظام التعليم عن بعد، خاصة في الدول النامية التي لا تتاح فيها هذه الخدمة لغالبية الطلبة. وبالتالي سيؤثر ذلك على فرص تعلم الكثير من الطلاب، خاصة الذين ليست لديهم فرص للتعليم خارج المدرسة مثل الأسر منخفضة الدخل التي تكون فرصتها أقل في الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت وخدمات رعاية الأطفال.

أيضًا يعتمد العديد من الطلاب على وجبات مجانية أو مخفضة تقدم في المدارس، ومع إغلاق المدارس سيؤثر هذا على تغذيتهم، مما سيؤثر على الصحة العامة لهؤلاء الطلاب وقدرتهم على الاستفادة من التعليم في المستقبل.

5- المياه النظيفة والنظافة الصحية (الهدف رقم 6): من أهم الوسائل الوقائية من فيروس كورونا هو غسيل اليدين بالمياه النظيفة. هذه الوسيلة قد لا تكون متوفرة لبعض المواطنين، خاصة المقيمين ببعض الأماكن العشوائية والقرى النائية. وقد يؤدي هذا إلى انتشار الفيروس في هذه المناطق بسبب ضعف إمكانياتهم، وعدم وصول المياه النظيفة إلى منازلهم.

6- العمل اللائق ونمو الاقتصاد (الهدف رقم 8): أزمة جائحة كورونا أثرت على القوى العاملة في جميع أنحاء العالم، وقد أدت هذه الأزمة إلى إلغاء نسبة كبيرة من إجمالي ساعات العمل، وهو ما دفع العديد من الدول إلى تقديم المساعدة الفورية للشركات والعمال لحمايتهم، خاصة في القطاعات الأكثر تضررًا التي تضم نسبة عالية من العمالة ذات الأجور المتدنية والعمالة غير الرسمية. وهذا قد يؤدي إلى خطر وقوعهم تحت خط الفقر ومواجهة تحديات أكبر في العودة لأشغالهم بعد فترة التعافي. 

اتساع خطر انتشار فيروس كورونا إلى كل دول العالم أثر سلبًا على حركة الطيران والسفر والتجارة والشحن، كما انعكس سلبًا في انخفاض وتذبذب الأسواق المالية وتراجع أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها. كما أن الاضطرابات في التجارة العالمية والتوريد تسببت في تراجع نشاط التصنيع العالمي. كما تراجع الناتج في القطاعات الاستهلاكية والسلع الوسيطة والاستثمارية. وبالتالي أدى ذلك إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وانخفاض معدل نمو التجارة العالمية.

7- الحد من أوجه عدم المساواة (الهدف رقم 10): أثر فيروس كورونا على هذا الهدف بطريقة غير مباشرة، حيث إن الأزمة ستؤدي إلى توسعة الفجوة بين الطبقات، خاصة بالنسبة للأسر الفقيرة والأشد فقرًا التي ليست لديها إمكانيات متاحة لمواكبة التعايش مع أزمة كورونا، خاصة الأسر بالمناطق النائية والأماكن العشوائية ذات الكثافة السكانية العالية والتي ليس بها خدمات إنترنت، وليس لديها الإمكانات المادية للحصول على التكنولوجيا، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى تدهور المستوى التعليمي للطلاب لعدم حصولهم على التعليم الموجه مقارنة بالطلاب المقيمين بالمناطق المتاح بها هذه الخدمة. بالإضافة إلى أن غالبية مسئولي هذه الأسر من العمالة غير المستديمة التي تأثرت أكثر بعد جائحة كورونا وفقدوا وظائفهم.

8- مدن ومجتمعات محلية مستدامة (الهدف رقم 11): يواجه السكان الذين يعيشون في الأحياء الفقيرة خطرًا أكبر للتعرض لـفيروس كورونا بسبب الكثافة السكانية العالية، وسوء ظروف الصرف الصحي وصعوبة توافر مياه نظيفة.

9- العمل من أجل المناخ (الهدف رقم 13): على الرغم من أن فيروس كورونا كان له العديد من الآثار السلبية على مستوى العالم، إلا أنه نتج عنه أثر إيجابي للبيئة، حيث أدى إلى تقليل الغازات المنبعثة من المصانع وعوادم السيارات بسبب حظر التجوال الذي فرض في جميع أنحاء العالم، مما نتج عنه انخفاض في العوادم المنبعثة من السيارات، وأيضًا تقليل عدد ساعات العمل في المصانع التي تنبعث منها غازات ملوثة للبيئة، وهذا أدى إلى تقليل غاز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.

10- السلام والعدل والمؤسسات القوية (الهدف رقم 16): أكثر المناطق في العالم تأثرًا بجائحة كورونا هي مناطق النزاع، لما يعانيه شعوب هذه المناطق من ضعف الإمكانيات في جميع المجالات الطبية والاجتماعية والاقتصادية من قبل ظهور هذا الفيروس. وبعد ظهور هذه الجائحة، تعاني هذه المناطق من عدم وجود وسائل الحماية من الفيروس والعلاجات المتاحة له أو المستشفيات التي يتلقى فيها المرضى العلاج من هذا الفيروس. بالإضافة إلى صعوبة وصول المساعدات الطبية لهذه المناطق بسبب الحروب والنزاعات الموجودة بها. على سبيل المثال، النزاعات الموجودة في سوريا وليبيا واليمن وفلسطين.

11- عقد الشراكات لتحقيق الأهداف (الهدف رقم 17): على الرغم من أن أزمة كورونا أحدثت رد فعل قويًّا ضد العولمة، وإغلاق المجالات الجوية لكل دولة، وعدم استقبال رعايا الدول الأخرى، وإيقاف الرحلات السياحية خوفًا من انتقال العدوى من خلال انتقال رعايا الدول التي بها حالات إصابة كثيرة؛ إلا أنها أكدت على ضرورة إعطاء التعاون الدولي أهمية قصوى لتبادل الخبرات في مجال مكافحة الأمراض والفيروسات وما يستجد من وسائل للمكافحة والعلاج.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة