استراتيجية الخروج

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

صحف العالم زاخرة هذه الأيام بأفكار كثيرة حول ملامح ما يسمى «استراتيجية الخروج» Exit Strategy من أزمة كورونا، وكيفية العودة للحياة العادية، أو على وجه الدقة ما أصبح يطلق عليه تعبير «الوضع المعتاد الجديد» أو New Normal، والمقصود به أن الأوضاع لن تعود بشكل كامل لما كانت عليه قبل كورونا، بل ستكون هناك أيضا مجموعة من الأوضاع الجديدة، التى ستستمر معنا لفترة فى المستقبل وسنعتادها، مثل قواعد التباعد الاجتماعى، وارتداء الكمامات، والمسح الطبى المتكرر. ما يثير الاهتمام فى الجدل المنشور فى عدد من الصحف العالمية هو الحديث عن مسارات متعددة ومعايير مختلفة لاستراتيجية الخروج من الأزمة. أحد هذه المعايير هو…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

صحف العالم زاخرة هذه الأيام بأفكار كثيرة حول ملامح ما يسمى «استراتيجية الخروج» Exit Strategy من أزمة كورونا، وكيفية العودة للحياة العادية، أو على وجه الدقة ما أصبح يطلق عليه تعبير «الوضع المعتاد الجديد» أو New Normal، والمقصود به أن الأوضاع لن تعود بشكل كامل لما كانت عليه قبل كورونا، بل ستكون هناك أيضا مجموعة من الأوضاع الجديدة، التى ستستمر معنا لفترة فى المستقبل وسنعتادها، مثل قواعد التباعد الاجتماعى، وارتداء الكمامات، والمسح الطبى المتكرر.

ما يثير الاهتمام فى الجدل المنشور فى عدد من الصحف العالمية هو الحديث عن مسارات متعددة ومعايير مختلفة لاستراتيجية الخروج من الأزمة.

أحد هذه المعايير هو السن، ويستهدف إزالة القيود على هؤلاء الذين فى مرحلة عمرية معينة، وهم الشباب وطلاب المدارس، وتستند هذه الفكرة على دراسة حديثة لاثنين من أساتذة جامعة وارويك البريطانية، جاء فيها أن معدلات الوفيات من فيروس كورونا بلغت 0.03 فى المائة للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و30 عامًا، هذا التأثير الضعيف لكورونا على هذه الفئة العمرية يبرر إزالة القيود عليهم، وأن يكونوا طليعة العودة، سواء لقوة العمل أو للدراسة، رغم أن البعض أضاف شرطًا، وهو ألا يكون هؤلاء يعيشون مع آبائهم أو أقاربهم من كبار السن. دراسات أخرى وجدت أن نسب إصابة الأطفال بكورونا هى الأخرى محدودة، بما يبرر عودة المدارس، وقد بدأت بعض الدول الأوروبية فى تشغيل مدارسها مرة أخرى (الدنمارك أعادت طلاب المدارس حتى سن 11)، لكن مع أخذ احتياطات، مثل وجود مسافات متباعدة بين الطلاب داخل الفصول، وإلزامية ارتداء الكمامات، وإجراء اختبارات طبية دورية لضمان عدم ظهور العدوى وانتشارها مرة أخرى.

المعيار الثانى يتعلق بالقطاع الإنتاجى وأهميته بالنسبة للاقتصاد، والبدء هنا عادة يكون بقطاعات الصناعة والغذاء والإنشاءات وبعض الخدمات، وأيضا مع تطبيق قواعد الصحة والتباعد، وقد أضافت الهند لهذا المعيار القطاعات التى تعرض العاملون فيها للضرر الأكبر نتيجة للتوقف والإغلاق، مثل القطاعات التى يشتغل بها العمالة المؤقتة وغير المنتظمة.

المعيار الثالث يتعلق بالجغرافيا، بمعنى عدم إزالة القيود فى كل البلاد فى وقت واحد، ولكن البدء وبشكل أسرع فى المناطق التى كان تأثير الوباء فيها محدودا. وكان هذا الأمر محل جدل فى الأسبوع الماضى بين الرئيس الأمريكى ترامب وحكام الولايات، الذين رفضوا الامتثال لأى قواعد عامة يصدرها الرئيس بشأن عودة تشغيل الاقتصاد، وطالبوا بأن يكون القرار لكل ولاية، واستنادًا لظروفها، وامتثل ترامب لهذا الطلب. ولكن هذا لا يمنع أن يكون القرار مركزيا فى دول أخرى، مع الأخذ فى الاعتبار العامل الجغرافى والظروف المحلية.

معيار آخر استخدمته بعض الدول، وهو التوقيت، حيث يتم اختيار بدء العودة للحياة الطبيعية بحيث لا يتوافق مع إجازات طويلة، على سبيل المثال أعلنت فرنسا أنها سترفع بعض القيود بعد 11 مايو لأن هذا التاريخ يقع بعد عطلتين، يخشى المسؤولون أن يسافر فيهما الفرنسيون لرؤية الأصدقاء والعائلة فى أنحاء البلاد.

وهكذا، لا يوجد معيار واحد متفق عليه للخروج من أزمة كورونا، ومن ثم، فإن طرح استراتيجية مصرية للعودة للحياة الاعتيادية (الجديدة) يتطلب منا التفكير الخلاق فى المعايير التى تلائم ظروفنا، وتوازن بين الصحة والاقتصاد.

نقلا عن صحيفة “المصري اليوم”، نشر بتاريخ ٢٠ أبريل ٢٠٢٠. 

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر