قراءة في نتائج التعداد الاقتصادي

تأتى أهمية التعداد الاقتصادي من كونه يوفر معلومات شاملة وتفصيلية عن هيكل وخصائص الأنشطة الاقتصادية المختلفة وتوزيعاتها الجغرافية، كما أنه يقيس مساهمة كل نشاط اقتصادي في الناتج المحلى الإجمالي، ويوفر بيانات كاملة عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن القطاع غير الرسمي، وهو ما يجعله وبحق من أهم الوثائق التي يجب أن تحظى بالنقاش العام، خاصة إذا ما تمت قراءته في ضوء نتائج بحث الدخل والانفاق، وكذلك بحث القوى العاملة. ويتزامن الإعلان عن نتائج هذا العام مع مناقشة مشروع قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بالإضافة إلى مشروعي الخطة والموازنة عن العام المالي 2020/2021، داخل البرلمان، والذي يعد وبحق عاما…

عبد الفتاح الجبالي

تأتى أهمية التعداد الاقتصادي من كونه يوفر معلومات شاملة وتفصيلية عن هيكل وخصائص الأنشطة الاقتصادية المختلفة وتوزيعاتها الجغرافية، كما أنه يقيس مساهمة كل نشاط اقتصادي في الناتج المحلى الإجمالي، ويوفر بيانات كاملة عن المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلا عن القطاع غير الرسمي، وهو ما يجعله وبحق من أهم الوثائق التي يجب أن تحظى بالنقاش العام، خاصة إذا ما تمت قراءته في ضوء نتائج بحث الدخل والانفاق، وكذلك بحث القوى العاملة. ويتزامن الإعلان عن نتائج هذا العام مع مناقشة مشروع قانون تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، بالإضافة إلى مشروعي الخطة والموازنة عن العام المالي 2020/2021، داخل البرلمان، والذي يعد وبحق عاما فاصلا في التاريخ الاقتصادي المصري لأنه يتعامل مع الآثار السلبية العديدة لانتشار فيروس كورونا على الاقتصاد والمجتمع. والتعداد لا يتناول القطاع الحكومي وكذلك الهيئات الاقتصادية، كما أنه لا يشمل العمالة الزراعية، وكذلك القطاع الخاص خارج المنشآت مع ضرورة التفرقة بين القطاع غير الرسمي، الذي يتناوله التعداد وهو هنا يتحدث عن الأعمال الخدمية والإنتاجية التي تمارس داخل المنشآت بشكل غير رسمي طبقا للتعريف الوارد، أي أنها دون أي تسجيل أو لعدم الحصول على التراخيص أو لم تأخذ أي شكل قانوني. أما العمالة خارج المنشآت فقد قام الجهاز بتنفيذ بحث شامل عنها لأول مرة عام 2015، وذلك اعتمادا على نتائج بحث القوى العاملة الذي يجريه الجهاز سنويا.

من هذا المنطلق يمكننا التوقف عند أهم ما جاء به البحث من نتائج، وعلى رأسها أن إجمالي المنشآت العاملة في مصر بلغت 3743 ألف منشأة (99.66% منها قطاع خاص)، ومعظمها شركات أفراد (90% من الإجمالي)، بينما الشركات المساهمة تصل إلى نحو 31 ألف منشأة فقط، ولذلك فإن 89% منها يقل رأس المال المدفوع فيها عن 100 ألف جنيه. كما تشكل المشروعات متناهية الصغر 91% من الإجمالي مقابل نحو 6% للصغيرة، بينما الكبيرة أقل من 3%. وقد استحوذت تجارة الجملة والتجزئة على النسبة الغالبة (58% من إجمالي عدد المنشآت، بينما الصناعات التحويلية تصل إلى14%). لذلك فإن نسبة المنشآت التي يعمل بها أقل من عشرة أفراد تصل إلى نحو 97% من الاجمالي، مع ملاحظة أن نحو 30% من المنشآت بدأت العمل خلال السنوات 2015-2017 أي أن الاستقرار السياسي يساعد على زيادة النشاط الاقتصادي

بينما بلغ عدد المشتغلين 13.5 مليون منهم نحو (94% في القطاع الخاص) يحصلون على 74% من إجمالي الأجور البالغ 359 مليار جنيه مقابل نحو 26% للقطاع العام وقطاع الأعمال العام، والذى يعمل به نحو7% من إجمالي المشتغلين، أي أن متوسط الأجر في الثاني يبلغ 8753 جنيها مقابل متوسط أجر لدى القطاع الخاص 2891 جنيها فقط، مع ملاحظة أن إجمالي الأجور في القطاع الحكومي (الجهاز الإداري والهيئات الخدمية والمحليات) بلغ 240 مليارا في ختامي 2017/2018 لنحو خمسة ملايين موظف، والهيئات الاقتصادية التي يعمل بها نحو 400 ألف بلغ 26 مليار جنيه، وهو ما يوضح مدى الخلل الكبير في هيكل الأجور داخل المجتمع، كما أنه يشير إلى حقيقة أساسية وهى أن القطاع الحكومي مازال هو الأعلى في متوسط الأجر، وبالتالي يظل جاذبا للعمالة، على عكس ما تهدف إليه السياسة الاقتصادية. ويلاحظ أن متوسط الأجور في قطاعات الصناعات التحويلية والأنشطة العلمية والتقنية المتخصصة والمعلومات والاتصالات أقل بكثير من المتوسط لدى قطاعات الوساطة المالية والتأمين، مما يجعل الثانية أكثر جذبا للعمالة، بينما يحتاج المجتمع إلى المزيد في الصناعات التحويلية والتي تسهم بنحو 31% من القيمة المضافة الاجمالية في المجتمع، ويعمل بها نحو 24% من الإجمالي، بينما الوساطة المالية لا تسهم إلا بأقل من 4% في القيمة المضافة الاجمالية ويعمل بها 1% فقط. ويشير البحث إلى أن عدد المنشآت في القطاع الخاص غير الرسمي تمثل نحو 53% من اجمالي منشآت القطاع الخاص، مقابل 47% في القطاع الرسمي. 

في هذا السياق، يطرح علينا التعداد عدة أمور مهمة تتعلق بالمعلومات والبيانات والأطر المؤسسية الحاكمة لها. أولها، أنه من الضروري والمهم إعطاء الجهاز الصلاحية الكاملة ليصبح المصدر الأساسي والرئيسي للبيانات والمعلومات في مصر، وهو ما يتطلب العمل على محاور عديدة، أولها إعادة النظر في الأطر التشريعية والتنظيمية المنظمة لعمل الجهاز، فلا يعقل أبدا أن تظل  منظومة التشريعات الحاكمة لهذه المسألة هي ذاتها الصادرة في ستينيات القرن الماضي مثل القانون رقم 189 الصادر سنة 1958 والقاضي بإلزام المؤسسات العامة والشركات والجمعيات بتقديم بيانات عن الموظفين، والقانون رقم 35 لسنة 1960 في شأن الإحصاء والتعداد، والقانون رقم 87 لسنة 1960 في شأن التعبئة العامة والقوانين المعدلة له، وكذلك القانون رقم 121 لسنة 1975 بشأن المحافظة على الوثائق الرسمية للدولة وتنظيم أسلوب نشرها، ناهيك عن قرار رئيس الجمهورية رقم 2915 لسنة 1964 بشأن إنشاء وتنظيم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وقرار رئيس الجمهورية رقم 627 لسنة 1981 بشأن إنشاء مراكز المعلومات والتوثيق في الأجهزة الإدارية للدولة والهيئات العامة واختصاصاتها. هذه الترسانة من القوانين والقرارات أصبحت معوقة لعمل الجهاز، خاصة في خضم التغييرات الجارية والمتلاحقة على الساحتين العالمية والمحلية، إذ لم يعد بالإمكان العمل وفقا للقواعد والأطر الحالية وأصبح من الضروري إعادة النظر في هذه القوانين لتصبح أكثر قدرة وملائمة للتعامل مع الواقع المعاش. محور العمل الثاني يتعلق بضرورة إعادة النظر في الهيكل التنظيمي للجهاز نفسه والأوضاع المادية والوظيفية للعاملين به، إذ أنهم يعانون معاناة شديدة في ظل أوضاعهم الحالية رغم بعض التحسينات التي تمت إلا إنها لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع ما يقوم به هؤلاء من أعمال، وما يتعرضون له من مشكلات في تجميع البيانات، خاصة في قرى ونجوع مصر، فضلا عن ضرورة إعادة النظر في طريقة معاملة الموازنة العامة للجهاز وبالذات في تمويل أنشطته المختلفة.

نقلا عن جريدة الأهرام، 22 أبريل 2020 

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب